كتب …ذ. محمد بادرة
لم يتبقى على ساعة الحسم عن تشريعيات 2026 الا ساعات معدودة ثم ينقضي العرس الانتخابي كما يصفه المتفائلون الذين يرون فيه تعبيرا عن ارادتهم وتوجهاتهم وخياراتهم عبر المشاركة الفعالة بأصواتهم التي يضعونها داخل صناديق الاقتراع، أما اليائسون والرافضون والمقاطعون فيعتقدون أن الانتخابات لن تفضي الى القضاء على الفساد وأن المشاركة الانتخابية ليست سوى عرس بلا عروس بحسب رؤيتهم، غير أن المتفائلين بالمشاركة الانتخابية يردون عليهم بالتساؤل التالي: كيف يتم الاصلاح والتغيير ان لم يكن ذلك عبر الانتخابات التي على أساسها تتشكل الحكومات وتبنى المؤسسات؟
هو تساؤل انكاري يحمل جوابا بليغا وردا قاطعا على اليائسين بصرف النظر عن نوايا قائليه ان كانوا صادقين أو ناطقين بكلمة حق يراد بها باطل.
يبرر المقاطعون رفضهم المشاركة الايجابية في العملية الانتخابية لاعتقادهم أن بعض وكلاء اللوائح الانتخابية تفوح منهم روائح الفساد السياسي واختلاس المال العام واستغلال النفوذ والأثراء غير المشروع، وتعتفد فئة أخرى من المقاطعين والرافضين للمشاركة الانتخابية أن عددا من قادة الأحزاب تحوم حولهم شبهات استغلال المنصب الحزبي أو الحكومي لتحقيق مكاسب شخصية وبين هذا وذاك يكون الناس حيرى بأمرهم: هل يّذهبون الى صناديق الاقتراع أم يقاطعون ؟
الأحجام عن التصويت لا يمكن أن يعتبر وسيلة خلاص ناجعة لابعاد المفسد من الساحة السياسية أو من المؤسسات التمثيلية بل ان الأحجام والمقاطعة هو تزكية لوجود الفساد واستمراره وكما يقول المثل (كالمستجير من الرمضاء بالنار).
الاحجام في نظر المشاركين والمتفائلين هو استمرارية لحالة رفض مزمنة لا مخرج منها والأسلوب الأصح والأصلح هو التفاعل مع هذه الحالة الشاذة باجراء (الفعل المعاكس) ويعنون به المشاركة المجتمعية الساحقة في العملية الانتخابية.
حسب الآراء التي تتناقلها السنة الناس وتتداولها مواقع التواصل الاجتماعي هناك رأي سائد بين المتشائمين من المشاركة الانتخابية يبررون مقاطعتهم بوجود فئة من المرشحين من لم تدفعهم الرغبة في الأصلاح والارتقاء بالبلد بل ان الدافع الأساسي للترشح عندهم هو الوصول الى قبة البرلمان وان الوصول الى هذا الهدف يحقق لهم الوجاهة والنفوذ أما الراتب والتعويض المادي والامتيازات المالية فليست وحدها مغرية بل ان النفوذ يجني لهم أضعاف رواتبهم، فما ينفقون من أموال في حملاتهم الانتخابية يفوق رواتبهم للسنوات الأربع التي يشغلون فيها عضوية البرلمان، ويتحقق الثراء بالحصول على امتيازات وصفقات وانجاز معاملات لفائدة فئة انتهازية من رجال المال والأعمال لقاء مبالغ مالية معتبرة أو حصص مساهمة في شركاتهم ومقاولاتهم أي أن الوصول الى المؤسسة التشريعية– حسب رأيهم- ليس بهدف بناء الوطن ورفاهية المواطنين وانما التواجد والقرب من مصدر القرار والانتفاع الشخصي منه.
وينتهي الرأي بهذه الفئة الى القول أن “ديموقراطيتنا” هي باب مفتوح للانتهازيين والمنتفعين والوصوليين وأن الوصول الى قبة البرلمان فيه ما فيه مما يسيل له اللعاب وصار حتى الذين لا يفقهون من السياسة شيئا يحلمون بالاسترخاء تحت هذه القبة، وخذ مثلا أن بعضهم لا يعرف اختصاصات البرلمان ولا يفقه في التشريع والقانون والرقابة بل لا يعرف حتى العدد المكوّن للنواب البرلمانيين في الغرفة الأولى ولا عدد النساء البرلمانيات اللواتي يصلن الى البرلمان عبر اللوائح الجهوية للنساء وقبل هذا وذاك الجهل بحيثيات قانون الانتخابات.
