Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

الروائي مصطفى لغتيري في ثقب قلبه يكتب قصيدة الانعزال…

في سماء التيه حدد بؤر قلب ينزف النظرات لعشق مؤجل وغريب. هناك حدد، بصفته الشاعر  الغريب، مجال ومكان الرؤية بمواصفات مختلفة، هناك حيث :

المكان يرى الذات المفترض بدقة اكبر، جعل لها مكانا سورياليا :

من ثقب في القلب

بذلك وزع هيولى الرؤية فجعل منها أمكنة متعددة، حددها في ثقب، فتصبح الرؤية مشتتة، ممكنة من زوايا مختلفة.

وكلما تعددت الأمكنة في مجال الرؤية كلما اتسع آمال ضبط حقيقة الموضوع فيها، ذاك المبأر من زاوية نظر، حيث العالم المشار إليه في اختيار التأويل ينجلي بصور مغايرة.

منذ أول إشارة علاماتية في نص مصطفى لغتيري، يمكننا القول أن الشاعر يعرف موضوع قيمته، كما هو متأكد من زوايا النظر للبحث عن خصائص مزوعة و مشتتة في اختباراته المشفرة برموز كثيرة، منها المكان الذي جعل منه القلب بثقب كثيرة، مما فتح التأويل فجعل  أجزاء المعنى المرغوبة في تصوره لها عدة معاني. ذاك ما  سنبحث عنه من خلال نظرات الشاعر التي لم تتوقف أبدا، وهذا ما سيوضحه ما سيأتي لاحقا.

السؤال المحوري هنا هو، ومن خلال الثقب المتعددة في القلب، ماذا وجد الشاعر وهو يبحث عن حقيقة حددها في موضوع متشعب سماه: اطل عليك.

السؤال الموالي الذي يفرض نفسه وبقوة  لماذا اختار القلب كموقع اساسي وحساس ، من خلاله صنع عوالمه، فجعل منها ثقلبات متنوعة، وعلى أساسها شكل ماهية الحقيقة، بصفتها مجال الإطلالة، تظهر وتختفي ، بمحددات خاصة، كان الانطلاق من الذات، هي مصدر الرسالة، وانتهى بمجال الآخر /الانت، من خلال العلاقة المركبة  تحددت عناصر النظر في مجال جد دقيق سماه:أطل عليك.

و ما سر هذه الاطلالة التي حكمت عليه ان يقول عليك وليس لك؟؟؟ ، لأن المسافة بين الكلمتين شاسعة، إليك أساسها العطاء وعليك مجالها  جعل من ذات الآخر مصدر النظر وأساس الوجود وحقيقة الكينونة المشتتة في نظرات ترى ما تريد من زاوية جد محددة.

عند الدخول في عوالم هذه الثقب التي شكلت نصا بمواصفات خاصة، سنجد ان الشتات محكوم عليه ان يؤسس الخطاب باسس متمفصلة، تلتقي وتتنافر، بين التلاقي والتنافر تتسع دوائر الثقب القلبية، وكلما تعدد هذا التوزيع تتيه المساعي تتنوع النوايا وتختلف المرتكزات، فيجعلنا الشاعر نغرق معه  في نظراته ببوح جد مشفر، لهذا  ابتدا القصيدة بمصدر غامض(وئيدا)، فتبدأ الحركة الأولى بدفء فعلي حركي غريب/ارتشف، ليصب النظر في نبض الكأس الغامض، لعله يمتص حقيقة ما يتوغل في عمقه، وهكذا يبتدا من داخل الذات، ليطل علينا عبر ثقب قلبه، من خلالما يطل على الغريب المحدد في ضمير المخاطب، ويعود إلى العمق الذي جعل منه متوغلا في دروب العزلة، وهي فضاءات ممكنة تؤهله ان يصل إلى الحقيقة. كما تساعده على  معرفة  كل ماسبق إليه  الفلاسفة عندما انعزلوا واغتربوا،  وفي غربتهم هناك صنعوا عوالمهم الخاصة، من ذلك نيتشه الذي ذهب رفقة زارادوسترا إلى الجبل ليبحث عن حقيقة حمقه، و كما فعل أفلاطون عندما اغترب في عالم المثل فرفض الجسد الفاحش، شأنهما شان شاعرنا الذي  دخل في دروب وحدته، ومن خلال ثقب قلبه، وفي عزلة الذات ذهب مغتربا ليطل على الذات المفترضة باحثا عن مجرات خاصة ، ومن خلالها صنع الجنون  الذي  اهله ان يرسم  نافذة في السماء ليرى العالم المادي من زاوية أكثر وضوحا. هو نظرة من زاوية دقيقة، وفي نفس الوقت هو تعالي وسمو، سيساعده على تغيير المجاري المادية برفض محدد،. جعله يخرج من الأرض ليصعد العلو، بطقوس ملائكية جعلته يسكن عالم الرسل والأنبياء ليتحول إلى ملاك من نور.

تخلص من الانسان فوضع طائر السنون بديلا مسعفا مساعدا ومؤهلا للرقي بنظرات خاصة، حيث القلب، وحيث السماء وحيث العزلة، ليصنع مجرات تشكل كلية غريبة في طبيعة النظر والتسامي، وهو اختيار مشروط بين الكائنين، بين الطائر التائه المتجهم والشاعر الحائر في طبيعة نظرته المتعالية، فوضعنا  الشاعر في دوامات تتعدد وتختلف، من جهة، هو شاعر منعزل وغريب يبحث عن مسارات مختلفة، فرضت عليه التعالي،. كما ألزمته السفر رفقة طائر  ينحث  حيرة الزمن، ليتحول الكل إلى صياغات ممكنة تسهم في تحديد سيرة الرسل، تلك التي تكتب في سحاب أجوف، فيعود في صناعة عوالمها محددا الهودج،يرتب  الأهداف بأسراره الخاصة، ينحث سيرة السؤال المخفي في كل الرحلات الهائجة، لعله يقدر ان يستقر في جفون العيون التائرة الحائرة والمتمردة.

شاعر يكتب سيرة العشق بخجل الكلمات، يرتب النغمات في وحدة غير رحيمة، يتمدد في سراب السراب، يسعى الكتابة بصيغ الغرباء الذين يعرفون اسرارهم وهم يركبون أسرار الكلمات التي لم يتوقف نزيف  هيجانها.

ذاك هو مصطفى لغتيري الشاعر الذي ركب جسد القصيدة، متوغلا في ثقب قلبه،. ساعيا عشقا بمواصفات دقيقة جدا.

يقول في قصيدة جعل  موضوعها: ثقب قلب:

وئيدا أرتشف كأسا

تتوغل عميقا

في  درب وحدتها،

تحفر ثقبا في القلب

ونافذة على السماء.

هناك أرى طائر السنونو

تائها.. متهجما

يثقب بمنقاره

الهش المسالم

حيرة الوقت،

يحمل على جناحيه

المتعبين

سيرة الأنبياء.

أرى سحابة عجفاء

تترنح كشبح مرتعب

تخرج لسانها ساخرة

لكل الأتقياء.

مكللة أراك يا أنت

في هودجك السري

تمضغين أهداب

السؤال.

وفي حضن عينيك

النجلاوين

يتمدد كل الصبر

المتراكم منذ زمن أيوب

في جراب

الأمهات و الجدات،

وأنت وحدك

تزفين فارسك

على نغمات عشق

يخجل من صدى الكلمات.