Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

الدرس الياباني البليغ للجمهور الكرغولي الأرعن! للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي

كتب اسماعيل الحلوتي

مما لا جدال فيه ولا اختلاف حوله، أن تنظيم تظاهرة رياضية كبرى من مستوى بطولة كأس العالم في كرة القدم، يساهم في خلق تقارب كبير بين الشعوب ومختلف الثقافات، لاسيما أن هذه اللعبة الشعبية الأكثر انتشارا في العالم، تعتبر بمثابة لغة مشتركة رغم اختلاف اللغات والأديان وحتى الخلفيات الثقافية. وتسهر البلدان المستضيفة لهذا الحدث الرياضي الكبير على استقبال جماهير عشرات البلدان داخل الملاعب الرياضية وخارجها في الساحات العامة والفنادق والمقاهي والمطاعم وغيرها، وهو ما يتيح فرصة التعرف على عادات وثقافات مختلفة، وتعزيز قيم الاحترام المتبادل والتعايش والتنافس الشريف بين الأمم، فضلا عن بناء صداقات وعلاقات إنسانية بين المشجعين من مختلف الجنسيات…

بيد أنه وقبل بضع ساعات من انطلاق مقابلة الأرجنتين والجزائر التي انتهت لفائدة “أصدقاء ميسي” بحصة (3/0) يوم الأربعاء 17 يونيو 2026 في الساعة الثانية صباحا بتوقيت المغرب، برسم الجولة الأولى من المجموعة العاشرة بملعب “كانساس سيتي” بالولايات المتحدة الأمريكية في بطولة كأس العالم 2026 في كرة القدم، التي تستضيفها لأول مرة ثلاث دول في ملف مشترك وهي: الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، حدث ما لم يكن في الحسبان، إثر اندلاع أعمال شغب وانفلاتات بين جماهير المنتخبين، حيث أظهرت مقاطع فيديو تم تداولها على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، كيف أن تلك الاشتباكات الموثقة بالصورة والصوت حولت إحدى ساحات مدينة نيويورك إلى ساحة حرب طاحنة، ومصدر إزعاج أمني أعاد إلى الواجهة السجل الأسود للجمهور الجزائري في الملتقيات الرياضية القارية والدولية…

وبقدر ما تأثرنا نحن شعوب العالمين العربي والإسلامي لرؤية مثل تلك المشاهد المؤسفة من الاشتباكات العنيفة وتبادل الضرب المبرح بين أبناء دولة عربية مسلمة شقيقة التي ليست سوى الجزائر وأبناء دولة أجنبية الأرجنتين، لاسيما أن ديننا الإسلامي الحنيف يعتبر من بين أرقى الديانات السماوية وأفضلها، لأنه دين سمح يتميز بتكريس قيم الأخلاق الفاضلة مبادئ العدالة والتسامح، يحث على الصبر والتآزر، ويدعو كذلك إلى المحبة والوفاء، إعمال العقل ونبذ كل أشكال العنف والكراهية، والتمسك بحسن المعاملات مع كافة شعوب الأرض سواء كانوا من المسلمين أو غيرهم من ديانات أخرى…

فإننا لم نلبث أن شعرنا بالارتياح والانشراح لما أقدم عليه الجمهور الياباني من سلوك راق مباشرة بعد نهاية المقابلة التي جمعت بين منتخب بلاده ونظيره الهولندي مساء يوم الأحد 14 يونيو 2026 في الساعة الثامنة بتوقيت المغرب في ملعب “دالاس” بأرلينغتون بولاية تكساس ضمن منافسات الجولة الأولى من المجموعة السادسة، حيث أنهم حرصوا مباشرة بعد إعلان صافرة الحكم على نهاية المباراة بالتعادل الإيجابي (2/2) على تنظيف مدرجاتهم بالكامل وجمع القمامة في أكياس خاصة.

وليست هذه المرة الأولى التي يقدم فيها اليابانيون على هذا السلوك الحضاري، فقد اشتهروا بدماثة أخلاقهم والسهر الدائم على تنظيف مدرجاتهم في الملاعب الرياضية منذ مشاركة منتخبهم في بطولة كأس العالم 1998، إذ يقومون بذات السلوك في جميع الأحداث الرياضية الكبرى بما في ذلك الألعاب الأولمبية. لذلك يرى عديد الخبراء عبر العالم أن اليابانيين جبلوا على هكذا ممارسات منذ نعومة أظافرهم، حيث كانوا يخضعون لتنظيف فصولهم الدراسية وممرات مدارسهم رفقة مدرسيهم يوميا لمدة 15 دقيقة، ما جعل الكثير من شعوب العالم تعجب بسلوكاتهم التي لا يضاهيهم فيها أي شعب آخر، لأنها ليست وليدة الصدفة ولم تأت من فراغ، بل هي تكوين مستمر منذ الصغر. إذ أنهم يدرسون مادة تسمى “الطريق إلى الأخلاق” من مستوى الأولى ابتدائي إلى مرحلة السادسة ابتدائي، يتعلمون خلالها مبادئ الأخلاق وحسن السيرة والتعامل مع الآخرين، مما أدى إلى ظهور هذه الأجيال المتواضعة والحريصة على نظافة محيطها…

فالرياضة ليست مجرد “صراع” أو تنافس على الألقاب، بل هي أخلاق قبل أن تكون إنجازات، والأكثر من ذلك أنها مدرسة متكاملة للتربية والقيم الرفيعة والمبادئ النبيلة، تساهم في تهذيب النفوس، تنمية العقول وترسيخ ثقافة الروح الجماعية، ومن خلالها يتعلم الأشخاص قيم الانضباط واحترام الآخرين، فضلا عن أنها لغة عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية والاختلافات، وتلعب أدوارا متقدمة في التقارب بين الشعوب ونشر ثقافة التعايش والسلام…

بيد أن المخجل هو أن تتمادى بعض الفئات المحسوبة على الجماهير الرياضية في مختلف البلدان، ومن ضمنها تلك الفئة من المشاغبين التي تدعي مساندتها للأندية والمنتخبات الجزائرية في إفساد اللقاءات الرياضية، والإساءة ليس فقط للشعب الجزائري وبلاد الجزائر، بل لجميع البلدان العربية وشعوبها، بفعل ما تأتي به من سلوكات عدوانية وأعمال شغب واسعة النطاق، حيث تقدم في عديد المناسبات داخل وخارج الحدود الجزائرية على استعمال العنف وتخريب الممتلكات العامة والخاصة، ناهيكم عما تقوم به من استفزازات وهي تحول المدرجات إلى مزابل ومنصات لتمرير خطب سياسية معادية ورفع شعارات مسيئة لشخصيات ورموز وطنية في بلدان الجوار مثل المملكة المغربية، وذلك في خرق سافر لمبادئ الروح الرياضية ومواثيق الاتحادات القارية والدولية…