Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

الأمن المغربي وعقيدة الاستباق في مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة الإرهابية: قراءة في تحولات التهديد القادم من ممر الساحل

عبد الله مشنون كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
على الرغم من أن ظاهرة التطرف العابر للحدود قد خضعت لتشريحات سوسيولوجية وأمنية مكثفة على مدار العقود الماضية إلا أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل والصحراء باتت تفرض نموذجاً تفسيرياً جديداً يتجاوز الأدبيات الكلاسيكية لمكافحة الإرهاب. لم يعد التهديد مجرد خلايا معزولة تتحرك بدافع الاستلاب الفكري العاطفي بل تحول إلى بنية تنظيمية معقدة تعتمد على التوطين العملياتي كبديل عن الهجرة التقليدية نحو بؤر التوتر الساخنة. هذا التحول التكتيكي يضع الاستراتيجيات الأمنية في شمال إفريقيا وفي قلبها النموذج المغربي أمام اختبار مستمر لمدى مرونة وجاهزية مقارباتها الاستباقية التي لم تعد تكتفي برد الفعل بل أصبحت تعتمد على تفكيك الشبكات في مراحلها الجنينية وقبل انتقالها إلى طور التنفيذ المادي. إن القراءة المعمقة في جغرافية التهديدات الحديثة تكشف عن انتقال مركز الثقل العملياتي للجماعات المتطرفة بعد تضييق الخناق عليها في الشرق الأوسط حيث وجدت في المساحات الجغرافية الرخوة بمنطقة الساحل بيئة خصبة لإعادة إنتاج نفسها وتوجيه ضربات عن بعد. وتكمن الخطورة الكامنة في هذه الاستراتيجية الجديدة في الاعتماد على التوزيع العنقودي المشظى حيث يتم توزيع الأدوار والمهام عبر رقعة جغرافية واسعة تمتد بين حواضر متعددة ومراكز إقليمية متباعدة لتشتيت جهود المراقبة والتحري. هذا التباعد الجغرافي لا يعني عشوائية التحرك بل يدار عبر قنوات اتصال رقمية مشفرة وتوجيهات مباشرة تهدف إلى خلق خلايا نائمة محلية تترقب اللحظة المناسبة للتحرك وهو ما ينقل التحدي الاستخباراتي من مراقبة الحدود التقليدية إلى تعقب الاختراقات الافتراضية واللوجيستية داخل النسيج المجتمعي نفسه. من جانب آخر لم يعد الابتكار في الفكر المتطرف مقتصراً على الآليات الأيديولوجية للاستقطاب بل امتد ليشمل الهندسة اللوجيستية وأدوات الدمار البديلة. فالاعتماد على تعديل آليات النقل العادية وتحويل مصادر طاقتها التقليدية إلى مواد قابلة للتفجير باستخدام تقنيات ومواد كيميائية وسوائل متاحة يشير إلى تدريب تقني متقدم يتم نقله عبر الفضاء الرقمي المظلم مما يمنح العناصر المحلية قدرة على التصنيع السري دون الحاجة لتهريب الأسلحة التقليدية عبر الحدود. هذا الانتقال نحو الإرهاب الهجين الذي يمزج بين التخطيط البدائي والتوظيف التقني الذكي يتطلب بالضرورة عقيدة أمنية وقائية تزاوج بين دقة المعلومة الاستخباراتية والسرعة الحركية وهو ما يفسر الاستعانة بالتقنيات الروبوتية المسيرة وأجهزة الاستشعار الدقيقة في التعامل الميداني مع الأجسام المشبوهة لضمان الأمن القومي دون المساس بسلامة المحيط المجتمعي وقيم دولة الحق والقانون. وفي هذا السياق لا يمكن قراءة نجاح هذه العمليات الاستباقية بمعزل عن الجهود الدؤوبة والموصولة التي تبذلها مختلف الأجهزة الأمنية والمؤسسات السيادية المغربية بكافة أصنافها وتخصصاتها. إن هذا التنسيق الميداني المتكامل واليقظة العالية التي تبرهن عليها هذه المؤسسات يعكسان التزاماً راسخاً بحماية الوطن وتحصين مكتسباته ويؤكدان على الكفاءة العالية للعناصر الساهرة على أمن المواطنين واستقرار البلاد، مما يجعل من هذه المنظومة الأمنية المشتركة درعاً واقياً في مواجهة كافة التحديات المخاطرة. في نهاية المطاف يمكن القول إن نجاح أي مقاربة في الحفاظ على الاستقرار وسط هذا المحيط الإقليمي المضطرب يظل رهيناً بمدى قدرتها على التطور الذاتي وبنفس السرعة التي تطور بها التنظيمات المتطرفة أساليبها. إن معركة تحصين الحواضر والمجتمعات لم تعد مواجهة عسكرية أو أمنية صرفة بل هي منظومة متكاملة تفرض تلاحماً وثيقاً بين اليقظة المؤسساتية والوعي الجماعي. وإذا كانت القراءة التحليلية للمخططات المحبطة تؤكد تفوق المقاربة الاستباقية وقدرتها على تفكيك الشيفرات المعقدة للجريمة العابرة للحدود فإن الرهان المستقبلي سيبقى معقوداً على استدامة هذه الجاهزية وتطوير آليات الرصد الأكاديمي والعملي لضمان مناعة النموذج المجتمعي ضد أي اختراق فكري أو أمني يحاول زعزعة أسس السلم والاستقرار.