بقلم … عبد الرحيم الضاقية مراكش
« L‘espace est une représentation nécessaire a priori, qui sert de fondement à toutes les intuitions extérieures.»
Emmanuel Kant
أصدر الباحث والمترجم المعطي قبال في مستهل سنة 2026 رواية بعنوان «عقاب الشهوات» Le châtiment de la chair ، وقد حظيت باهتمام لافت خلال فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب المنعقد في ماي من نفس السنة بالرباط على المستويات الإعلامية والبرمجية، كما خصصت لها متابعات صحفية مكتوبة ومرئية. وقد اختار المؤلف أن تكون هذه الرواية عبارة عن سفر جينيالوجي/ أنسابي ينطلق من بؤرة مكانية وزمانية وبشرية شكلت نموذجا شجريا ترابطيا بين الأصل والفروع نحو مصائر متشظية. وقد فضل أن تنطلق أحداثها زمنيا من مرحلة ذات طابع عجائبي من تاريخ المغرب، والتي سماها العروي في أطروحته «بالاستلاب المخزني» (Laroui,1980,p 334)، وقد تميزت بالفوضى والصراع الداخلي بين مكونات طامعة في السلطة ومستفيدة من أحداث جانبية تحركها أيادي قوى أجنبية. وقد اقتفت الرواية أثر السمات الجينية المتوارثة والتي شكلت عنصرا حكائيا اشتغل بالبحث عن مؤشرات صمود هذه المؤشرات الوراثية على مستوى السلوك والملمح ومميزات الجسد وطرق تناول الأحداث والتعامل مع الوقائع. وتتميز الرواية بالغنى على مستوى الخلفيات التي وظفت على مستويات زمنية ونفسية وتحليلية. وتتصف كتابة الروائي بالتكثيف النصي واستعمال إيماءات عميقة الدلالة باعتبار خلفيته المعرفية والفلسفية والسوسيولوجية واختياراته الجمالية. والرواية جد غنية من حيث مضامينها لكننا اخترنا موضوعة المكان باعتبارها إطارا حاسما في تطور الأحداث، وأداة للتفسير وفهم الكثير من الوقائع الذهنية التي طبعت الشخصيات التي صنعت أحداث الرواية. وتنويرا لذلك يرى باشلار أن المكان يساهم في التأسيس لأنماط من الأحلام الاستيهامية والتي تُغذي الصور الحقيقية للواقع بأخرى مستوردة من أماكن وفضاءات أخرى، كما أن المكان يساهم بشكل مباشر في رص وتنظيم أحداث الحكايات الخاصة بالأفراد والجماعات (Bachelad,1978 , p23). وقد وقفنا على قدرة الكاتب في توظيف المكان لصناعة الوقائع، بل حوله في الكثير من الأحيان إلى فاعل رئيس في تشكيل الصور الروائية وإضفاء طابع معين عليها. فأثناء الحديث على الفضاءات يبدو الأمر عفويا لأول وهلة، لكنه في العمق يدل على تحكم بارع في شخصية المجال والتعامل معه تارة بالإحالة البعيدة أو بالإيماءة، أو بالوصف الدقيق والمفصل.
- المكان في رواية عقاب الشهوات: بين التصنيف والرمزية.
تدور أحداث الرواية في جغرافية معينة مؤثثة بتضاريس ومناخ حكائي يحمل معه سمات الظرفية التي يتواجد فيها، لذا فالأماكن هنا تحيل على لحظات من الإحساسات والحالات النفسية المقيمة والعابرة لدى شخوص الرواية. فالإحالة على المدينة أو البادية أو المحطة أو الزاوية أو الصحراء هي في نفس الآن استدعاء للخوف والحنين والانتقام والشهوة والحرية. فالمكان يمنح عُمقا ومعنى للأحداث ويقوم بتكثيفها ووضع معالمها الطوبوغرافية والرمزية على المحك، فالكودية باعتبارها رمزا تضاريسا وتاريخيا ومجاليا وعسكريا يعمل على تماسك بُنيان الحكاية ويُطعمها برموز ذات طبيعة تاريخية أو مقدسة أو تحيل على زمن السيبة في مغرب القرن 19، أو نوستالجيا مرحلة الزوايا في العصر السعدي وتوسع المد الصوفي في البوادي والمدن حين كان المخزن يغادر العاصمة السلطانية لينزل إلى الهضاب والسهول لاسترجاع شرعية مفقودة (الضاقية، 1982، ص31). يستعمل الكاتب المكان لشبك المجال مع سياقاته حيث يعطيه فرصة لمواجهة الأفكار والتمثلات التي تحملها شخوص الرواية حول المدينة والسكن والعمل والفرحة وممارسة الجنس او فقط التأمل في الذات والآخر (p12 Akli, 2022,). ويمكن أن نقوم بمحاولة تصنيفية لرمزية المكان في الرواية عبر هذه المسارات:
- -1 – دينامية المكان.
