Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

ما جدوى الصرف المبكر للأجور؟! للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي

كتب اسماعيل الحلوتي

في الوقت الذي مازال فيه السواد الأعظم من المواطنات والمواطنين المغاربة، يتبرمون من موجة غلاء الأسعار التي رافقت حكومة عزيز أخنوش طيلة الخمس سنوات الأخيرة، وضربت ليس فقط أسعار المحروقات التي ما انفكت تعرف زيادات قياسية وغير مسبوقة، انعكست آثارها على باقي أسعار المواد الأساسية والغذائية من خضر وفواكه ولحوم حتى بلغ سعر الكيلو غرام الواحد من لحم الغنم 150 درهما، مما ساهم بشكل لافت في إنهاك الجيوب وتراجع القدرة الشرائية لآلاف الأسر المغربية…

وبينما كانت هذه الأسر المغربية المستضعفة تمني النفس بأن يتحقق ما صرح به رئيس الحكومة بخصوص أسعار الأضاحي، خلال جلسة عمومية انعقدت بمجلس النواب يوم الثلاثاء 21 أبريل 2026 حول حصيلة حكومته، ولاسيما أنه لم يعد يفصلهم عن موعد عيد الأضحى سوى أياما معدودات. حيث قال بأن المغاربة سيتمكنون هذه السنة من اقتناء أضاحي العيد بأثمنة مناسبة، داعيا الكسابة في معرض كلمته إلى ضرورة التعجيل بطرح خرفان العيد في الأسواق وعدم الاحتفاظ بها في الحظائر، قبل أن يصدم “الفراقشية” بقرار حكومي. موضحا بأن التقديرات تشير إلى أن المغرب يتوفر حاليا على قرابة 40 مليون رأس من الأغنام، وهو رقم لم يسبق للمغرب أن سجله من قبل، وأنه سيمكن من ضمان مستقبل القطيع…

وبالرغم من برامج الدعم الموجهة لإعادة تشكيل القطيع الوطني وما صاحب ذلك من دعم الأعلاف، وما ترتب عنه من تخفيف العبء على “الكسابة”، وانعكس على وفرة العرض في الضيعات كما في الأسواق الوطنية، فإن أسعار الأضاحي ظلت مرتفعة، حيث أنها تبدأ في عديد الجهات من قرابة 2500 درهم وقد تنتهي إلى 7000 و8000 درهم، مما أدى إلى ضعف الإقبال في ظل غياب ملامح واضحة للأسعار في هذه الفترة، حيث ينتقد بعض المهنيين ما يتم الترويج له من أرقام خاطئة عبر منصات التواصل الاجتماعي، في شأن تسقيف أسعار الأضاحي عند حدود 2000 درهم، معتبرين أن مثل هذه الأسعار المتداولة على نطاق واسع لا تغطي حتى تكاليف التربية والإنتاج، خاصة أن أسعار الأعلاف مازالت مرتفعة وتثقل كاهل المربين “الكسابة”.

وفي الوقت الذي بدأت فيه بعض الأسر تفكر في الاستدانة، بينما تفكر أخرى في بيع تجهيزاتها المنزلية لمواجهة مصاريف العيد، شرعت بعض الإدارات العمومية ومؤسسات الأعمال الاجتماعية كعادتها في الكشف عن الطرق المعتمدة في دعم الموظفين التابعين لها بخصوص اقتناء خروف العيد لهذه السنة 2026، حيث هناك من قررت على سبيل المثال لا الحصر تحديد قيمة سلفة خاصة بالعيد أو قرض بدون فائدة، شريطة أن يقوم المستفيدون بتسديد المبلغ خلال الشهور الموالية وفق خاصية الاقتطاع المباشر من المنبع، داعية الراغبين في الاستفادة إلى التعجيل بتعبئة الطلب المخصص لهذا الغرض الاجتماعي، فيما طالب البعض بالاقتصار على توجيه الدعم فقط للفئات الأقل دخلا والأكثر احتياجا، خاصة أن الطبقات الفقيرة هي من تحرص أكثر من غيرها على إقامة شعيرة النحر بكل شروطها ومستلزماتها…

فإذا ب”حكومة الكفاءات” الموقرة تقرر “رأفة” منها بظروف الموظفين والأجراء المادية الصعبة، الاتجاه صوب صرف أجور شهر ماي الجاري بصفة استثنائية يوم الجمعة 22 ماي 2026 بدل نهاية الانتظار حتى نهاية الشهر، خاصة أن حلول عيد الأضحى المبارك سيوافق يوم الثلاثاء 26 أو الأربعاء 27 ماي 2026 حسب التقديرات الفلكية، مما سيساهم إلى حد ما في تخفيف الضغط المالي عن كاهل آلاف الأسر المغربية، من خلال منح الشغيلة وذوي الدخل المحدود سيولة مالية كافية لتأمين شراء الأضحية وتلبية متطلبات هذه المناسبة الدينية العظيمة. وهي الخطوة التي اعتبرها بعض الملاحظين من متتبعي الشأن المحلي ببلادنا التفاتة إنسانية كريمة، من شأنها خفض منسوب ارتباك اللحظات الأخيرة، وإنعاش الحركة التجارية في الأسواق الوطنية، كما أنها ستسمح لعديد الأسر بتدبير ميزانياتها في هدوء تام…

إن قرار الحكومة القاضي بصرف الأجور قبل متم الشهر ليس مبادرة حكومية تلقائية، بل هو مطلب شعبي يتجدد كل عام بمناسبة عيد الأضحى، كما أن بعض الأسر تلجأ مكرهة إلى الاقتراض من مؤسسات القروض الصغرى أو الاستدانة لدى الأقارب وغيرهم من الأصدقاء، فيما تضطر أخرى إلى بيع جزء من تجهيزاتها المنزلية لمواجهة مصاريف العيد. وهو ما يعكس حقيقة هزالة الأجور وتدهور الأوضاع المادية لغالبية الموظفين والعمال والمستخدمين، الذين لم تعد رواتبهم تكفي حتى لتغطية مصاريف الشهر العادية أمام أزمة الغلاء المتفاقم…

فما جدوى الصرف المبكر لأجور الموظفين والعمال، إن كان هؤلاء سيجدون أنفسهم مباشرة بعد مرور “عيد الكبير” غير قادرين على تدبير أيام الشهر الموالي بما تبقى لهم من دريهمات، أو عاجزين عن الوفاء بالالتزامات الأخرى من قبيل فواتير استهلاك الماء والكهرباء والتلفون والإنترنت وواجب الكراء وتمدرس الأطفال؟ ثم ما الذي يمنع من تخصيص “منحة العيد” لجميع موظفي الدولة والقطاع الخاص والمتقاعدين، على غرار موظفي وزارتي المالية والإسكان، الذين يستفيدون سنويا من “منحة” عيد الأضحى تتراوح قيمتها بين 1000 و3000 درهم، بدل الاستمرار في التعامل بمكيالين؟