Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

النص والمصلحة العامة: لماذا تبدو بعض مطالب المتصرفين التربويين غير قابلة للتحقق قانونياً؟

 بقلمذ،سعيد عطوش باحث في القانون

في خضم النقاش الدائر حول المادتين 22 و77 من المرسوم رقم 2.24.140 المتعلق بالنظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية، برز خطاب مهني يعتبر أن الدولة “لم تنصف” فئة المتصرفين التربويين، وأن هناك مطالب مشروعة لم يتم التجاوب معها كما ينبغي. غير أن قراءة قانونية هادئة، بعيدة عن التوتر النقابي، تطرح سؤالاً جوهرياً: هل الإشكال فعلاً في “رفض الدولة”، أم في حدود ما يسمح به الإطار القانوني والتنظيمي للوظيفة العمومية؟ هذا المقال يحاول تفكيك المسألة من داخل المرجعية القانونية المغربية، وليس من زاوية الموقف أو التعاطف. أولاً: الوظيفة العمومية علاقة تنظيمية لا تعاقدية بمقتضى النظام العام للوظيفة العمومية المؤطر بـــ الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.58.008 (النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية)، فإن علاقة الموظف بالإدارة ليست علاقة تعاقدية، بل علاقة تنظيمية قانونية. هذا المبدأ يعني أن حقوق وواجبات الموظف يحددها النص التنظيمي، وأن تعديلها يتم بمرسوم أو قانون، ولا يمكن فرض تأويل موسّع لنص تنظيمي تحت ضغط فئوي. بالتالي، حتى لو اعتُبر أن تأويلاً معيناً للمادة 22 أو 77 يخدم مصلحة فئة معينة، فإن اعتماده يظل رهيناً بقرار تنظيمي صريح، وليس بتأويل مهني. ثانياً: مبدأ وحدة النظام الأساسي ومنع التمييز الفئوي المرسوم رقم المرسوم رقم 2.24.140 جاء في سياق إعادة هيكلة شاملة للقطاع. فلسفته تقوم على توحيد الأنظمة، وتقليص الاستثناءات، وضبط المسارات المهنية في إطار موحد. إذا تم اعتماد تأويل خاص بالمادتين 22 و77 يمنح امتيازاً نوعياً لفئة دون أخرى، فإن ذلك قد يصطدم بمبدأ دستوري واضح منصوص عليه في الفصل 6 من دستور 2011، وهو سمو القانون والمساواة أمامه داخل نفس الإطار النظامي. الدولة هنا لا تدبر حالة فردية، بل توازن نظاماً كاملاً يضم عشرات الآلاف من الموظفين. ثالثاً: النصوص الانتقالية تُفسَّر تفسيراً ضيقاً المادة 77 تُعد مادة انتقالية. والقاعدة في الفقه الإداري أن النصوص الانتقالية تُفسَّر تفسيراً ضيقاً، ولا تُوسَّع آثارها، ولا تُنشئ حقوقاً دائمة خارج قصد المشرّع التنظيمي. هذا المبدأ مستقر في القضاء الإداري المقارن، وخاصة في اجتهادات Conseil d’État التي تؤكد أن النصوص الاستثنائية لا يجوز التوسع في تفسيرها. وعليه، فإن تحويل المادة الانتقالية إلى قاعدة دائمة أو إلى حق مكتسب موسع قد يتعارض مع منطقها القانوني الأصلي. رابعاً: الإكراه المالي ومبدأ التوازن الميزانياتي أي تعديل في احتساب الأقدمية، أو الإدماج الاستثنائي، أو تحويل تعويضات إلى عناصر ذات قانونياً، الدولة ملزمة باحترام مبدأ التوازن المالي المنصوص عليه في القوانين المالية السنوية الصادرة بمقتضى القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية. بمعنى آخر، القرار الإداري ليس معزولاً عن أثره المالي طويل الأمد، وأي استجابة تتجاوز الإمكانيات المرصودة قد تشكل خرقاً لمنطق الانضباط الميزانياتي. خامساً: استمرارية المرفق العام وعلوية المصلحة العامة الفصل 154 من دستور 2011 ينص صراحة على أن المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة والاستمرارية والمساواة. في الفقه الإداري، المصلحة العامة تعلو على المصلحة الفئوية، والمرفق العام يخضع لمبدأ “قابلية التغيير” وفق ما تقتضيه الضرورة التنظيمية. الدولة، حين تمتنع عن توسيع تأويل مادة معينة، لا تمارس تعسفاً بالضرورة، بل قد تمارس سلطة تقديرية هدفها الحفاظ على توازن القطاع، ومنع خلق سوابق قانونية، وتجنب فتح باب مطالب مماثلة لفئات أخرى. سادساً: بين العدالة المهنية والإمكان القانوني قد تكون بعض مطالب المتصرفين مشروعة أخلاقياً أو مهنياً، لكن المشروعية المهنية لا تعني تلقائياً المشروعية القانونية. الفرق جوهري بين ما يُعتبر “منصفاً” من زاوية الفئة، وما هو ممكن ضمن حدود النصوص المنظمة. الدولة مقيدة بنصوص، وبمبادئ دستورية، وباعتبارات مالية، وبمنطق المساواة بين الأطر. الخلاصة: حدود الممكن قانونياً عند تجميع العناصر السابقة، يتضح أن صعوبة تحقيق بعض المطالب لا ترجع بالضرورة إلى رفض سياسي، بل إلى الطبيعة التنظيمية للوظيفة العمومية، وتفسير النصوص الانتقالية تفسيراً ضيقاً، ومبدأ وحدة النظام الأساسي، والتوازن الميزانياتي، وعلوية المصلحة العامة على المصلحة الفئوية. من هذا المنظور، فإن الرهان الواقعي ليس في الضغط من أجل تأويل موسع لمادتين داخل مرسوم قائم، بل في الدفع نحو تعديل تنظيمي صريح عبر المساطر القانونية المعروفة. أما الاعتقاد بإمكانية فرض قراءة توسعية تحت ضغط مهني، فذلك يصطدم بجدار صلب اسمه: دولة القانون.