Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

أيهما أهم لدى المغاربة: الطعام أم العقيدة؟! للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي

كتب اسماعيل الحلوتي

ما من شك في أن عبد الإله ابن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي ورئيس الحكومة الأسبق، بات منذ إعفائه من تشكيل حكومته الثانية في مارس 2017 مهووسا بإثارة الجدل واستفزاز مشاعر المواطنين في خرجاته الإعلامية الرعناء، التي تصاعدت حدتها إبان فترة الحملة الانتخابية، استعدادا لانتخاب أعضاء مجلس النواب المقرر إجراؤه يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026. حيث أنه وفي سياق ما أصبحت تشهده الأسواق الوطنية من ارتفاع رهيب في الأسعار، وما صارت عليه القدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والمتوسطة من ترد، صرح في مهرجان خطابي بتطوان يوم 13 شتنبر 2026 بأن “أعز شيء لدى المغاربة ليس هو اللحم والدجاج، بل عقيدتهم ودينهم”

حيث أكد أمام الحاضرين أن ارتفاع سعر اللحوم إلى ما يناهز 140 درهم للكيلو غرام، لا يشكل القضية الأهم بالنسبة للمغاربة، وهم الذين عاشوا لقرون متمسكين بعقيدتهم ودينهم وقيمهم، معتبرا أن الحفاظ على هذه الثوابت يعد أهم بكثير من اللحم والدجاج، وأنه يبقى من بين أبرز الأولويات الأساسية لضمان مستقبل المجتمع. علما أنه يدرك أكثر من غيره أن المواطن لا يستطيع الاستمرار في الحياة ما لم يعمل على تلبية احتياجاته البيولوجية الأساسية من طعام وشراب، وأنه بدون تأمين هذه الاحتياجات الضرورية، لا يمكن له ممارسة شعائره والتفكير في عقيدته ودينه…

وهو التصريح الذي يؤكد مرة أخرى أن ابن كيران يتعمد إثارة الجدل بأي شكل من الأشكال حتى يظل حضوره قويا بين المواطنين وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، ناسيا أن التمادي في الثرثرة قد يأتي في عديد المناسبات بنتائج عكسية، كما حدث عند تشبيه جزء من المغاربة ب”الحمير” و”الميكروبات” والإساءة إلى المؤسسة العسكرية ومستشاري ملك البلاد… وفي ذلك قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه “من كثر كلامه كثر لغطه، ومن كثر لغطه كثر غلطه…” وهي حكمة عظيمة مأثورة تعني أن الإنسان الذي يفرط في الكلام ويتجاوز الحد في التواصل، لا بد له من أن يقع في الخطأ، لأن اللسان طالما يجر صاحبه إلى فقدان هيبته واحترام الناس له، إذا لم يحرص على حفظه والسهر على أن تكون كلماته مدروسة بعناية ومحسوبة العواقب، خاصة إذا كان من بين الشخصيات العامة والسياسية …

فمرة أخرى وفي سباق محموم مع الزمن ليس فقط من أجل تحصين ما تبقى من كتلة انتخابية لحزبه، بل لمحاولة استرجاع بريق الحزب وإنعاش شعبيته، يأبى إلا أن يثير حفيظة الكثير من الذين ما انفكوا يكتوون بنيران أسعار المحروقات وانعكاساتها على باقي المواد الغذائية والأكثر استهلاكا. حيث أنه سرعان ما تواترت ردود الفعل المتباينة على إثر تصريحه الأهوج. إذ كيف يعقل والحالة هذه أن يدعو المغاربة إلى تغليب العقيدة على الطعام، وهو يعلم أنهم ليسوا بحاجة إلى من يلقنهم الدروس بضرورة التمسك بهويتهم ومرجعيتهم الإسلامية، باعتبارها واحدة من بين أهم الركائز الأساسية للاستقرار، لاسيما أنهم عاشوا متشبثين بها لقرون كما يشهد بذلك هو نفسه، بقدر ما هم أحوج ما يكونون إلى من يدافع عن حقوقهم ويترافع عن قضاياهم الكبرى، من القادرين على التدبير الجيد للشأن العام، من خلال اجتراح الحلول المناسبة لمشاكلهم ومعالجة أهم الملفات الاجتماعية والاقتصادية، بعيدا عن الخطاب الديني ودغدغة العواطف، للتملص من المسؤولية.

لابن كيران وهو في سنه الذي تجاوز السبعين أن يواصل رقصاته الهوجاء والمبالغة في ضحكاته الخرقاء واستفزاز الشرفاء، مادامت هناك فئة من “المداويخ” لم تعد تكترث بمتاع هذه الدنيا الفانية بفضل مواعظه، وترى فيه المرشد الوحيد والأوحد إلى طريق الجنة، حتى لو اقتضى الأمر أن تستمر في العيش بالخبز والماء فقط. إذ كيف له أن يهتم هو ومن معه من كبار القوم: وزراء ورؤساء جماعات ومجالس، بغلاء الأسعار وخاصة أسعار اللحوم الحمراء والدجاج، وهو الذي يحصل على معاش استثنائي سمين بقيمة (70 ألف درهم شهريا) من أموال الشعب دون موجب حق، مقابل خمس سنوات من القرارات الجائرة ضد الشعب خلال فترة رئاسته للحكومة؟

فما أقدم عليه ابن كيران من خلط للقضايا الدينية والعقدية بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمغاربة، وهو يعتبر أن مشاكلهم الحقيقية ليست في غلاء أسعار اللحوم والدجاج، وإنما هي في الحفاظ على عقيدتهم ودينهم، أثار موجة من السخرية والكثير من السخط والانتقادات، خاصة أنه يسعى جاهدا إلى العودة لرئاسة الحكومة القادمة عبر سلطة الدين والعقيدة، في ظل عدم قدرته على إقناع المواطنين بأي مشروع مجتمعي أو برنامج انتخابي، يمكن بواسطته توفير خدمات اجتماعية راقية في التعليم والصحة وضمان حياة كريمة لهم ولأبنائهم…

إننا وبصرف النظر عما اتخذه ابن كيران من قرارات جائرة خلال ترؤسه الحكومة في عام 2012 مازال المغاربة إلى يوم الدين هذا يعانون من تبعاتها، نرى أن استمراره في محاولة اللعب على وتر المشاعر الدينية للمغاربة، يعكس بوضوح مدى إفلاسه البين في تقديم البرامج الاقتصادية والبدائل التنموية الواقعية. والحال أنه لا ينبغي تفضيل العقيدة على الطعام أو العكس أو الفصل بينهما، خاصة وهو يعرف أكثر من غيره أن بإمكان الجوع تدمير الأخلاق، كما يمكن للفقر أن يؤدي إلى الكفر وضرب الاستقرار.