مريم مشتاوي كاتبة لبنانية
سقط الرجل أرضاً كما تسقط الكلمات حين تعجز عن الصراخ. لم يكن الإغماء ضعفاً في الجسد، كان فائضاً من القهر. فالقهر حين يتكدس في الصدر، لا يبحث عن دموع، يبحث عن مخرج.. عن انقطاع مؤقت في الوعي.. كأن الجسد يعلن عجزه عن حمل ما فاض عن الروح.
كان واقفاً أمام بيته، أو ما تبقّى منه في الذاكرة. أمام جرافة لا تعرف معنى البيت، ولا تحفظ أسماء الأطفال، ولا تفهم كيف يصبح الجدار ذاكرة، والنافذة عمراً، والسقف أماناً مؤجلًا. الجنود كانوا هناك بوجوه باردة، كأنهم خرجوا من تدريب طويل على نزع الإنسانية. القرار جاهز، والتنفيذ أسرع من أي سؤال.
قالوا له إن البيت سيهدم. قالوا ذلك ببرود شديد. لم يسألوه عن الصور المعلّقة، عن رائحة القهوة التي كانت تتسلل كل صباح من المطبخ، عن خط الطول الذي رسمه على الحائط ليقيس نمو ابنته، عن الشق الصغير قرب الباب الذي كان يبتسم كلما رآه لأنه يعرف أن الزمن صنعه لا القذائف. لم يسألوه عن الليل حين كان يضع رأسه قرب النافذة ليستمع إلى تنفّس القرية.
سقط… نعم سقط لأن القلب حين يحاصر، ينهار قبل الجدران. سقط لأن الإنسان ليس آلة صبر، ولأن للروح تطلب هدنة قصيرة حين يطوف الألم.
التف الناس حوله. أيد مرتجفة.. أصوات متداخلة… خوف يركض بلا اتجاه. أحدهم فك زر قميصه، آخر حاول أن يرفع رأسه، ثالث نادى اسمه وكأن الاسم وحده قادر على إعادته من الغياب. كان جسده ممدداً على التراب.. تراب مشى عليه منذ تعلم أن يخطو خطوته الأولى.
في تلك اللحظة لم يكن وحده. كانت القرية كلها ممددة معه. كان كل بيت ينتظر دوره. وكان الوطن يتنفس بصعوبة، كمن يضع يده على صدره محاولاً ألا يختنق.
ثم جاءت اللقطة الأخرى. العائلة مجتمعة… امرأة تضع يدها على كتفه كما لو تحاول تثبيته في هذا العالم، كأن لمسة واحدة قد تمنع الانهيار الكامل. رجل يرفع علماً يعرف أنه أصدق من كل البيانات. طفل يقف خلفهم، يراقب المشهد بعينين أكبر من عمره، يفهم دون شرح أن هذا ليس حدثاً عابراً، وأن الذاكرة تصنع أحياناً بالقهر..
الجنود في الخلفية.. آلياتهم، أعلامهم، صمتهم المسلّح. مشهد غير متوازن منذ بدايته… طرف يملك القوة، وطرف يملك الحق، والتاريخ يعرف جيداً كيف يسجّل هذه المعادلة، حتى لو حاولت اللحظة إنكارها. ليست الحكاية عن رجل أُغمي عليه. هي عن وطن يُغشى عليه كل يوم ثم يصحو. عن بشر يطالبون أن يكونوا أقوياء أكثر مما يحتمل الإنسان. عن قهر إذا زاد، خرج من العين دمعة، أو من القلب إغماءة. القهر الصامت أشد فتكاً من الصراخ، لأنه يضغط على الداخل حتى ينهار الجسد وحده.. دون استعراض ودون إذن.
هناك شيء موجع في أن تهدم البيوت أمام أصحابها، أن يطلب من الإنسان أن يشاهد اقتلاع نفسه بوعي كامل، وأن يترك له خيار واحد فقط… أن يتحمّل.
