أخر الأخبار
الرئيسية » اخبار » عين على “العصبة الوطنية لمقاومة  أمراض القلب والشرايين”

عين على “العصبة الوطنية لمقاومة  أمراض القلب والشرايين”

 

-بقلم: عزيز لعويسي.

لا يمكن الحديث عن جراحة القلب والشرايين بالمغرب، دون التوقف الاضطراري عند واحدة من المؤسسات الفاعلة في المجال، ويتعلق الأمر ب”العصبة الوطنية لأمراض القلب والشرايين” بالرباط، التي أحدثت سنة 1977، بموجب ظهير بمثابة قانون رقم 1.77.334 بتاريخ 25 شوال 1397، كمؤسسة “غير ربحية” تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، تناط بها “مهمة المساهمة، باتصال مع وزارة الصحية العمومية، في محاربة أمراض القلب والشرايين”، توجد تحت الرئاسة الشرفية لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله.

 

وتوجيه البوصلة كاملة نحو “العصبة” ليس من باب الدعاية ولا من باب  استعراض منجزاتها وحدود ومجالات تدخلاتها في مجال مقاومة أمراض القلب والشرايين، بل أملته  جملة من الاعتبارات نجملها في  خمسة اعتبارات:

 

– أولا: الكلفة المالية الباهظة للعمليات المرتبطة بالقلب والشرايين، مما يعيق ولوج شرائــح واسعة من المواطنين من ذوي الدخل المتوسط والضعيف، خاصة ممن هم خارج نطاق التغطية الصحية، إلى الخدمات الطبية ذات الصلة بالقلب والشرايين، مما يدفع في اتجاه  طرق أبواب التسول وطلب المساعدة عبر وسائل الإعــلام.

 

– ثانيا: المرتبة المقلقة التي يحتلها المغرب على مستوى “مؤشر التنمية البشرية”، والتي وصلت إلى عتبة الرتبة 123 عالميا حسب آخر تقرير أممي للتنمية البشرية، اعتبارا  للمشاكل والصعوبات التي تعتري قطاعي الصحة والتعليم، فضلا عن محدودية الدخل الفردي، مما يفرض النهوض بالصحة العمومية بكل مستوياتها، والارتقاء بمستوى التربية والتعليم، وتجويد الدخل الفردي.

 

– ثالثا: انخراط الدولة في مشروع  “الحماية الاجتماعية”، الذي لايمكن البتة، كسب الرهانات المرتبطة به، إلا بتطوير المنظومة الصحية الوطنية، على  مستوى البنيات الصحية والموارد البشرية، وأنظمة الحكامة.

 

– رابعا: الدور الذي يمكن أن تضطلع به العصبة، في مجال “الحماية الاجتماعية”، بالنظر إلى حساسية العمليات المرتبطة بالقلب والشرايين، وكلفتها المالية الباهظة الثمن، التي لازالت تحــرم شرائح واسعة من المواطنين من ذوي الدخل المحدود من الحق في الولوج إلى العلاج.

 

– خامسا: رهان الدولة على “النموذج التنموي الجديد”، لبلوغ  مرحلة “المسؤولية” والإقلاع التنموي الشامل”، والمنظومة الصحية الوطنية، بكل الفاعلين فيها، ومنهم “العصبة”، لابد أن تنخــرط إيجابا، في هذا الزخم التنموي، بالارتقاء بمستوى وسائلها المادية واللوجستية والبشرية، وخاصة فيما يتعلق  بالشق المرتبط بالحكامة الجيدة، وما يرتبط بها من مسؤولية وشفافية ونزاهة والتزام وتدبير جيد.

 

وعليه، واستحضارا لهذه الاعتبارات وغيرها، فالعصبة الوطنية لمقاومة أمراض القلب والشرايين، بات من الضروري أن تكون في صلب ما تعيشه المملكة من دينامية إصلاحية وتنموية، إسهاما منها في  إنجاح  مختلف الأوراش التنموية، خاصة فيما يتعلق بورش “الحماية الاجتماعية” الذي يعـد ثورة ملكية صامتة، من شأنها إدخال المغاربة قاطبة في صلب الحماية الاجتماعية، التي تعد إحدى رافعات “الدولة الاجتماعية”، التي شكلت إحدى  الانشغالات الكبرى لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله منذ جلوسه على العــرش.

