بقلم عبد العزيز كوكاس
ليست اللغة أداةً طيعة فى يد من يكتب كما يعتقد العديدون، إنها شريكٌ مراوغ، وأحيانًا خصم عنيد وماكر، ما أن تُصاغ الجملة حتى تبدأ فى قول ما لم يُخطَّط له الكاتب: تُضيف، تُحرّف، تُلمّح وتكشف، تذهب بعض الجمل أكثر مما يقصد مبدعها، وتفضح ما لا يريد قوله، هكذا تقع «الخيانة»، كبنية مصاحبة لكل كتابة إبداعية، اللغة تكتب أكثر مما يُراد لها أن تكتب، وتُظهر ما كان ينبغى – فى حساب القصد – أن يبقى فى الظل، حين نكتب، نظن أننا نمتلك الكلمات، لكن ما يحدث فى العمق هو العكس: الكلمات هى التى تمتلكنا، تجرّنا إلى معانٍ لم نقصدها، وتفتح أبوابًا لم نرد طرقها. هنا تبدأ الخيانة. ألم يقل جاك لاكان إن الإنسان لا يتحدث لغته، بل اللغة هى التى تتحدثه؟
خيانة اللغة فى الكتابة ليست عيبًا فى النص، إنها شرطه الخفى، فاللغة تخون الكاتب لأنّها أوسع منه، كل كلمة محمّلة بتاريخ من الاستعمالات، بذاكرة جماعية، بظلال دلالية لا يمكن للكاتب أن يسيطر عليها بالكامل، حين تكتب «حب»، فأنت لا تكتب حبك فقط، بل كل الحب الذى قيل قبلك، وحين تكتب «خوف»، فإنك تستدعى خوف البشرية، لا خوفك وحدك، وهكذا، يتحول النص إلى حقل تتصارع فيه نوايا الكاتب مع ذاكرة اللغة.
يظنّ الكاتب أنه يمسك بالمعنى، لكن المعنى، يظل دوما فى لحظة تشكّل، ينفلت، يتشظى، يراوغ، لأن الكلمات محمّلة بتاريخ استعمالها، بظلالها، بانزلاقاتها، ما نختاره بدقّة يحمل معه ما لم نختره، يرى رولان بارت أن اللغة تخون الكاتب لأنها تحرره منه، وأن النصّ نسيجٌ من أصوات، ما يمرّ فى الجملة ليس «صوتى» فقط، بل أصواتٌ أخرى تتجاور فيه: أصوات ثقافية، لغوية، أسلوبية.
ومن هنا، لا يعود القصد سيّدًا، حيث تنحرف الجملة عن نيتها، تفتح بابًا لم يُرَد فتحه، أو تُغلق آخر كان مقصودًا. ما يُكتب لا يُطابق ما يُراد، بل يُجاوره ويتجاوزه، هذه المسافة بين القصد والقول هى موضع الخيانة، وهى أيضًا موضع التوتر فى إنتاج الدلالة، فلو طابقت اللغة نياتنا تمامًا، لما بقى فيها ما يُفاجئ ولا ما يمتع، وهذا ما أشار إليه جاك دريدا، من كون العلامة لا تستقرّ فى دلالةٍ واحدة، كل كلمةٍ تُحيل إلى أخرى، وكل معنى يتأخّر عن نفسه، إنه دائم الإرجاء والتأجيل (différance)، فاللغة لا تستقر أبدًا، وبالتالى تخون أى يقين، وما نظنّه مباشرا وواضحا، يحمل فى طيّاته استعارات عديدة نحيى بها، حين نكتب، نضع سلسلةً من العلامات، لكنها تعمل وفق منطقٍ لا نتحكّم فيه. لذلك فالخيانة شرط عمل اللغة.
لكن الخيانة الأعمق ليست هنا، الخيانة الحقيقية تحدث عندما تقول الجملة أكثر مما يريد الكاتب أو ضد قصديته فى الكتابة.
يكتب الكاتب ليخفى، فتفضحه اللغة.
يكتب ليبرر واقعة، فتدينه اللغة.
يكتب ليجمّل موقفا، فتعرّيه اللغة.
هناك دائما شىء يتسرّب بين الكلمات: رغبة مكبوتة، خوف غير معترف به، موقف لم يُحسم. فاللغة ليست حاملة معان كما نعتقد، إنها تكشف ما حاول المعنى أن يخفيه، ولهذا، فإن أعظم النصوص لم تكن أبدا هى تلك النصوص التى تقول كل شىء بوضوح واقتصاد متحكم فيه، بل تلك التى تنزلق منها الحقيقة دون إذن صاحبها.
تصبح الكتابة فعل مخاطرة، والكاتب الذى يسعى إلى السيطرة المطلقة على لغته، ينتهى غالبًا إلى نص ميت، مصقول أكثر من اللازم، خالٍ من التوتر، بارد مثل قبر من رخام، أما الكاتب الذى يقبل خيانة اللغة، الذى يقبل بأن تنحرف بعيدا عما يعقله، بأن تهمس بما لا يُقال، فإنه يكتب نصًا حيًا، مفتوحًا، قابلًا للتأويل.