تنطلق الرواية زمنيا من نهاية القرن 19 وقد عرفت هذه الفترة وما يليها تسارعا غير مسبوق في التطور على مستوى جغرافيات المغرب. فخلال الفترة التي تغطيها الرواية وقعت تحولات في طرق ووسائل النقل، وتوسعت المواصلات وأصبح النقل متاحا مما ساهم في اقتفاء أثر العائلة من الناحية الحكائية ومكن من تقديم مشاهد وبطاقات بريدية مختلفة لفضاءات واسعة. فالمتن عبارة عن تتبع أنسابي لوضعيات ومصائر تتعالق في إطار زمني ومكاني يتمثل في قلب المغرب (ما بين تادلة والدار البيضاء مراكش) ولهذه الأمكنة جذور مشتركة في السرد لكنها تدخل في ديناميات توجه ثقل المغرب من الداخل نحو الساحل، ومن الأراضي الفلاحية- السهول نحو المناجم، مما يؤشر على تحولات في الاقتصاد والمجتمع خلال القرن العشرين. وتتشابك الأمكنة ضمن الذاكرة الإنسانية من خلال إلباسها دلالات تختلط بالحنين (الكودية) أو بالتأمل (سهل تادلة- طرفاية) أو بالتعبد والخشوع (الزاوية الشرقاوية) أو بالمتعة والغناء والرقص (علبة ليلية- منطقة النخيل بمراكش) أو بالعنف والجريمة (شارع مظلم) أو النفاق الاجتماعي (العبادة والخيانة)… وكلها أحداث ووقائع تختلط فيما بينها لترسم هذه الشجرة العائلية التي تتمدد على جغرافية المغرب نحو الجنوب وحتى فرنسا، سواء بشكل فعلي أو في شكل اسيهامات نابعة من هندام وزينة أستاذة للغة الفرنسية في بدايات المدرسة العصرية في المغرب.
1 – 2 – المركز والمحيط.
تنطلق أحداث ملحمة الجد ألأكبر من باب مدينة فاس في نهاية القرن التاسع عشر ولعل لهذه المدينة رمزية خاصة في صياغة تاريخ المغرب، فالذي يسيطر على فاس هو حاكم المغرب الفعلي ويورد العروي وقائع وأحداث تؤكد ذلك منذ عهد السلطان سليمان وحتى الموت العجيب والغريب للحسن الأول حيث لم يعلن عن وفاته إلا بعد أن وصل إلى فاس (Laroui,1980,p 130). وسوف نجد أن ملحمة آل بوبريك سوف تنطلق من فاس لتنتهي في مركز رمزي للعائلة وهو الكودية التي شكلت بؤرة الأمكنة في الرواية حيث استطاعت أن تفرض ايقاعها على مجمل الأحداث الحقيقية والمفترضة أو المفكر فيها. فهي فعلا نُتوء تضاريسي يُطل على مساحات منخفضة من عدة جوانب، وهذه الخصائص الشكلية بالضبط هي التي حدت ببوبريك كي يتخذها مقرا بعد انفراط عقده مع السلطان. وبذلك احتل المكان مركز العالم الحكائي في الرواية وشكل مرجعا للأحداث والوقائع. ولعل هذا النتوء الطبيعي هو الذي طبع بسماته نتوءا طبيعيا آخر استطاع به آل بوبريك فرض سلطتهم في الأرض وعلى الفراش. فالفضاء مجال للتمرد على السلطة قبل وبعد الاستقلال، ومصدرا للتحكم والمراقبة والإخضاع الفعلي والمعنوي، فكل ما يوجد تحت الكودية فهو مراقب وتحت مجهر السلطة الفعلية للأب الأكبر. كما أن الكودية استعملت كمكان لنوستالجيا هاربة وملاذ لكل من ضاقت به السبل في أماكن بعيدة عنها. وقد لونتها الرواية بألوان مختلفة حولتها لمكان للشهوة وللفشل والألم وتعرية للزمن (ص 65) بل تحولت إلى مكان مقدس يحيل على زاوية قادرة على نشر الفضيلة والشفاء من أمراض المجتمع المزمنة. وقد اقتفت الرواية تحولات المركز نحو مركز اقتصادي قوي هو الدار البيضاء التي جذبت إليها الأحداث والوقائع، لتنتهي الرواية بمركزية السلطة والقرار في الرباط حيث تطلبت كلمة نعم أو لا من الجيلالي السفر لأربعين ساعة ذهبا وإيابا للحصول على قرار إداري بسيط.