 

ونرى أن اللحظة، تقتضي  تشخيصا دقيقا لوضعية العصبة منذ التأسيس، سواء تعلق الأمر بالوضعية القانونية المبهمة التي قد تطلق العنان للتدبير المزاجي، أو بتدبير الموارد البشرية، أو بالوسائل اللوجستية المتاحة، أو بالإمكانات المالية الضخمة التي تتصـرف فيها، أو بمـدى خضوعها إلى آليـات المحاسبة والتدقيق والافتحاص، من زاوية النزاهة والشفافية والتخليق والمسؤولية والالتـــزام، أو بطبيعة الإطار القانوني الذي يؤطر عملها ومجالات تدخلها، وهذا التشخيص بات ضرورة قصـوى،  استحضارا للمتغيرات التي شهدها المغرب منذ تأسيسها، والتي تفرض وبدون شك، رؤية تدبيرية جديدة مؤطـرة  بالقانون، قــادرة على جعل “العصبة” في صلب “مغرب اليوم”.

 

وبما أن الموارد البشرية هي محرك الإصلاح وضمانة للتحديث، فالجهاز الجديد الوصي على تسيير العصبة، يبقـى مطالبا بالعناية بالشغيلة خاصة المرتبطة بعلاقات شغلية مباشرة مع العصبة، على مستوى الأجـور والعلاوات التحفيزية وأفق الترقي المهني  وأنسنة ظروف العمل  وممارسة الحق النقابي، وتقنين العلاقات الشغلية بين المسؤولين والأجــراء، في إطار عقود شغل منسجمة ومقتضيات وأحكام مدونة الشغل وهيكلة إدارية واضحة تقطع مع مشاهد اللخبطة والارتجال، وهذه الحقوق وغيرها، تفــرض التفكير في  بلورة  “قانون أساسي” أو “نظام داخلي” عصري عادل ومحفز ومنصف، يجعل من الأجراء، شركاء في الارتقـاء بمستوى الأداء المهني، وصناعا للأهداف النبيلة، التي تحكمت في تأسيس العصبة من قبل  الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثـــراه.

 

الشغيلة، استبشرت خيرا بعد تعيين مسؤولين جدد على رأس العصبة، وهي تعــول على الإدارة  الجديدة، في تجــاوز ما شاب التجارب السابقة من مشاكل وصعوبات تدبيرية وتسييـرية، انعكست سلبا على  مناخ العمل، وكرست الإحساس بالقلق واليأس وانسداد الأفق في أوساط الأجراء، وهي تتطلع اليوم، إلى واقــع مهني جديد، تحضر فيه شروط العدالة الأجرية والتحفيز، في إطـار “قانون أساسي” أو “نظام داخلي”، يوفر مناخ عمل يحقق الاستقرار المادي والنفسي والاجتماعي، ويقطع مع أية ممارسات محتملة، منتجة للزبونية والمحسوبية والمحاباة، ويضمن الإنصاف وتكافؤ الفرص والشفافية والاستحقاق، على مستوى الولوج إلى مناصب المسؤولية، وهذه الشغيلة تبدي كامل الاستعداد والجاهزية، لتقديم ما تقتضيه المرحلة، من تعاون وتحاور وتشارك، ومن إبداء للرأي والمشــورة، من باب الإسهام الفردي والجماعي، في تغييـر ملامح “العصبة”، لتكــون “عصبة حياة” للمرضى، و”بيتا ثانيا” للأطر والأجراء على حد سواء، يدفــع نحو المزيد من المثابـرة  والاجتهاد  والمبادرة  والعطاء والإشعاع …، وقبل هذا وذاك، لتكون في مستوى الرئاسة الشرفية لجلالة الملك محمد السادس أيده الله، ووفاء لروح مؤسسها جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثــراه.