ذ/ رشيد توكيل عضو اللجنة المركزية لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي
تكشف مناقشة التصريح الحكومي والمصادقة عليه في دورة أكتوبر 2026 عن مفارقة المشهد السياسي المغربي: سجالات داخل مؤسسات محدودة السيادة، مقابل مطالب ديمقراطية وحقوقية واجتماعية ما تزال معلقة. فالصخب البرلماني لا يثبت قيام ديمقراطية فعلية، وقد يكرس تعددية شكلية من دون معالجة الاختلالات البنيوية. ومن موقع اليسار الراديكالي، تم تجديد التأكيد على مقاطعة انتخابات 23 شتنبر 2026 وعدم المشاركة فيها، رفضا لشروط سياسية ومؤسساتية وانتخابية لا تتيح، في نظرنا، تغييرا ديمقراطيا حقيقيا. ولا يعني ذلك الانسحاب من المجال العام، بل مواصلة النضال من أجل تغيير هذه الشروط. أولا: المقاطعة وعدم المشاركة المقاطعة فعل جماعي يرفض شروطا سياسية وانتخابية محددة، بينما تعبر عدم المشاركة عن تقييم أوسع لمسار سياسي وانتخابي راكم اختلالات متواصلة، من بينها ضعف تكافؤ الفرص، وتوظيف المال والنفوذ، وغياب المحاسبة، والتضييق على الحريات، ومحدودية السيادة الشعبية. لا يستهدف هذا الموقف الانتخابات باعتبارها آلية ديمقراطية، ولا يعني رفض السياسة أو العزوف عن الصراع المجتمعي، بل رفض انتخابات تفتقر إلى ضمانات اختيار ممثلي الشعب ومحاسبتهم وتغيير موازين السلطة والقرار. فالمقاطعة وعدم المشاركة شكلان مترابطان من الرفض السياسي، لا يكتسبان معناهما إلا بالانخراط في النضال الجماهيري والتنظيمي. ثانيا: من الرفض الانتخابي إلى الفعل النضالي لا يكفي إعلان المقاطعة أو عدم المشاركة إذا تحولا إلى انسحاب من الصراع. لذلك يقتضي هذا الخيار تقوية التنظيمات الجماهيرية والنقابية والحقوقية، وتأطير الاحتجاجات، وتوسيع التوعية والتعبئة، والانخراط في النضالات المحلية دفاعا عن التعليم والشغل والسكن والكرامة والعدالة المجالية، ومواجهة الفساد والتضييق على الحريات. فعدم المشاركة لا يترك المجال السياسي فارغا، بل يعيد تعريف المشاركة عبر النضال الاجتماعي والسياسي المستقل. ولا تصبح المقاطعة قوة ضغط إلا حين تتحول إلى فعل جماهيري منظم يفرض المطالب ويبني ميزان قوى قادرا على فتح أفق التغيير. ثالثا: الأسئلة البنيوية المؤجلة للتحول الديمقراطي 1 ـ دستور ديمقراطي يؤسس لملكية برلمانية حقيقية يتطلب تجاوز الأزمة إصلاحا دستوريا يعيد توزيع السلط على أساس الفصل الفعلي بينها، ويربط المسؤولية بالمحاسبة، ويحد من تداخل المال والقرار السياسي. فالسيادة الشعبية تقتضي تمكين المواطنين من اختيار من يحكمهم، ومراقبة تدبير الشأن العام، ومحاسبة المسؤولين، وجعل الشعب المصدر الفعلي للسلطات. 2 ـ إصلاح سياسي شامل وإعادة بناء الثقة تستدعي استعادة الثقة القطع مع الفساد والمال الانتخابي واستعمال النفوذ، وضمان تكافؤ الفرص واستقلالية الاختيار الشعبي، وتوفير مشاركة سياسية واسعة. كما ينبغي أن تعبر المؤسسات عن الإرادة المجتمعية وتساهم في تقرير الاختيارات الكبرى، بعيدا عن الشكليات الانتخابية. 3 ـ انفراج سياسي وحقوقي شامل لا يستقيم التحول الديمقراطي مع التضييق على الحريات وملاحقة الأصوات المنتقدة. لذلك، تظل حرية التعبير والتنظيم والاحتجاج، والإفراج عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي والمدونين، وإنهاء المقاربة الأمنية للمطالب الاجتماعية والسياسية، شروطا أساسية لبناء مناخ ديمقراطي حقيقي. رابعا: العدالة الاقتصادية وحماية الرقابة الشعبية يكشف السجال البرلماني عن انشغال بالمظاهر أكثر من معالجة جذور الاختلالات. فلا معنى لتخليق الحياة العامة من دون التصدي للإثراء غير المشروع، ومحاسبة المتورطين في الفساد، ومحاربة الريع وتضارب المصالح، وإقرار عدالة جبائية تشمل توسيع مساهمة القادرين على الأداء ومحاربة التهرب الضريبي والامتيازات غير المستحقة. كما أن حماية المال العام تقتضي حماية حق المجتمع في مراقبته ومساءلة المسؤولين عنه. وتثير بعض المقتضيات، خصوصا المرتبطة بالمادة الثالثة من المسطرة المدنية، مخاوف من التضييق على أدوار المواطنين والمجتمع المدني في كشف الاختلالات، ومن وضع عوائق أمام التقاضي والمبادرة القضائية. لذلك، يلزم نقاش عمومي وحقوقي يضمن تشريعا يعزز المحاكمة العادلة، ويحمي المال العام، ويصون حق المواطنين والجمعيات في اللجوء إلى القضاء، بدل إضعاف الرقابة المجتمعية. خامسا: نحو ديمقراطية فعلية لا تختزل الديمقراطية في صناديق اقتراع تفتقر إلى شروط النزاهة وتكافؤ الفرص، ولا في التنافس الخطابي بين الأغلبية والمعارضة البرلمانيتين. إنها مشروع مجتمعي يحرر القرار السياسي من هيمنة المال والنفوذ، ويحقق العدالة الاجتماعية والمجالية، ويضمن الحريات والحقوق، ويمكن الشعب من المشاركة الفعلية في تقرير مصيره بكل حرية واستقلالية. ومن هذا المنطلق، لا تمثل عدم المشاركة في انتخابات 23 شتنبر 2026 نهاية النضال، بل رفضا سياسيا لشروط قائمة وخيارا ينبغي ربطه بالنضال الجماهيري المنظم. كما أن المقاطعة ليست مجرد امتناع عن التصويت، بل وسيلة لتحويل الرفض إلى مطالب ومبادرات ونضالات متواصلة. ويقاس أثرهما بقدرتهما على بناء وعي نقدي، وتوسيع جبهة المطالب، وخلق ميزان قوى يفرض تغييرا فعليا. ختاما، لن يؤدي استمرار الصخب البرلماني والوعود الحكومية، مع بقاء المطالب التاريخية المعلقة، إلا إلى تعميق أزمة الثقة وتوسيع الهوة بين المؤسسات والمجتمع. فالديمقراطية تنتزعها الشعوب بتنظيمها ونضالها وقدرتها على فرض إراداتها. وما لم تتغير شروط السلطة والقرار ولم ترتكز المحاسبة كأساس، سيظل الصخب تحت قبة البرلمان عاجزا عن حجب الأسئلة المؤجلة، وستظل المقاطعة وعدم المشاركة مدخلا للنضال من أجل تغيير حقيقي، لا مجرد تداول شكلي على المواقع والمسؤوليات.