1 –3 – تكثيف الأمكنة.
تشكل الفضاءات عناصر تساهم في إعطاء الحركة الروائية أبعادا مختلفة عبر استعمالها في ربط علاقات حقيقية أو افتراضية مع مكونات تاريخية أو وجدانية أو نفسية. فأسئلة من قبيل أين تقع الأحداث؟ أو كيف يُقدم المكان الذي يلف الوضعية السردية؟ ولماذا وطن الكاتب هذه الأحداث في هذه الأمكنة بالضبط؟ (p12 Akli, 2022,). كل هذه الأسئلة وغيرها يجد لها القارئ النبيه مداخل في ثنايا الرواية، ففضاءات من قبيل الحمام الشعبي الذي ذكره بالاسم ” حمام السعادة” هذه «السعادة» سوف نجدها على باب فندق في طرفاية، وبين المكانين سفر بالحافلة يمتد على 20 ساعة. كما أن محطات القطار، والمواخير، والمغارات، واولاد عزوز، وموقع مدينة برشيد المرتبك في جغرافية الحكي كلها تحيل على حبكة روائية تستلهم من المكان حالات ووضعيات تعيشها شخوص الرواية بكل حرارتها الحقيقية. ويخيل للقارئ تصاعد روائح هذه الأمكنة وجوها العاصف أحيانا، والهادئ أحيانا أخرى، كما يشعر باستعمال الأمكنة كشراك للأحداث لا تستطيع الإفلات منها رغم افتراضاته المسبقة.
- – 4 – سلطة المكان.
رغم أن الرواية استعملت الشخوص والأفراد الحقيقيين مفاتيح للسرد واعطتهم مكانة خاصة في صناعة الأحداث سواء بسلوكهم أو أفكارهم أو خصائص أجسادهم أو انخراطهم في شبكة من العلاقات الممتدة في المغرب وخارجه، إلا أن الأمكنة ساهمت في التأسيس لبنية سلطة شفافة تتحكم في المصائر المختلفة. فجدلية تقسيم الإيجابي والسلبي، والوجود والعدم ساهمت في ايجاد فواصل بين الداخل والخارج كآلية مجالية مُسعفة في استنباط قواعد واضحة ضمن تصنيف الأمكنة، وإخضاعها للتحليل المجالي الذي يفتحها على ديناميات أوسع قد تمارس نوعا من العنف الرمزي عبر رسم خطوط هندسية تضع الحدود بين عالمين (Bachelad,1978 , p198).. فالعتبات والأبواب شكلت أمكنة رمزية ذات قوة تفسيرية قوية أعطت للحكي بعدا مجاليا ورمزيا ابتداء من باب مدينة فاس الذي هو باب المغرب الأقصى، وأبواب أخرى تفتح للشخوص مجالات للعمل او الهروب من ذواتهم أو من واقعهم مثل مداخل مدينة سطات وخريبكة والدار البيضاء. يضاف إلى مداخل أصغر كباب الزاوية وباب الحمام وباب الماخور. كما أن فواصل القرنين المعنين 20 و21 شكلتا مداخل أخرى من مغرب السيبة والتحكم في المجال عبر الكودية، إلى مغرب يتحكم في المجال عبر السلطة لاقتصادية لميناء الدر البيضاء ومنجم خريبكة، ثم بوابة القرن 21 الذي أصبح التحكم عبر عتبات نشر أفلام وتسجيلات ذات صيت ومشاهدات واسعة بغض النظر على طابعها الأخلاقي وهذه المرة انطلاقا من عاصمة السياحة العالمية. للتحول السلطة إلى آلة بيروقراطية تمارس داخل المكاتب المرتبطة كلها أو جله بمركز للقرار في العاصمة عبر تراتبية محكمة متحكم فيها بشكل آلي عبر تبادل وتقاسم المعلومة والتأكد من مدى صحتها.
