بقلم: عزيز لعويسي
في سياق التطورات الخطيرة التي تمر منها المنطقة الشرق أوسطية وتداعياتها الجيوسياسية والاستراتيجية على العالم، وفي ظل المرحلة الحساسة والدقيقة التي تمر منها قضية الوحدة الترابية، التي تمضي في اتجاه الطي النهائي، بعد دخول الدبلوماسية الأمريكية بكل ثقلها على الخط، تنفيذا للقرار رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن الدولي نهاية شهر أكتوبر الماضي، وبالتزامن مع مناورات الأسد الإفريقي 2026، التي جسدت وتجسد العمق الاستراتيجي للعلاقات المغربية الأمريكية، محاولة إرهابية، أشبه بالانتحار ما لم تكن انتحارا حقيقيا، تقدم عليها مرتزقة البوليساريو، بعد استهدافها لمدينة السمارة بمقذوفات سقطت بالقرب من منشآت مدنية، أصابت مدني واحد؛
رهان عصابة تندوف وراعيها الرسمي، على الخيار الإجرامي الإرهابي ضد المغرب ووحدته الترابية، دون مراعاة للسياقات الإقليمية والدولية المطبوعة بالتوتر والصراع والعنف واللايقين، ودون اعتبار للشرعية الدولية التي عكسها وجسدها قرار مجلس الأمن الدولي الأخير، ودون تثمين للتحركات الدبلوماسية الأمريكية، الدافعة نحو تسوية نهائية للنزاع المفتعل، تحت إشراف الأمم المتحدة، هو رقصة أشبه برقصة الديك المذبوح في واقع اليأس والهزيمة والاندحار، وعمل إجرامي صعلوكي فاقد لأدنى شروط الحكمة والتبصر وبعد النظر، يؤكد بما لايدع مجالا للشك، أن “الانفصال” و”الإجرام” و”الإرهاب” هي أوجه مختلفة لعملة واحدة، عنوانها العريض إحداث الفوضى، وتغذية نعرات الانفصال والمس الجسيم بأمن واستقرار الدول، كما يحدث في منطقة الساحل والصحراء، التي باتت بيئة آمنة للشبكات الإجرامية والجماعات المتطرفة والخارجين عن سلطة القانون؛
البوليساريو بما أقدمت عليه من سلوك إرهابي، تكون ليس فقط، قد كشفت عن وجهها الإرهابي القبيــح، بل وزكت نفسها كجماعة إرهابية، مهددة للأمن والسلم الإقليميين، ومعيقة لما تتطلع إليه إفريقيا من وحدة وسلام واستقرار وبناء ونماء، في محيط جيواستراتيجي إقليمي، بات تحت رحمة الإجرام والتطرف والإرهاب، كما يحدث في دولة مالي من مخاطر وتوترات يتقاطع فيها الانفصال بالإرهاب، وما يرتبط بذلك، من زعزعة للأمن والاستقرار، ومن تهديد للمصالح الاقتصادية، وتعطيل لعجلة التجارة الدولية العابرة للحدود الإفريقية، وفي هذا الإطار، نشير إلى أن إرهاب البوليساريو، تزامن مع عمليات إرهابية استهدفت شاحنات مغربية بمالي، تعرضت للحرق من طرف جماعات مسلحة متطرفة، وإذا كان من الصعب إيجاد خيط رفيع رابط بين ما حدث في السمارة، وعمليات الحرق التي طالت الشاحنات المغربية بمالي، فإن الحقيقة الثابتة، أن المستهدف هو المغرب، ووحدته وأمنه واستقراره ومصالحه الحيوية والاستراتيجية بإفريقيا، ولن نفكر طويلا، لتوجيه البوصلة نحو أعداء الوحدة الترابية للمملكة، ممن لا ينظرون بعين الرضى، إلى الحضور القوي للمغرب في عمقه الإفريقي، ولم يعد أمامهم من خيار، سوى الرهان على تهديد المصالح المغربية بإفريقيا من وراء حجاب، ولو تطلب الأمر التحالف الشيطاني مع الإرهاب؛
الولايات المتحدة الأمريكية أدانت، عبر ممثليتها لدى الأمم المتحدة، الهجمات التي شنتها جبهة البوليساريو على السمارة، عبر بيان، أكدت من خلاله أن “مثل هذا العنف يهدد الاستقرار والتقدم المحرز نحو السلام” مضيفة أن هذه الأعمال “تتعارض مع روح المحادثات الأخيرة”، مشيرة في ذات البيان، الذي نشر نصه على التوالي من قبل الخارجية الأمريكية، والسفارة الأمريكية بالرباط، أن الوقت قد حان لإنهاء هذا النزاع القائم منذ خمسين عاما، “داعية جميع الأطراف التي تعرقل السلام، إلى الالتزام بصدق، بمستقبل أكثر إشراقا”، ومن جهتها، فقد أدانت بعثة فرنسا بالأمم المتحدة، الهجوم الإرهابي المذكور، داعية بعثة المينورسو، بالتنسيق مع السطات المغربية، إلى كشف جميع ملابسات هذه الهجمات”؛
وفي هذا الإطار، وبقدر ما نثمن الإدانة الأمريكية الصريحة والواضحة لما وقع في السمارة من عمل إرهابي جبان، والتي تعكس في شكلها ومضمونها، صلابة وثبات الموقف الأمريكي تجاه الوحدة الترابية للمملكة، بقدر ما نسائل الموقف السلبي للاتحاد الإفريقي وللدول الإفريقية الصديقة والشقيقة، التي تكتفي بالصمت غير المبرر، دون التحرك لإدانة ما حدث، والتنديد بالأطراف المعلومة التي تعرقل السلام، وتهدد أمن إفريقيا واستقرارها، كما نسائل غياب الموقف العربي خاصة الخليجي، والموقف الدولي بشكل عام، وباقي الأعضاء دائمي العضوية بمجلس الأمن الدولي على وجه التحديد، بما أن ما حصل من سلوك إرهابي، هو اعتداء على الشرعية الدولية، التي جسدها القرار الأممي الأخير، ومعاكسة للإجماع الدولي الداعم لمغربية الصحراء ولمقترح الحكم الذاتي. وعموما فغباء البوليساريو ومن يرسم خطها الإرهابي، هو أشبه بهدية على طابق من ذهب، وجب استثمارها بشكل أمثل، من خلال:
– التحرك الدبلوماسي على مستوى الخارجية الأمريكية، بالشكل الذي يسرع عملية إصدار مشروع القانون القاضي بتصنيف البوليساريو جماعة إرهابية، والذي سبق أن تقدم به نواب بارزون، طالبوا وزارة الخارجية بتقييم وتصنيف جبهة البوليساريو” منظمة إرهابية أجنبية”، مستندين في ذلك، على” وجود أدلة على تعاون عسكري واستخباراتي بين الجبهة الانفصالية والحرس الثوري الإيراني وحزب الله”، مع حشد المواقف الدولية بشأن إرهاب البوليساريو ومن يحتضنها ويرعاها؛
– التحرك على مستوى الاتحاد الإفريقي، وحشد مواقف الدول الإفريقية، لإدانة السلوك الإرهابي لجبهة البوليساريو والجزائر التي تحتضنها، لما لذلك من تهديد للأمن والسلم الإفريقيين، مع سلك المسالك القانونية والمسطرية اللازمة، الدافعة في اتجاه طرد الجمهورية الوهمية من الاتحاد الإفريقي، استنادا للقرار الأممي الأخير، واعتبارا للإجماع الدولي حول سيادة المغرب على صحرائه وعلى مخطط الحكم الذاتي؛
– التنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تقود عملية تسوية، في أفق الطي النهائي لملف النزاع المفتعل حول الصحراء، بالدفع في اتجاه تفكيك مخيمات البوليساريو، وتحميل الجزائر المسؤولية في هذا الباب، وفي هذا الصدد، لا يستقيم التفاوض أو الجلوس، مع أطراف معرقلة للسلام ترفع السلاح في وجه المغرب، وتهدد أمنه واستقراره ومصالحه الحيوية والاستراتيجية؛
– التحرك في اتجاه إلغاء المنطقة العازلة في إطار الشرعية الدوليـــة، لتحييد الخطر الانفصالي الإرهابي، في ظل الاعتداءات الإرهابية المتكررة على المناطق الصحراوية، وفي هذا الإطار، فالجار ة الجنوبية موريتانيا، لم يعد ممكنا أن تبقى مستمرة في التموقع في المنطقة الرمادية، أمام سلوك البوليساريو الإرهابي، وفي ظل الإجماع الدولي حول مغربية الصحراء ومقترح الحكم الذاتي، وأخذا بعين الاعتبار، المشاريع التنموية والاستراتيجية التي أطلقها المغرب، ومنها على الخصوص مشروع أنبوب الغاز الأطلسي الإفريقي، وربط بلدان الساحل والصحراء بالأطلسي، ومبادرة إفريقيا الأطلسية، وهي المشاريع التي تمر عبر موقف موريتاني حقيقي داعم لمغربية الصحراء، دافع عن التعاون وحسن الجوار، ومساهم في بناء مستقبل مشترك مزدهــر؛
