Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

الأداء النقابي في ظل التحولات الدستورية،بين الواقعية ومخاطر الانتهازية ..للكاتب الصحفي ذ/ سعيد عطوش

بقلم، ذ،سعيد عطوش

لم يعد النقاش حول الأداء النقابي اليوم مجرد تقييم لعدد الإضرابات أو قوة البيانات. المسألة أعمق من ذلك. نحن أمام مرحلة دستورية وقانونية جديدة نسبياً في المغرب، مرحلة تؤكد على مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع مجال الحقوق والحريات. في هذا السياق، يصبح من المشروع أن نعيد طرح سؤال بسيط في ظاهره، مركب في جوهره: هل تطور الأداء النقابي بالوتيرة نفسها التي تطورت بها المنظومة القانونية والمؤسساتية؟ التحول التاريخي في طبيعة الفعل النقابي عرف العمل النقابي في المغرب، كما في تجارب أخرى، ثلاث لحظات كبرى يمكن تمييزها بوضوح. المرحلة الصدامية: كانت النقابات تموقع نفسها في مواجهة مباشرة مع الدولة، بخطاب حاد وسقف مطالب مرتفع. كانت الشرعية تُستمد من الشارع ومن القدرة على التعبئة. مرحلة التوافق الاجتماعي: بدأ منطق التفاوض يحل تدريجياً محل منطق القطيعة، ولم يعد الهدف كسر المعادلة، بل تعديلها. المرحلة المؤسساتية الحالية: أصبح الحوار الاجتماعي مؤسساتياً، والنقابات فاعلاً معترفاً به داخل منظومة صنع القرار الاجتماعي، لا مجرد قوة ضغط خارجه. هذا التحول لا يمكن وصفه بالسلب أو الإيجاب في حد ذاته، لكنه يطرح سؤالاً جوهرياً: حين تنتقل النقابة من موقع المواجهة إلى موقع الشراكة، كيف تحافظ على توازنها؟ وكيف تتفادى أن تتحول الشراكة إلى اندماج غير معلن في منطق التدبير الإداري؟ الإطار القانوني ومبدأ المشروعية من المبادئ المستقرة في القانون الإداري المغربي: تخصيص المهام: لكل إطار مهام محددة وفق نص قانوني أو تنظيمي واضح. الأمن القانوني: يجب أن تكون القواعد واضحة ومستقرة. تدرج القواعد القانونية: لا يجوز لنص تنظيمي أن يخالف نصاً أعلى منه درجة. في بعض القطاعات ذات الأنظمة الأساسية الخاصة، يُحال تحديد المهام والمسارات المهنية إلى مذكرات أو قرارات لاحقة. وعندما يتأخر إصدار هذه النصوص، ينشأ ما يمكن وصفه بمنطقة رمادية: مهام تُسند بحكم الواقع، وأدوار تتوسع بحكم الضرورة، وتوصيفات تبقى مفتوحة. هذا يطرح أسئلة قانونية هامة: هل هذه المرونة مبررة لمصلحة المرفق العام؟ أم أنها تؤدي إلى التزام مالي أكبر؟ وكيف يمكن حماية الموظفين وضمان حقوقهم في ظل هذه الغموض؟ دور النقابة بين الدفاع عن النص والدفاع عن المكسب يُفترض بالنقابات أن تدافع عن وضوح الإطار القانوني، لا فقط عن تحسينات ظرفية أو مكتسبات آنية. ومع ذلك، في مرحلة يغلب عليها منطق التدريج، قد تميل بعض القيادات إلى قبول حلول مرحلية مقابل ضمان استمرارية الحوار. هنا يظهر مفهوم “الانتهازية” في المعنى البنيوي: تكيّف مع ميزان القوى. هنا يظهر مفهوم “الانتهازية” في المعنى البنيوي. وتفضيل الممكن على المبدأ، دون توجيه اتهام شخصي، بل بوصفه تحوّلاً استراتيجياً ضمن واقع المؤسسات. المقارنة التاريخية: الماضي والحاضر في الماضي: الصراع كان واضحاً، والحدود بين النقابات والدولة محددة. الاصطفاف حاد، والرفض واضح. في الحاضر: الحوار مؤسساتي مستمر، والحفاظ على موقع داخل طاولة القرار قد يصبح أولوية. التدرج في المطالب استراتيجية مرحلية أكثر منه موقفاً ثابتاً. الفرق الجوهري: في السابق كان الهدف تغيير المعادلة، أما اليوم فهو تدبير المعادلة نفسها ضمن إطار قانوني ومالي. القيادات بين الخبرة والتمركز تراكم الخبرة والعلاقات لدى بعض القيادات قد يحول الموقع القيادي إلى رأس مال رمزي وتنظيمي. هذا لا يعني سوء نية، لكنه يؤثر على طريقة اتخاذ القرار. لذلك يصبح تجديد النخب وتعزيز الديمقراطية الداخلية جزءاً أساسياً للحفاظ على استقلالية القرار النقابي. خاتمة: التوازن بين الواقعية والجرأة الرهان اليوم ليس العودة إلى الصدام، ولا الذوبان الكامل في منطق التدبير الإداري. الرهان هو إيجاد توازن دقيق بين الواقعية والجرأة، بين الشراكة والاستقلال، وبين التدرج في الإصلاح والحسم في المبادئ. وضوح النصوص، تحديد المهام، احترام تدرج القواعد القانونية، وتعزيز الديمقراطية الداخلية ليست مطالب قطاعية ضيقة، بل شروط أساسية لترسيخ الثقة في الفعل العمومي. يبقى السؤال مفتوحاً: هل نملك الشجاعة الكافية لإعادة تقييم الأدوار، أم سنكتفي بتدبير المرحلة إلى أجل غير مسمى؟