Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

ما بعد الموت: حكاية حب لا تنتهي ..للكاتبة اللبنانية مريم مشتاوي

بقلم مريم مشتاوي لبنان

في الجنوب، حيث لا ينتهي الحزن تماماً، وحيث تبقى الأرض محتفظة برائحة الذين رحلوا، انتشر فيديو صغير لكلبة بيضاء، وهي تدور حول قبر صاحبها.
قالوا إن صاحبها شاب من بلدة الأنصارية في جنوب لبنان، قتل خلال التصعيد الأخير. وقالوا إن الكلبة بقيت تبحث عنه، ثم بدأت تتردد إلى قبره، كأنها لم تفهم كيف يمكن للإنسان أن يختفي دفعة واحدة. كانت تنزل قرب القبر بخوف، ثم تعود وتصعد، ثم تدور حول المكان كله، كأنها تنتظر أن تسمع صوته فجأة يقول لها: «تعالي».

كم هو موجع أن يكون الحيوان أحياناً أكثر وفاء من البشر!

في الفيديو، لم تكن الكلبة تفعل شيئاً استثنائياً بالمعنى الكبير للكلمة. لم تنبح، لم تصرخ، لم تقم بمعجزة. كانت فقط ترفض الغياب. وهذا أكثر ما يكسر القلب، أن ترى مخلوقاً صغيراً عاجزاً عن فهم الموت، لكنه يشعر بالفقد بكل هذا العمق، ربما لأن الحب الحقيقي لا يفهم فكرة النهاية أصلاً.
نحن البشر نتظاهر بالقوة كثيراً. نحفظ عبارات العزاء، نقول إن الموت حق، وإن الأيام تمضي، وإن الحياة تستمر. لكن الحقيقة أن شيئاً في داخلنا يبقى واقفاً عند آخر لحظة. عند آخر صوت. عند آخر رسالة. عند آخر مرة رأينا فيها الذين نحبهم من دون أن نعرف أنها المرة الأخيرة.
أما الحيوانات فلا تعرف كيف تتظاهر.
حين تشتاق، تشتاق بكل قلبها. وحين تفقد، تفقد بكل روحها.
لهذا بدا المشهد مؤلماً إلى هذا الحد، لأن الكلبة لم تكن تمثّل نفسها فقط، إنما كانت تمثل كل الذين فقدوا أحداً، ولم يعرفوا كيف يكملون الحياة بعده. كانت تشبه أماً تجلس كل يوم قرب صورة ابنها. وتشبه رجلاً ما زال ينام على طرف السرير كي يترك مكاناً لامرأة لن تعود. وتشبه طفلاً ينادي والده في سره كل ليلة قبل النوم.
في بلادنا، الموت لم يعد خبراً عابراً، صار ضيفاً ثقيلاً يدخل البيوت بلا استئذان. في الجنوب اللبناني، وفي غزة، وفي أماكن كثيرة من هذا الشرق المتعب، هناك أناس يودّعون أحباءهم بسرعة مخيفة، كأن الزمن لم يعد يمنحهم حتى رفاهية الحزن الكامل. وربما لهذا السبب لمس الفيديو قلوب الناس بهذا الشكل.
لأن الكلبة فعلت ما لم يعد البشر قادرين على فعله علناً، ببساطة أحبّت بلا خجل.
ركضت وراء رائحة صاحبها بين التراب. حاولت أن تقترب من القبر كأنها تريد أن تحرسه من الوحدة. كأنها تقول له بطريقتها البسيطة: أنا هنا، لم أتركك.
يا الله. كم يحتاج الإنسان في حياته إلى أحد يبقى بهذه الطريقة، أحد لا يغيّره الغياب، ولا يبدّله الموت، ولا يخيفه الزمن.
هناك شيء مقدّس في الوفاء، شيء يجعلنا نؤمن أن العالم، رغم كل قسوته، ما زال يحتفظ ببعض النور. فالحب الحقيقي لا يقاس بالكلمات الكبيرة، بل بالأشياء الصغيرة، التي لا ينتبه لها أحد، بمن ينتظرنا، بمن يفتقدنا، بمن يعود إلى أماكننا بعد رحيلنا، وبمن يعجز عن التصرّف كأن شيئاً لم يحدث.
الكلبة لم تفهم السياسة، ولا الحرب، ولا معنى التصعيد الأخير. لم تعرف لماذا اختفى صاحبها، ولماذا صار الناس يزورونه تحت التراب، بدل أن يفتح لهم الباب بنفسه. لكنها فهمت شيئاً واحداً فقط، أن قلبها لم يعد يجد صاحبه. وهذا وحده كان كافياً لتبقى قرب قبره.
أحياناً أعتقد أن الله يرسل لنا مثل هذه المشاهد كي يذكّرنا بأن الرحمة لا تزال موجودة، وأن الوفاء ليس أسطورة قديمة، كما نحاول أن نقنع أنفسنا. فوسط عالم سريع، بارد، ومليء بالعلاقات المؤقتة، تأتي كلبة صغيرة من قرية جنوبية لتعيد تعريف الحب كله من جديد.
الحب ليس كلاماً، الحب هو أن تبقى، حتى حين يصبح البقاء مؤلماً.
أن تبقى رغم أن الطرف الآخر لن يعود. أن تبقى لأن القلب لا يعرف كيف يرحل.
ومن أكثر الأشياء حزناً في هذا العالم أن الذين يحبون بصدق هم أكثر من يتألمون، لأنهم لا يعرفون كيف يستبدلون الناس، ولا كيف يغلقون أبواب أرواحهم بسرعة، يظلون يحملون الغائبين معهم في كل شيء، في الطرقات، في الأغاني، في رائحة القهوة، وفي الأماكن التي كانت مليئة بالضحك يوماً.
ربما لهذا السبب بكى الناس وهم يشاهدون الفيديو، لم يكونوا يبكون على الكلبة فقط، كان كل واحد منهم يبكي شخصاً فقده ولم ينسه أبداً.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر وجعاً: ماذا يفعل الحب بكل هذا الوفاء إذا كان الموت أقوى؟
لكن ربما الجواب ليس أن الموت أقوى، ربما الحب نفسه هو الشيء الوحيد الذي ينجو من الموت، لأن هذا الشاب، رغم رحيله، ما زال هناك قلب صغير يمشي فوق التراب بحثاً عنه. وما زالت روحه حيّة في ذاكرة مخلوق لم يعرف كيف يخونه بالنسيان.
وهل يوجد انتصار أكبر للإنسان من أن يترك وراءه حباً بهذا العمق؟

