كتب اسماعيل الحلوتي
والحكومة التي قيل عنها يوما أنها “حكومة الكفاءات” تسير مترنحة وعلى غير هدى نحو نهاية ولايتها التشريعية، ويأمل مواطنون كثر أن يتخلصوا إلى الأبد من وجوه أعضائها، ومما ظل يثيره بعضهم من جدل واسع وآخرون من سخرية، فإذا بوزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة محمد سعد برادة، الذي جاءت به موجة التعديل الوزاري الموسع في 23 أكتوبر 2024 خلفا لشكيب بنموسى، يعود ثانية يوم الإثنين 11 مايو 2026 ليصنع الحدث من تحت قبة البرلمان، وهو يحاول شرح إحدى الآليات البيداغوجية، مرتجلا بعض التعبيرات التي نكاد نجزم أنه هو نفسه لن يستطيع إعادتها من جديد…
ففي موقف لا يحسد عليه، وقف وزير التربية الوطنية أمام عدد من نواب الأمة وآلاف المشاهدين بعينين حائرتين، لا يستطيع النطق بجملة سليمة إبان جلسة الأسئلة الشفوية المشار إلى تاريخها أعلاه، حيث قال والعالم من حولنا يتفرج: “عندنا واحد داك الطريقة النمذجة باش التلميذ يفهم كيفاش خصو يدير باش يفهم كيفاش يدير، هاذشي اليوم كولشي كايعتارف بيه”، مما أثار موجة واسعة من الضحك والسخرية ليس فقط داخل المؤسسة التشريعية، بل حتى خارجها في البيوت والمقاهي ومقرات العمل وغيرها، حيث قام عدد من النشطاء بتداول مقطع من مداخلته على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، لتتناسل التعليقات المنتقدة لعدم قدرة وزير أكبر قطاع حيوي على صياغة جملة واضحة، في الوقت الذي كان يتعين فيه أن يكون ملما بقواعد اللغة العربية وقادرا على إنتاج خطاب واضح ومفهوم لدى الرأي العام…
ونذكر هنا على سبيل المثال تعليق إحدى النائبات البرلمانيات من فرق المعارضة على كلمة الوزير أثناء محاولة شرح بعض تفاصيل الإصلاح التربوي، دون أن يسعفه تعثره في التعبير السليم وتوضيح أفكاره، خاصة عند استعمال عبارات مرتبكة وغامضة، حيث قالت في تدوينة لها على صفحتها الشخصية في موقع “فيسبوك” بأن “من لا يمتلك القدرة على التعبير الواضح، لا يمكنه قيادة إصلاح التعليم”، وأضافت أنه “من المؤسف أن يعجز المسؤول الأول عن المدرسة العمومية ومناهجها عن إيصال فكرة بسيطة بلغة دقيقة ومفهومة” كما لم تفتها مشاركة المغاربة في انتقاداتهم للوزير وسخريتهم حول مصطلح “النمذجة” وهي تتساءل: “إذا كان الوزير غير قادر على صياغة جملة مفهومة، فكيف سيقنع المغاربة بقدرته على نمذجة إصلاح التعليم؟”
فما يغيظ الكثير من المهتمين بالشأن التربوي وغيرهم من المواطنين، أنها ليست المرة الأولى التي يوجد فيها وزير التربية الوطنية محمد سعد برادة وسط عاصفة من الانتقادات اللاذعة لما يتصف به أسلوبه في التواصل من غموض وارتباك لغوي مثير للشفقة، بل إن هذا المشهد البائس يعيد إلى الأذهان عديد الجدالات التي سبق لها أن لاحقته حول تحريفه لبعض العبارات مما يفقدها معناها الحقيقي ك”المهارقة” بدل المراهقة، وتعرض فيها لانتقادات مماثلة إثر استعماله تعابير بعيدة كليا عن لغة التواصل المؤسساتي المعتادة، وهو ما أعاد النقاش من جديد حول مخاطبة المسؤول الحكومي للمواطنين في ظل التحديات التي تواجهها منظومة التربية والتكوين ببلادنا، وفي مقدمتها جودة التحصيل الدراسي والارتقاء بمستوى المدرسة العمومية، لاسيما أن القطاع ما انفك يستنزف ميزانيات ضخمة من أجل تحقيق إصلاح حقيقي.
وإذا كانت البلدان الديمقراطية التي تحترم شعوبها وتولي المنظومة التعليمية والمتعلمين عناية خاصة، حيث أنها تحرص كثيرا على أن يتم اختيار وزراء القطاع بناء على أسس ديمقراطية سليمة وبالاعتماد على معايير جد دقيقة، كأن تشترط في الشخص المترشح للمنصب أن يكون عضوا منتخبا ضمن أحزاب التحالف الحكومي، يمتلك سجلا حافلا بالمعارف والعلوم، من حيث الكفاءة الإدارية والتربوية، وغالبا ما يتطلب الأمر أن يكون متدرجا في العمل الأكاديمي أو الإداري الخاص بالقطاع، وما إلى ذلك من مواصفات أخرى لا ينبغي أن تغيب نهائيا عن أذهان أصحاب القرار…
فإننا في المقابل لا نرى أن محمد سعد برادة يندرج ضمن قائمة الأشخاص الذين تتوفر فيهم شروط تحمل المسؤولية الأولى في قطاع استراتيجي بحجم التعليم، وهو الذي جيء به فقط في إطار العلاقات الشخصية والتجارية التي تجمعه برئيس الحكومة أخنوش وحرمه. لأنه وبكل بساطة بعيدا كل البعد عن حقل التربية والتعليم، باعتباره رجل أعمال بارز، بدأ مسيرته المهنية في مجال المال والأعمال إثر تخرجه من مدرسة القناطر والطرق في باريس، ويشهد له بنجاحه في إدارة عدة شركات رائدة في مجال الصناعات الغذائية والدوائية والبنية التحتية…
قد يكون محمد سعد برادة ابن وزير الفلاحة عبد السلام برادة في عهد الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، ناجحا في إدارة أعمال شركاته، وأن لديه طموحا كبيرا في النهوض بأوضاع المنظومة التعليمية، من خلال التركيز على تحديث المناهج الدراسية، إدخال التكنولوجيا في القطاع، تطوير البنية التحتية للمؤسسات التعليمية، تشجيع الرياضة المدرسية وتوسيع قاعدة المشاركة، بيد أن ذلك كله لا يشفع له أن يبدو عاجزا عن التواصل الإيجابي، واسترجاع الثقة المفقودة للأسر المغربية في المدرسة العمومية، لأن المغاربة يريدون من وزير التربية الوطنية أن يكون نموذجا في تطويع اللغة العربية والارتقاء بالخطاب، عوض أن يكون مهرجا لا يجيد سوى إثارة الضحك بين الكبار والصغار على حد سواء…

