Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

لارا شمعة في عمر الخوف! للكاتبة اللبنانية مريم مشتاوي

بقلم مريم مشتاوي

«لقد سئمت».  تقولها لارا، وتخفض عينيها، كأن الكلمات أثقل من أن تحملها نظرة. يسألها الصوت الآتي من خلف الكاميرا عمّا سئمت منه، فتجيب: «من الحياة»! أبقى أمام وجهها، عاجزة عن الانتقال إلى صورة أخرى.
في عمرها، يفترض أن تضيق الحياة بواجب مدرسي، أو خلاف عابر مع صديقة، أو فستان لم يوافق ذائقتها. لكن هذه المراهقة القادمة من غزة تختصر تعبها بكلمتين، وتترك لنا ما عجزت اللغة عن حمله: طفولة تستيقظ كل صباح لتطمئن إلى أنها ما زالت على قيد الحياة.
في تقرير «بي بي سي» عربي، الذي تتوالى مشاهده أمامي، لا تبدو لارا بعيدة. يقرّبها البكاء حتى أكاد ألمس خدها. حجاب فاتح، قميص تتقاطع خطوطه، ودمعة تشقّ طريقها بهدوء. ثمة وجوه حين نراها نشعر بأننا تأخرنا كثيراً عن الوصول إليها. لا تحتاج إلى بلاغتنا، ولا إلى أن نعيد وصف حزنها بما يرضي موهبتنا. تحتاج إلى أن نتوقف، وأن نسمع الجملة كاملة، وألّا نختبئ من معناها وراء سرعة الإصبع على الشاشة.
كانت لارا تعيش في «بيت لاهيا» قبل الحرب. صارت تقيم في مخيم نزوح مكتظّ في مدينة غزة. بين المكانين، تتسع المسافة لما لا تقيسه الطرق: بيت مفقود، حياة انقطعت، وأب لن يعود. الخيمة تضيق بالأجساد وبالأشياء التي أمكن إنقاذها، لكنّ الغياب يجد فيها مكاناً واسعاً. يجلس مع الأسرة، يدخل في حديثها، ويظهر كلما حاول أحد أن يذكر يوماً سابقاً. للبيوت أبواب يمكن طرقها. أمّا المكان الذي رحل إليه الأب، فلا تعرف ابنته كيف تصل إلى بابه.
يسألها المحاور عن سبب استشهاد والدها. تقول: «من أجل لقمة العيش». تبقى العبارة معلّقة في الهواء. تروي العائلة أن مأمون، والد لارا، قتل بالرصاص بالقرب من مركز لتوزيع الأغذية. خرج بحثاً عن الطعام، وعادت حكايته إلى أسرته محمولة على خبر موته. أحاول أن أفهم كيف يستطيع طفل أن يصالح بين الخبز وبين الفقد. كيف يأكل بعد ذلك، وهو يعرف أن أباه مضى ليأتي بما يسند جسده الصغير، ولم يعد؟
نقول «لقمة العيش» في أحاديثنا اليومية، ونمضي. على لسان لارا، تستعيد العبارة مادّتها الأولى: لقمة، وفم ينتظرها، ويد تسعى إليها. ثم ينفتح تحتها قبر. يصبح الحصول على الطعام امتحاناً قد يخسر فيه الأب حياته، ويصير الجوع قادراً على مرافقة الأسرة، حتى بعد أن تفقد من خرج من أجلها. أيّ عالم هذا الذي يضع طفلة أمام هذه المعادلة، ثم يطالبها بأن تكبر متوازنة؟
لا أعرف ما الذي قاله مأمون قبل خروجه، ولن أمنحه كلمات لم تصلنا. تكفيني شهادة أسرته، وتكفيني عينا ابنته. وراء اسمه رجل كانت له حياة تتجاوز لحظة مقتله، وتفاصيل كثيرة جداً. هذه المساحة التي لا نعرفها تستحق احترامنا أيضاً، فحين نكتب عن الضحايا، قد يغوينا أن نملأ الصمت بحكايات من عندنا، لكن لارا تحمل حزناً حقيقياً، ولا ينقصه شيء كي يؤلمنا.
أفكّر في كلمة «سئمت» مرة أخرى. كم مرة احتاجت هذه الصغيرة إلى أن تتماسك قبل أن تقولها؟ لا أملك جواباً. أرى فقط أنّ التعب بلغ موضعاً لا تستطيع فيه إخفاءه. ومن السهل علينا أن نطلب منها الأمل. أما الأصعب فهو أن نسأل عما يحتاج إليه هذا الأمل كي يبقى: طعام يصل، ومكان يحمي، ومدرسة تستقبل، وليل تستطيع خلاله أن تنام من دون أن تنصت إلى احتمال موتها.