ومع ذلك، في كل مشهد فلسطيني، هناك دائماً تفصيل صغير يقاوم.. يد على كتف، علم يرفع، طفل لا يبكي. هذه التفاصيل هي التي تربك القوة، وتؤكد أن الشعب مازال هنا، رغم كل شيء، ورغم كل محاولات المحو.
سقط الرجل، نعم. غير أن الحكاية لم تسقط. والبيت، حتى وإن هدم، سيظل قائماً في الذاكرة. والأرض التي حملت جسده تعرف اسمه ولن تنساه.
غزة تضحك تحت المطر
سقط المطر في تلك الليلة كأنه يختبر صبر المدينة. لم ينزل برفق، ولم يعتذر. نزل دفعة واحدة، كثيفاً.. ثقيلاً… كأن السماء قررت أن تفرغ حمولتها فوق غزة دفعة واحدة، بلا حساب، وبلا مراعاة لمن لا يملكون سقفاً يقيهم، ولا شارعاً يتسع للماء.
في وسط الشارع، حيث كان من المفترض أن تمر السيارات، جلسوا. طاولة خضراء صغيرة، كراس بلاستيكية واهنة، ووجوه شابة تعرف جيداً معنى الانتظار. المياه كانت تزحف ببطء، تلتف حول الأرجل، تحاول أن تفرض سيطرتها، وهم باقون. ليس عناداً، ولا استعراضاً، إنما لأن البقاء أحياناً يصبح الفعل الوحيد الممكن.
رغم المطر، كان الشباب يضحكون حول طاولة مستديرة، يتبادلون العصير والضحكات، بينما تغرق أرجلهم في المياه التي اجتاحت الشارع. لم يكن الضحك تحدياً بقدر ما كان إصراراً على الحياة، كأنهم يقولون إن الفرح، مهما صغر، لا تغرقه السماء. الضحكات كانت خفيفة، عابرة، لكنها حقيقية، تخرج من صدور تعرف القلق جيداً، وتعرف أن الضحك هنا ليس ترفاً إنما نجاة.
إلى جانبهم، كان الأطفال يركضون ويمرحون، يضحكون بصوت عال، يرشون بعضهم بعضاً بتلك المياه نفسها التي تغرق المدينة. كانوا يقفزون داخل الماء كما لو أنه بحر صيفي، لا شارعاً مثقلاً بالوحل، وكأن الطفولة، للحظة واحدة، انتصرت على الخراب.
في الخلف، محال مغلقة، أبواب معدنية تلمع تحت الضوء، وجدران حفظت أكثر مما ينبغي من الصمت. الخيام تقف على استحياء، كأنها تعرف أنها مؤقتة، وأن المؤقت في غزة يطول حتى يتحول إلى قدر. الضوء المعلّق فوق الشارع يضيء المشهد بلا دفء، سلسلة لمبات صغيرة تحاول أن تقنع الليل بأن الحياة ما زالت ممكنة. يمر الناس بحذر. بعضهم يخلع حذاءه، بعضهم يجر قدميه داخل الماء، بعضهم يركض ثم يتوقف، كأن الشارع نفسه يفرض إيقاعه. هنا لا شيء يسير كما يجب، لا الماء يعرف طريقه، ولا الوقت يلتزم بمنطقه.
المطر لا يغسل المدينة، يزيدها ثقلاً. كل قطرة تحمل معها سؤالاً قديماً… إلى متى؟
ومع ذلك، لا أحد ينهض ليغادر الطاولة، حتى حين تتحول الشوارع إلى أنهار، وحتى حين تصبح التفاصيل اليومية معركة صغيرة.
في هذا التناقض، تعيش غزة. بين الضحك والماء… بين اللعب والانتظار…. بين طفولة تركض في الشارع، ومدينة تحاول أن تبقى واقفة.
هكذا تمضي غزة ليلها… مبتلة، متعبة، تضحك رغم كل شيء، وتشرب العصير فيما تغرق الأرجل، وتترك للأطفال مساحة صغيرة ليؤمنوا أن الماء، مهما ثقل، لا يستطيع أن يطفئ الحياة.