2 – حركية الوقائع ودلالات المكان: محاولة في الفهم.
يمنح المكان عمقا خاصا لوقائع من خلال ارتباطها بأحداث لها طابع الواقعية يمكن لأي كان أن يجد نفسه فيها. ونجد الأمكنة تنوب عن الكاتب في وصف الظواهر الاجتماعية بكل فجاجتها فالعلبة الليلية تلفها حالة من الحنين والأنين، والدعارة الراقية تتم في مكان له رمزية تاريخية، والغرفة في السطح تستعمل كملاذ آمن من أهوال المدينة، والصحراء بكل عنفها المجالي والحراري تتحول من منفى اختياري إلى معانقة حلم رواية الأمير الصغير لسان إكزوبيريSt Exupéry . وقد يحملنا التحليل والتأمل في وقائع الرواية إلى ربط المكان المعاش باعتباره فضاء احتضن الفرد أثناء فترات من حياته وارتبطت به ذاكرته الخصبة مع شخوص الرواية كأسماء شخصية لها رنة موسيقية خاصة ودلالات رمزية (فاطمة – وردية – لعوينة – الجيلالي) في سياق مغرب مرتبط أكثر بالطبيعة. وكثيرة هي الأمكنة التي يجعلها الكاتب تتكلم عن نفسها من خلال نصب مرايا ونقل صور وطرح أسئلة وحبك وضعيات سردية خاصة تجعلها تتحول في بعض الأحيان عن طبيعتها لتتحدث عن نفسها وتتجاوز كونها أماكن تحتضن الحدث إلى شخوص مكتملة قادرة على تشكيل بنية الرواية من قبيل ضيعة الحاج العربي – دار منصورة – المدرسة القرآنية ( El Mestor, 2024, p76). ونستطيع أن نرسم صورة تقريبية لبعض الأمكنة ودلالاتها ضمن الرواية من خلال الإحالة على الثنائيات الآتية:
2–1 – المكان الملاذ.
تحبُل الرواية بحركة دائبة ومطاردة لمصائر مختلفة تتقاطع مع الذاكرة والمعيش اليومي للشخوص الذين يكابدون الهروب من شبح تخييلي استيهامي يختفي لكنه سرعان ما يظهر في مناسبات صعبة أو لحظات تأمل واسترخاء. لذلك نجد الجميع نساء ورجالا يتحركون في اتجاهات متعدد كما لو أنهم/ن يبحثون عن المكان الملاذ ليكون واحة آمنة، تقي من قسوة الواقع وفتنة المجاعة النفسية وتنعش أنفاس الكرامة (ناس عبد الكريم ،2008، أنفاس نيت). ويتجسد هذا المكان في رواية “عقاب الشهوات” في شكل فضاءات مُفعمة بالذاكرة أو مساحات معزولة، أو عوالم متخيلة، أو فضاءات غير مألوفة ذات مواصفات خاصة. ويشتغل المكان الملاذ كأداة سيكولوجية وجمالية تمنح النص بُعداً عميقاً، محققاً وظائف سردية ورمزية متعددة. فنجد الكودية كمكان رمزي يشكل منطلق العائلة الفعلي ومجالا للحنين المستمر عبر استحضار مجدها وغطائها النباتي وحيواناتها (ص 55). كما أن فضاءات أخرى لعبت هذا الدور نذكر منها الصحراء بكل شساعتها وامتدادها، نفس الدلالة تحملها الأماكن المغلقة لممارسة الشهوة الدفينة، والمغاور الآمنة، وتصبح بعض الأماكن المجهولة في الرواية ملاذات آمنة للذاكرة والخيال.