عيد ميلاد لا يتّسع لأمنية

إلى جانب لارا تجلس صديقتها رنا، وبين الفتاتين ألفة واضحة. تتحدثان عن القوارض التي انتشرت في المخيمات، وعن والد رنا الذي تعرّض لعضّة من ابن عرس. تقول رنا إن ساقه بترت، وإن المستشفيات لم تكن تملك ما يلزم لتضميد الجرح. يظهر الرجل على كرسي متحرك. أنظر إلى ابنته وأفكر في ثقل التفاصيل التي صار عليها أن تعرفها: الجرح، ونقص العلاج، والجسد حين تتبدّل قدرته على الحركة، والأب حين يحتاج إلى من يسنده.
تتسع الحرب في هذه المشاهد حتى تدخل الأشياء التي نظنّها صغيرة. أرض الخيمة، وحافة الفراش، وخطوة في الظلام، وجرح ينتظر ضماداً. لا ينتهي الخوف بانتهاء صوت القصف. يظلّ موزعاً على النهار، يستقر في الماء والطعام والنوم، ويجعل الجسد يقظاً حتى وهو منهك.
كيف يستريح إنسان إذا كانت أبسط حاجاته تستدعي الحذر؟ وكيف تتعلم فتاة دروسها إذا كانت الحياة تفرض عليها، كل يوم، درساً جديداً في الاحتمال والفقد؟
ومع ذلك، تجلس الصديقتان متقاربتين. تظهر ابتسامة، ثم حديث عن أيام قليلة لم تشهدا خلالها قصفاً أو إطلاق نار. تتمنى إحداهما أن يستمرّ الوضع كذلك. أحاول أن أستوعب حجم هذه الأمنية. بضعة أيام هادئة تصبح خبراً يستحق الاحتفال، ورجاء تخشى صاحبته أن ترفعه أكثر مما ينبغي. تكاد تضع يدها على أمنيتها، كما توضع اليد على شعلة صغيرة لحمايتها من الهواء. وفي هذا المشهد، تبدو الصداقة مكاناً يمكن الاتكاء عليه حين يعجز المكان نفسه عن منح الطمأنينة.
ورغم الحرب ما زالت عائلة لارا تبتسم وتحتفل بعيد ميلادها. هكذا تضيء شمعة فوق الكعكة. وتبتسم لارا ليقف الضوء الصغير بين وجهها وبين عتمة ما عاشته. أريد أن أترك لها ابتسامتها كاملة. لا أحملها واجب تمثيل الصمود، ولا أجعل فرحتها دليلاً على أنها تجاوزت حزنها. لها أن تفرح وتبكي في اليوم نفسه، وأن تحب الحياة وتتعب منها، وأن تشتاق إلى أبيها وهي تكبر عاماً. هذا التناقض حقّها الإنساني، وهذه اللحظة تخصّها قبل أن تصبح صورة نتداولها.
أبقى أمام شمعتها. أتمنى لها عاماً تستطيع أن تستهلكه في أشياء عادية: كتاب، وصديقة، وضحكة، وملل آمن. عاماً لا تضطر فيه إلى تفسير موت أبيها، أو انتظار الطعام بخوف، أو حساب المسافة بين المدرسة والخطر. قالت لارا إنّها سئمت من الحياة. مسؤوليتنا أن نسمع ما أوصلها إلى هذه الجملة، وأن نعمل ليصبح الغد جديراً بها. وحين تنطفئ شمعة عيد ميلادها، ينبغي أن يبقى لها ضوء آخر: حياة تستطيع أن ترغب في عيشها.