Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

الدراسات القرآنية المعاصرة بين التأويل العلمي والتضليل الايديولوجي(3/5) للكاتب ذ/ محمد بادرة

كتب ذ. محمد بادرة

 نصر حامد ابو زيد وخطاب تفكيك وتأويل النص الديني   

ولد د. نصر حامد ابوزيد عام 1934 في احدى قرى طنطا بمحافظة الغربية بمصر، حصل على شهادة الدبلوم من الثانوية الصناعية وعمل في هيئة الاتصالات السلكية واللاسلكية وبعدها التحق بكلية الآداب بجامعة القاهرة وتخصص في دراسة اللغة العربية وآدابها  (1976) ونال ديبلوم الماجستير في الدراسات الإسلامية تم الدكتوراه في التخصص نفسه عام 1979.

عين أستاذا بقسم اللغة العربية بجامعة القاهرة ثم بعدها أستاذا بجامعة ليدن بهولندا وأستاذا زائرا بجامعة أوساكا للغات الأجنبية باليابان.

من أعماله الفكرية البارزة (فلسفة التأويل) و(مفهوم النص: دراسة في علوم القران) و(نقد الخطاب الديني) و(الخطاب والتأويل) و (هكذا تكلم ابن عربي) و( اشكاليات القراءة واليات التأويل). ولجرأته العلمية وتعمقه في دراسة النص القرآني وتأويله فقد أثارت افكاره الدينية الكثير من الجدل وهو الأمر الذي وصل الى اتهامه بالردة والإلحاد.

كتاب (النص، السلطة، الحقيقة – الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة)

يضم الكتاب مجموعة من الدراسات التي نشرها الكاتب منذ عام 1990 وفيه يقدم قراءة نقدية لخطاب النهضة الذي يعتبره مسؤولا عن القراءة التلفيقية الموجهة ايديولوجيا عن التراث العربي الاسلامي ويدعو في المقابل الى دراسة نقدية تفكيكية للنصوص الدينية والتراثية والإفادة من المناهج الحديثة كالسميولوجيا والهرمنيوطيقا “للتحرر” من التفسيرات الايديولوجية المعطلة للعقل.

في الكتاب يركز المؤلف على عدد من القضايا والاشكالات، ومن أبرزها:

– أولا يتناول (مفهوم تاريخية النص) حيث اعتبر حامد أبوزيد أن النص الديني نص نزل في سياق تاريخي وثقافي محدد وليس منتجا خارج الزمان والمكان ودعا الى (تفكيك بنيته المفهومية التي استقرت في الوعي الديني حتى اتخذت شكل “العقيدة” المنزلة).  واتخذ من مفهوم (خلق القرءان الكريم) الاعتزالي مبدأ لإبطال القول بقدم أو أزلية الخطاب الديني.

– ثانيا أشار الى السلطة المعرفية وفيها ناقش اشكالية انتزاع النص القرآني من سياقه التاريخي واللغوي والثقافي ثم كشف بنية القراءات الايديولوجية للنص الديني وكيف استخدمت لغرض ارادة الهيمنة السياسية والاجتماعية عبر احتكار “الحقيقة” وتأويلها وقال أن (سيادة الأفكار وهيمنتها تم وما زال يتم بأدوات القهر والقمع السلطوي.. وكما حاول المأمون فرض فكرة المعتزلة حاول خلفاؤه قتل فكرة المعتزلة وفرض فكرة خصومهم) المرجع اعلاه – ص69

– ثالثا انتقاد التراث الكلامي والفقهي كاشفا عن البنية الايديولوجية التي تطمس التعددية في فهم النص القرآني ولفك هذه الاشكالية يدعو الى (ادراك العمق التاريخي للتراث ..وادراك تعددية هذا التراث من حيث الرؤى والتوجهات .. وانجاز وعي علمي بالتراث يضعه في سياقه التاريخي ويدرك انجازاته التي اضيفت لرصيد الحضارة الانسانية) نفس المرجع -ص 14-  

– رابعا دعا الى تجديد الخطاب عبر استخدام ادوات حديثة في قراءة النص الديني مثل اللسانيات وعلم السرد لتجاوز القراءات المغلقة.

وفيما يتعلق بالمنهج والهدف فانه يتبنى منهجا تحليليا نقديا (تفكيكيا) لزحزحة المفاهيم التقليدية حول “الازلية” المطلقة في تأويل النص الديني ساعيا لتقديم قراءة “موضوعية” تخرج بالنص من حيز “الصراع على السلطة” الى حيز “المعرفة والانسانية” والمنهج عنده (ينطلق من حقيقة أن قراءة “التراث” وقراءة “النص” الديني تتجلى في شكل خطابات تستوجب التحليل من أجل الكشف عن الدلالات الصريحة والمضمرة وصولا الى “بنية” الخطاب اسلوبيا وسرديا) نفس المرجع – ص8.

فجرت المؤلفات التي أنتجها الكاتب حول نقد الخطاب الديني ضجة كبيرة منذ تسعينيات القرن الماضي بفعل الصدمة التي أحدثها في بنية العقل العربي الجمعي حين ركز الكاتب على البعد اللغوي للنص الديني وأخرج النص المؤسس (القران الكريم) من طبيعته المقدسة كنص ديني صادر عن الوحي وتعامل معه كنص أدبي يخضع لآليات فهم النصوص، وبعبارة اخرى انتهج ابوزيد قراءة أدبية نقدية للطروحات الفقهية التي تناولت تفسير النص القرآني في ضوء أدوات ومناهج تحليل الخطاب الحديثة (السميولوجيا – الهرمنيوطيقا – علم اللغة – علم الأسلوب – علم السرد ) ليضع القران الكريم ضمن حقل النصوص الادبية قبل ان يعتبره لاحقا خطابا يدور حول معنى الحياة وهنا يصبح القران الكريم مثله مثل اي نص منتج. (احمد ماجد)

لعل الآليات المنهجية والنظريات الفلسفية التي أدخلها حامد أبوزيد على حقل الدراسات القرآنية هي الأكثر اثارة للجدل منذ أن قام طه حسين بنشر كتابه (في الشعر الجاهلي) في عشرينيات القرن الماضي، فهو قدم رؤية جدلية جديدة لنقد الخطاب الديني التقليدي وكذا المنهج الكلاسيكي فيما يتصل بقراءة النصوص الدينية.

المشروع النقدي لحامد ابوزيد : تأويل أم تضليل؟ – هرمنيوطيقا أم هرطقة؟

 نجدنا أمام (أبوزيد) كما لو أننا أمام نزعة (أوديبية غير واعية) تقتل الأب ولكنها تحتفظ بصورته كتذكار حتى لا يشعر القاتل بالذنب الناتج عن فعلته، لذلك يحفل نصه بميراث الفقيد كمخيال اصطنعه وتكلم عنه وحاول أن يقنع الآخرين به (احمد ماجد)