2–2 – المكان المتخيل
يُعد المجال مصدر كل عملية تخييلية أو استيهامية، فهو يشكل المادة الوجودية الأولية لصناعة المتخيل. ويعتبر الفيلسوف برغسون Bergson أن «المكان هو رمز للتوجُه الذي يصنع الذكاء الانساني» لذلك فالمجال يشكل قاعدة تنطلق منها أطياف الخيال الإنساني بلا منازع. لهذا الغرض فالتخييل الإنساني يتم نمذجته عن طريق تطوير الرؤية البصرية، ثم السمع، فاللغة …أي مجمل أدوات الادراك والاستيعاب التي تتم عن بعد، وداخل هذا الاختزال الرمزي تتشكل معالم الفضاء المتخيل (Durand, 1992, p 472). وقد تشكلت في الرواية فضاءات متخيلة كثيرة بعضها يرتبط بالمكان المعاش سطات برشيد تادلة، وبعضها الآخر مستوحى منها عبر صور نمطية عن فرنسا والصحراء ومحطات القطار ومدينة خريبكة ومواقع مختلفة من الدار البيضاء كمجال يجمع تناقضات المجتمع خلال القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة.
2–3 – المكان المجهول.
كثيرة هي الأماكن التي أحال عليها الكاتب دون تحديد جغرافي دقيق وكانت هذه الفضاءات بمثابة متنفس حكائي وتخييلي يساهم في فتح خاصية الشساعةImmensité التي نجد لها مكانا فينا جميعا كنفس عميق يخفف من الضغط النفسي (Bachelad,1978 , p168). فمهارة ترويض المجال الذي تحدث عنها المؤرخ دو سيرتو De Certeau في إطار ملأ الفراغات المكانية بأحداث متخيلة، تجعل قارئ رواية “عقاب الشهوات” يمنح لنفسه هذه الفضاءات المجهولة كي يوطن فيها أفق انتظاره، ويستودع بها كل الأفكار والأحداث التي لم يحدد لها مكانا الكاتب بشكل إرادي أو لاإرادي. وتساعد هذه الأماكن المجهولة في صناعة توليفات غاية في التناقض الظاهري على الأقل، ففي الوقت الذي يتم شحن وتهييء خلايا جهادية لمحاربة “الكفار” يتم في نفس الوقت استقبال زوبيدة الهاربة من بيت الزوجية من قبل “أمير الخلية” في فراشه الدافئ دون الالتفات إلى المرجعية الدينية التي تشتغل بنظام الحلال والحرام.
2–4 – سلطة المكان.