حين نامت الكلاب في خيمة النازح

في غزة، حيث صار الإنسان يبحث عن مكان ينام فيه أكثر مما يبحث عن الأحلام، عاد رجل فلسطيني إلى خيمته بعد يوم طويل من النزوح والخوف، فوجد مجموعة من الكلاب الضالة نائمة على فراشه.
كان يستطيع أن يطردها بسهولة.
أن يصرخ، أن يغضب لأن العالم ضاق به، حتى لم يعد يحتمل مزاحمة أحد له في خيمته الصغيرة، لكنه لم يفعل. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
في الفيديو، بدت الكلاب غارقة في نوم عميق، كأنها للمرة الأولى منذ زمن شعرت بالأمان. أجسادها المرهقة ممددة فوق البطانية، ورؤوسها مستسلمة لراحة نادرة، بينما الخيمة التي بالكاد تتسع لإنسان أصبحت فجأة ملجأ لقلوب أخرى هاربة من البرد والخوف والجوع.
يا الله. حتى الحيوانات في غزة تبحث عن مكان يطمئنها.
في الحروب، لا يتألم البشر وحدهم، الأرض كلها تتعب، الشوارع، الأشجار، القطط التي تركض مذعورة بين الركام، والكلاب التي لم تعد تعرف أين تنام بعدما اختفت البيوت واختلطت الروائح بالدخان والدم.
وربما لهذا بدا المشهد أكبر من مجرد «كلاب نائمة داخل خيمة».
كان المشهد يشبه العالم حين يفقد قسوته للحظة.
الرجل النازح، الذي سرقت منه حياته العادية، لم ينظر إلى الكلاب كعبء، بل كمخلوقات تعبت مثله تماماً. كأن الحزن الكبير الذي يسكن البشر في الحروب يجعلهم أكثر قدرة على فهم خوف الكائنات الأخرى.
في الأيام العادية، قد يخاف الناس من الكلاب الضالة، وقد يطردونها بعيداً عن بيوتهم. أما في غزة، حيث صار الجميع مشرّدين بطريقة أو بأخرى، اختفت المسافات بين الألم الإنساني وألم الحيوانات.
كلهم صاروا يبحثون عن شيء واحد فقط، الأمان، فالخيمة الصغيرة قررت أن تتحدى الحرب لدقائق قليلة، وأن تمنح هذه الأرواح المنهكة فرصة للنوم. النوم، هذا الشيء البسيط الذي صار حلماً في أماكن الموت.
هناك بشر يملكون بيوتاً كبيرة وقلوباً ضيقة، وهناك من لا يملكون سوى خيمة ممزقة، لكن أرواحهم تتّسع للعالم كله.
في الحروب، يختبر البشر بطريقة قاسية، بعضهم يتحول إلى نسخة أكثر قسوة من الخوف، وبعضهم يصبح أكثر رحمة، لأن الألم علّمه هشاشة الحياة.
والرجل الذي عاد إلى خيمته ووجد الكلاب نائمة لم يكن يملك رفاهية العطف أصلاً، لكنه أعطى من قلبه رغم فقره وتعبه ونزوحه، وهذا النوع من البشر هو ما يبقي العالم قابلاً للحياة.
أحياناً أعتقد أن الله يرسل لنا مثل هذه المقاطع كي لا نفقد إيماننا بالكامل بالإنسان، كي نتذكر أن الخير لا يزال موجوداً حتى وسط المجاعة والدمار، وأن الروح البشرية قادرة على حماية الضعفاء حتى وهي مكسورة. ما أبشع الحرب! وما أجمل الناس الذين يرفضون أن تتحول قلوبهم إلى حطام مثل المدن. في تلك الخيمة الصغيرة، نامت الكلاب أخيراً.
وربما نام الرجل أيضاً، رغم كل شيء، وهو يشعر أن الرحمة التي منحها عادت إليه بطريقة ما، لأن القلوب التي تحمي الآخرين، حتى في أشد لحظاتها ضعفاً، لا تبقى وحيدة أبداً.