Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

دجاج فاسد يتسلل إلى مطابخنا! للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي

كتب اسماعيل الحلوتي

ما من شك في أن الغش من أفظع السلوكات البشرية المرفوضة في جميع القوانين والديانات السماوية، وهو من الأفعال التي طالما يلجأ إليها بعض ضعاف النفوس من منعدمي الضمير. ويراد من خلاله تحقيق مصلحة شخصية، سواء تعلق الأمر بتحقيق النجاح في امتحانات إشهادية أو مهنية أو مباريات توظيف، أو بكسب أرباح مضاعفة في العقار وعبر معاملات تجارية غير مشروعة. كما أنه يعتبر من الممارسات المدمرة التي من شأنها تقويض قيم الصدق والنزاهة، وضرب مبدأ تكافؤ الفرص في الدراسة والتكوين، وغالبا ما تكون عواقبه وخيمة ليس فقط على الفرد وحده، بل حتى على المجتمع.

إذ أنه وبالنظر إلى ما صار عليه مثلا حال عديد التجار في الأسواق الوطنية ببلادنا من جشع وتهافت على الربح بشتى السبل، لاسيما في ظل تصاعد موجة غلاء الأسعار التي طالت جميع المواد الأساسية والغذائية خلال السنوات الأخيرة، أصبحت ظاهرة الغش متفشية في عدة منتوجات من خضر وفواكه وزيوت وحليب ودقيق ولحوم، ومن ضمنها الدجاج. حيث أضحت أساليب الاحتيال لدى بعض باعة الدجاج مكشوفة في غياب الوازع الديني والأخلاقي.

ففي ظل تواصل مسلسل الزيادات المطردة وغير المسبوقة في أسعار المحروقات وسائر المواد الغذائية وخاصة اللحوم الحمراء، التي بلغت أرقاما قياسية منذ مجيء حكومة أخنوش التي أطلق عليها ظلما “حكومة الكفاءات”، تزايد الإقبال هذه الأيام على اقتناء الدجاج، باعتباره مصدرا أساسيا للبروتين، لكن بعض بائعي الدواجن ممن أعمى الجشع أبصارهم وبصائرهم، أبوا إلا أن يستغلوا أزمة الغلاء صوب تحقيق أرباح خيالية على حساب المستضعفين من المواطنات والمواطنين.

ترى أين تتجلى معضلة الغش في بيع الدجاج؟ إن الغش وخاصة ذلك المرتبط بالدجاج بات اليوم يتنوع بين عدة أشكال ومنها على سبيل المثال لا الحصر: التلاعب بالميزان، حقن الدجاج بالماء للزيادة في وزنه، إضافة الملح للعلف قصد الدفع به إلى شرب كميات كبيرة من الماء، تغيير تواريخ الصلاحية وتصريف الرديء منه أو المريض للمطاعم بأثمان زهيدة، وما إلى ذلك من أفعال شنيعة ومريعة…

ومن غريب الصدف أنه وبتزامن مع الاستعدادات الجارية لإحياء شعيرة عيد الأضحى في أجواء روحانية، وفي خضم التهاب أسعار أضاحي العيد، طفت على السطح مقاطع فيديو في منصات التواصل الاجتماعي، توثق لاستشراء الغش في بيع الدجاج، وكيف صار باعة هذه المادة الغذائية يبدعون في تطوير طرق النصب، مما أدى إلى إثارة الخوف في أوساط المواطنين، ودفع بالسلطات المحلية إلى تكثيف حملاتها الميدانية لمكافحة ظاهرة الغش، شاركت فيها لجن مختلطة من ممثلي أقسام الشؤون الاقتصادية بالعمالات ومكاتب الصحة في الجماعات والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية رفقة قوات الأمن الوطني. وهي الحملات التي أسفرت عن حجز أطنان من الدجاج الفاسد في عدة محلات تجارية بمختلف المدن المغربية، ناهيكم عن مخالفة معدات التبريد للمعايير المعمول بها والعثور على كميات من الدجاج واللحوم في حالة تلف وتعفن، ساهمت جميعها في فتح مساطر قانونية ضد أولئك الذين يعرضون صحة وسلامة المواطنين للخطر…

ولم يلبث منسوب القلق أن تعاظم بين المواطنين على إثر اتصال هاتفي من قبل شخص قدم نفسه على أنه تقني في مجال تربية الدواجن مع أحد البرامج الإذاعية، كشف من خلاله عن معطيات صادمة حول ما وصفه بممارسات خطيرة ببعض الضيعات الخاصة بتربية الدواجن، التي من شأنها المس المباشر بصحة المواطنين وسلامتهم الغذائية. حيث تحدث ذات المتصل الذي يعمل بالقطاع وله دراية واسعة بأهم تفاصيله عن أن أرباب الضيعات، يلجؤون كلما شعروا بوجود أخطار تتهدد منتوجهم أو احتمال انتشار مرض ما وسط الدواجن، إلى حقنها بمواد علاجية أو كيميائية قوية وغير خاضعة لأي رقابة حقيقية، قبل عرضها في المحلات التجارية والأسواق الوطنية للبيع، علما أن الحقن بتلك المواد يستدعي فترة انتظار لا تقل عن ثلاثة أسابيع أو 21 يوما قبل طرحها للاستهلاك…

وسعيا إلى حماية المستهلك، ينص القانون المغربي على معاقبة جريمة الغش وفق نصوص مخصصة، أبرزها القانون رقم 83.13 المتعلق بزجر الغش في البضائع، إلى جانب مقتضيات قانون حماية المستهلك رقم 08.31، حيث تتخذ جريمة الغش التجاري إما شكل الخداع (باستخدام أفعال أو أكاذيب تظهر الشيء على غير حقيقته) أو التزييف (إحداث تغيير مادي في جوهر أو كمية أو مصدر المنتوج). وتتراوح العقوبات السجنية بين الحبس من شهر واحد إلى خمس سنوات، وغرامات مالية قد تصل إلى ملايين الدراهم حسب طبيعة المنتوج ومدى خطورته على صحة الإنسان أو الحيوان، ويمكن للعقوبات الإضافية أن تشمل إغلاق المحل، مصادرة البضائع المحظورة، أو شطب من السجل التجاري…

إنه ومن خلال تنامي ظاهرة الغش وغيره من الممارسات الشنيعة والمدمرة في مجتمعنا، وخاصة فيما يتعلق بالمواد الغذائية، بات من المفروض أن تتضافر جهود الجميع: الأسرة والمدرسة ومختلف وسائل الإعلام، وغيرها من الفعاليات الحقوقية والسياسية والمدنية من أجل محاصرة مثل هذه السلوكات غير السوية واللا أخلاقية التي تضر بحياة المواطنين، وعلى السلطات القضائية الضرب بقوة على كل من ثبت تورطه في مثل هذه الأفعال الجرمية الخطيرة.