– تقوية الجبهة الداخلية، عبر الاستمرار في كسب الرهانات المرتبطة بالتنمية الاقتصادية والبشرية والمجالية، وتحصين المسلسل الديمقراطي الحداثي، عبر مكافحة الفساد وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز آليات عدم الإفلات من العقاب، من منطلق أن نجاح الرهانات والتحديات المرتبطة بتنزيل الحكم الذاتي والدفع بالجهوية الموسعة، وإنجاح المشاريع الاستراتيجية التي أطلقها عاهل البلاد، والمعززة للعمق الإفريقي للمملكة، يمر قطعا عبر جبهة داخلية موحدة منضبطة وجاهزة ومستعدة، تجعل مصلحة الوطن وقضاياه المصيرية والاستراتيجية، تسمو فوق أي اعتبار آخــر…
وفي المجمل، لجوء البوليساريو ومن ورائها الجزائر، إلى خيار الإرهاب ضد المغرب في هذه الظرفية الخاصة والاستثنائية التي تمر منها قضية الصحراء المغربية، يعكس حالة من اليأس والارتباك وانسداد الأفق، بعدما تهاوت أطروحة الانفصال، التي ظلت الجزائر تراهن عليها طيلة نصف قرن من الزمن، بما يخدم مصالحها العدائية تجاه المغرب وأمنه واستقراره ومصالحه الحيوية والاستراتيجية، وأمام ما حققه المغرب من مكاسب ونجاحات دبلوماسية غير مسبوقة، ومن إجماع دولي حول مغربية الصحراء ومخطط الحكم الذاتي، لم يعد أمام الخصوم والأعداء الخالدين، سوى الركوب على صهوة الإرهاب، والرقص رقصة الديك المذبوح، في لحظة تاريخية، دخل فيها ملف الصحراء المغربية، ما يشبه “مرحلة التأمل”، في انتظار النطق بالحكم النهائي .. “إعدام أطروحة” و”صحراء في مغربها ” تحت مظلة حكم ذاتي، سيضع حدا لنصف قرن من العبث والإجهاد الاقتصادي والتنموي والعسكري … نصف قرن من عداء دولة جزائرية استثمرت في تهديد الأمن والاستقرار وتغدية نعرات التفرقة والانفصال ومنابع الجريمة والإرهاب.. دولة فاقدة لأدنى شروط التعقل والمسؤولية وبعد النظر، ينطبق عليها المثل العربي “جنت على نفسها براقش”… ومن عمر جمهورية وهمية، ترقص اليوم.. رقصة الديك المذبــــــوح.. في وقت باتت تقترب “مشنقة الإرهاب” من عنقها، أكثر من أي وقت مضى ..
بقيت الإشارة، إلى أن مرتزقة البوليساريو …، التي ظلت طيلة عقود من الزمن، تراهن على أوهــام تقرير المصير والانفصال والجمهورية الصحراوية السرابيــة …، ها هي اليوم، ترفع السلاح في وجه المغرب، في لحظة مفصلية، مطبوعة بالبحث الدولي عن التسوية النهائية لنزاع مفتعل امتد لنصف قرن، وتهدد بأسلوب إرهابي جبان، ساكنة مغربية صحراوية آمنة ومستقرة ومطمئنة، راضية مرضية في مغربهـا، في سياق جيوسياسي إقليمي ودولي، باتت فيه إيران وأذرعها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحت المجهـر، ما يرتقي بها ومن يحتضنها، إلى مستوى الجماعة الإرهابيــة المهددة للسلام، وهو ما عبــر عنه السفير الأمريكي بالرباط ديوك بوشان ” Duke Buchan ” بمناسبة زيارته الأخيرة لمدينة الداخلة على هامش مناورات الأسد الإفريقي، بالقول “لقد كنت في مدينة الداخلة حيث يقوم الدكاترة المغاربة والأمريكيين بالعمل جنبا إلى جنب في المجال الطبي في الصحراء المغربية، في حين أولئك أعداء السلام، يطلقون صواريخ على أهداف مدنية”. في إشارة واضحة إلى مجرمي تندوف وراعيهم الرسمي؛
ولا يمكن الختم، دون التضامن مع ساكنة السمارة المجاهدة، من باب مناصرة قضايا الوطن وزاوية الدفاع عن مصالحه الحيوية والاستراتيجية، والوقوف وقفة احترام وتقدير أمام القوات المسلحة الملكية المرابطة بالحدود، دفاعا عن وحدة الوطن وسلامة المواطنين، والتنويـــه بما تبليه الدبلوماسية المغربية الرصينة، من بلاء حسن، تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس، وتثمين كل عيون الوطن التي لا تنام، ليبقى المغرب موحدا وآمنا ومستقــرا ، تحت ظل الشعار الخالد ..”الله”. الوطن” ..”الملك”.