رغم أن المكان لم يفرض وجوده على عتبة عنوان الرواية كما هو الشأن في العديد من الأعمال الإبداعية، إلا ان حضوره اللافت أعطاه سلطة الحضور وحضور السلطة. ويرى فوكو في هذا الصدد أن السلطة لا تحتاج إلى الحضور الفعلي في الفضاء المُدرك بل تُمارس عبر آليات أخرى مبثوثة في شكله وطرق تمثله، وفي الخطاب الذي يبدو عاديا، فالسلطة تسري في جسد المجتمع عبر آليات مجهرية صعبة الإدراك. ويعتبر أن التقسيم المجالي وأسماء الأماكن والحدود هي أشكال من الفصل إلى وحدات صغرى يسهل التحكم فيها ومراقبتها (Foucault, 1976, p201). وتحتفي الرواية بسلطة المكان بشكل بديع يظهر من خلال استعماله بطريقة تراتبية ترصد لنا مكامن السلطة انطلاقا من باب العاصمة السلطانية فاس وحتى الكودية كمجال لممارسة سلطة المراقبة والعقاب. وتتطور مظاهر السلطة الرمزية للمكان حين يتم استمدادها من سطات على عهد وزير الداخلية المشهور وحتى المقر المركزي للشرطة في الرباط الغني عن التعريف. وفي كل مكان من هذه الفضاءات يشهد القارئ نهاية سلطة وبداية نفوذ أخرى. ومن أجل تفكيك هذه الخاصة المتعلقة بسلطة المكان بدى لنا أن نختم هذه القراءة بتشبيك رمزي لهذه السلطة عبر اسمين مركبين لمكانين الأول هو أول اسم مكان ورد في الرواية وهو «حضرموت» (ص 5) والثاني هو آخر مكان ذُكر في الرواية وهو «قصبة تادلة» (ص 105). وعند تفكيك الاسمين تظهر الكثير من المعالم التي تطبع الرواية ففي القصبة التي هي رمز السلطة السياسية مات السلطان الحسن الأول ومعه ماتت سلطة بوبريك، بينما تحيل تادلة كتعبير أمازيغي على الغطاء النباتي الكثيف الذي يتمثل في غمائر القمح والشعير والتي تحيل على الخصب، والتي منها تستمد القصبة سلطتها. أما الحضور فيتمثل في الحضور الشرقي في المخيال المغربي والانتساب للشرعية المبنية على رواية الكل من الشرق وهو نقاش هوياتي راهن. أما الموت هو مرتبط بالقصبة كجزء من المخزن السائب والمتمثل في الوزير باحماد الذي استطاع تجاوز المكان ليفرض سلطة المعلومة على الجميع بإخفاء موت السلطان حتى يرتب عملية نقل السلطة وترتيب الأولويات.
| موت |
حضر
|
- في الختم.
تبدو هذه الرواية على شكل لوحة تشكيلية فسيفسائية مركبة من وجوه وأمكنة وصور وأحاسيس لم يجد الكاتب صعوبة كبيرة في رسمها وتركيبها. وقد استعمل فيها ألوان رئيسية وثانوية وحافظ على تدرجاتها الدقيقة Nuances مما مكنه من رسم مشاهد دافئة تنبض بالحياة وتتماهى بسهولة مع اليومي الحالي. وهذا ليس صعبا على باحث في علم الاجتماع ومثقف عضوي مرتبط بالواقع حتى النخاع وقد وظف ذاكرته الخصبة والخلفية التاريخية للمغرب الراهن بشكل وظيفي. زيادة إلى أسلوبه في الكتابة التي يتميز بالفراسة المعرفية والدقة في اختيار الألفاظ سواء بالفرنسية أو العربية أو الدارجة العميقة دون تحسينات او تلوينات مُسوغة. فجُمل الرواية وتعابيرها منحوتة بأدوات حادة قاطعة لا تترك للحرج الدلالي والمعنوي مكانا، وتستطيع بسهولة تحويل الشهوة إلى عقاب.
مــــراجــــع
- ناس عبد الكريم، عبد السلام، 2008، حدود المكان وأبعاد التخييل في رواية – باريو مالقة – لمحمد أنقار، انفاس نت – عدد يوم 2 نونبر 2008 (تاريخ التصفح 14 ماي 2026).
- الضاقية، ع ، 1982،النظام ا القايدي: التهامي الػلاوي كنموذج، بحث غير منشور- كلية آداب فاس – رقم 748/82.
- Akli, S, 2022, Les représentations de l’espace dans l’écriture romanesque d’Amar Mezdad, Thèse de doctorat, Tizi Ouzou.
- Bachelard, G, 1978, La poétique de l’espace, PUF.
- Durand,G, 1992 , Les structures anthropologique de l’imaginaire, Dunod.
- El Mestor, B, 2024, L’usage de l’espace vécu dans le discours littéraire d’Abdallah Taia : Langues, espaces et transgression -In Langage et littérature – Université Ibn Zohr- Agadir.
- Foucault, M, 1976, Surveiller et punir, Gallimard.
- Laroui, A ,1980, Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain : 1830-1912, Maspero.