أما المتفائلون من العملية الانتخابية ومن المسار الديموقراطي فيؤكدون أنه لا خيار مجدي للوطن والمواطن غير الديموقراطية، ويتحمسون لهذا المسار الديموقراطي الانتخابي ويؤكدون امكانية تطوير الأداء الديموقراطي وتقويمه.. والانتخابات هي الكفيلة بحماية واستمرار الديموقراطية عبر ثقة الناس بالانتخابات والثقة بقدرة المرشحين المنتخبين على تحقيق الحد المقبول من العدالة الاجتماعية وسيادة القانون وحفظ المال العام وخدمة مصالح المواطنين.
هذا الاختلاف وهذه الحيرة في صفوف الناخبين جعلهم ينقسمون الى معسكرين متضادين الأول معسكر المشاركين المتفائلين والثاني معسكر المقاطعين اليائسين وانتقل هذا الاختلاف والانقسام من مستوى الأختلاف الطبيعي في الرأي حول ممارسة الحق الانتخابي الى مستوى أدلجة هذا الأختلاف والأنقسام وجعله متجذرا في البنية السياسية والاجتماعية والثقافية للمجتمع السياسي.. لكن هذا المنطق لن يؤدي الا الى انعدام الثقة واتساع الفجوة بين المواطن والطبقة السياسية الى حد الذي جعل نسب المشاركة تتراجع بشكل أكبر في كل دورة انتخابية عن الدورة السابقة لها مما جعل أصوات مهمة لا تبالي بالانتخابات ويغذيها مزاج شعبي محبط.
مع كل دورة انتخابية تتسلل رائحة الوعود الكاذبة والتمنيات الوردية لتهدد ما تبقى من الثقة بين الناخب والمرشح وهذا الخطاب لم يعد مجرد تسريب أو زلة لسان عابرة (الاعلان عن مقترح الرفع الآني “للسميك” في مهرجان خطابي عوض مجلس حكومي !– مقترح الزيادة في المعاشات دون تحديدها والفئات المعنية بالمقترح – اثارة ملفات حساسة لبعض الفئات المحرجة قصد استمالتها انتخابيا)..هذا الخطاب الشعبوي تحول الى استراتيجية متعمدة يتبناها بعض المرشحين اللاهتين وراء كسب الاصوات باسهل الطرق، وهي كلها وعود انتخابية يطلقها المرشحون لجذب الأصوات ثم تتبخر بعد الفوز..
ان لجوء المرشحين الى هذه الاستراتيجية (السامة) ليس سوى دليل مباشر على افلاسهم السياسي والحكومي..عندما يفشل السياسي في فضح الدعم المقدم (للفراقشية) ويتواطؤ في صفقات مشبوهة لصالح الأقرباء ومريدي الحزب.. وعندما لا يملك اجابات مقنعة عن هدر الأموال العامة فان ملاذه الوحيد يصير الى الوهم والتغليط واستغباء المواطنين والناخبين ثم يحوّل السياسي والمرشح الانتخابي البوصلة من المساءلة عن “الانجازات” والخدمات الى التحشيد ضد (الآخر) الذي يدخل معه معركة الصراع على المقعد البرلماني وعلى حصد الحزب أكبر عدد من المقاعد البرلمانية.. ويشتعل هذا الصراع ليصل الى مستوى التصادم بين الزعامات الحزبية والحكومية(لقجع –أخنوش).
ان ما يحتاجه الوطن اليوم ليس مواطنا واعيا بممارسة أو عدم ممارسة حقه الانتخابي فحسب بل يحتاج أيضا وبشكل أكثر الحاحا الى قيادات وقوى سياسية واعية بدورها في خدمة الوطن والمواطن واستعادة ثقته بالمؤسسات وبخياره الديموقراطي.. قيادات حزبية لا تجعل حب البقاء بالسلطة مقدما لها على مصالح الأمة والمواطنين.
ان غياب هذه القيادات الوطنية والديموقراطية عن المشهد السياسي أو ضعف دورها سيزيد التشردم السياسي والتشظي المجتمعي وسيعمق المشاكل والأزمات القائمة مما يرسخ حالة الاحباط الشعبي من الانتحابات ومن التجربة الديموقراطية الحالية.