خيانة اللغة، إذن، هى فائض المعنى، كثافة فى الإمكان، الدلالى الواسع والمتعدد، وهنا مفارقة الكتابة: لكى تقول شيئًا حقيقيًا، عليك أن تقبل بأنك لن تقول ما تقصده تمامًا، فاللغة تخون، لكنها، فى هذه الخيانة بالذات، تمنح المبدع ما لم يكن يعرف أنه يملكه.
يبدو النصّ من منظور جوليا كريستيفا، مسرحًا لتوترٍ دائم بين الرمزيّ والسيميائيّ: بين ما نُحاول ضبطه بالقواعد، وما يتسرّب عبر الإيقاع والجسد والانفعال، قد “تفضح” الجملة لأنّ فيها ما يتجاوز قصدها المنظّم: نبرةٌ تتكرّر، صورةٌ تُلحّ، إيقاعٌ يكشف قلقًا لا يُصرَّح به. وهنا نقترب من مفهوم “العَرَض”، ما يظهر على سطح القول بوصفه علامةً على شىءٍ أعمق، التكرار غير المبرَّر، الزلة، الاستعارة التى تذهب أبعد مما ينبغى، كلّها آثارٌ لشىءٍ يعمل خلف القصد. لا نقول أكثر لأننا نريد، بل لأن اللغة تحملنا إلى ما يتجاوز إرادتنا.
لكن هل هذه الخيانة ضدّ الكاتب أم لصالح النصّ؟
المفارقة هنا أنّ ما يُفسد نقاء القصد هو ما يمنح الكتابة حياتها. فالجملة التى تُطيع كاتبها تمامًا تموت سريعًا، والجملة التى تنحرف تحيى أكثر، لأنها تفتح مساراتٍ غير متوقعة. الخيانة هنا إبداع، تُدخل فى النصّ ما لم يُخطَّط له، فتُوسّع أفقه، غير أنّ هذا لا يعنى أنّ الكاتب بلا سلطة. فالكتابة الجيّدة هى إدارة ذكية لهذه الخيانة: أن يصغى المبدع لانزلاقات اللغة دون أن يذوب فيها، أن يلتقط ما تفتحه الجملة من إمكانات ويعيد صياغته. لا يمنع الكاتب الخيانة، إنه يصادقها ويُحاورها، يترك للغة أن تقول أكثر، ثم يُنظّم هذا “الأكثر” فى شكلٍ قابلٍ للحياة وللإمتاع والمؤانسة.
وما موقع القارئ فى ظل هذه الخيانة؟
إنه أيضًا شريك فى هذا الإفشاء، حين يقرأ، يلتقط ما لم يُقصد، يربط بين عناصر متباعدة، ويستخرج من النصّ دلالاتٍ لم تُعلن، تُضاعف القراءة الخيانة، تُظهر ما كان خفيًا، وتضيف إليه، ما يُفضَح فى النصّ ليس فقط ما قاله الكاتب دون أن يدري، بل أيضًا ما رآه القارئ دون أن يُقصد قوله.
إن اللغة تخون مبدعها وقارئها معا، وفى هذه المسافة بين ما نريد وما يُقال ويقرأ، تتشكّل الكتابة كفعلٍ حيّ مراوغ، يمنحنا، فى خيانته، ما لم نكن نعرف أنه ممكن الوجود، فحين “تخون” اللغة مبدعها، فهى فى الحقيقة تكشف حدود قصده، وتفتح فجوات لم يكن يراها. لا يطيع النص صاحبه تمامًا؛ يتفلّت من نيّته، ينزاح عن مساره، ويتحوّل إلى كائن مستقل، فى تلك اللحظة، لا يعود الكاتب سيّد المعنى، بل أحد قرّائه الأوائل، وتصبح الكتابة بدورها إعادة خلق للفكرة فى مادة لغوية تقاوم الاكتمال.
وحين “تخون” القارئ، فإنها تخلخل يقينه، تدفعه إلى إعادة تشكيل ما يقرأه وفق خبرته وذاكرته وهواجسه، يُنتج المعنى فى لحظة التلقّي. كل قراءة هى كتابة ثانية، وكل قارئ يضيف إلى النص ما لم يقصده الكاتب، لكنه كان ممكنًا فى طاقته الكامنة.
فى هذه المسافة – بين ما يُراد قوله وما يُقال، بين ما يُقال وما يُفهم – تتكوّن الكتابة كفعل حيّ، كتشويه خلاق، الخيانة هنا ليست فقدانًا للمعنى، بل فائضً فيه، إنها ما يسمح للنص بأن يتجاوز لحظته، وأن يبقى قابلًا لإعادة الاكتشاف.
اللغة لا تخوننا لأنها عاجزة، بل لأنها أوسع من نوايانا. نحن من نأتى إليها محمّلين برغبة فى الدقّة والامتلاك، بينما هى فضاء احتمالات لا نهائية، لذلك، كل جملة هى تسوية مؤقتة بين فوضى الداخل ونظام التعبير، وكل نص هو أثر لتوتر لا يُحلّ.
ومن هنا، يمكن فهم الكتابة كفعل مقاومة مزدوج: مقاومة للصمت الذى يهدّد التجربة بالعدم، ومقاومة لشفافية اللغة نفسها، لأن الشفافية التامة تعنى موت التأويل، ما يبقى النص حيًا هو هذا الخلل الجميل، هذا الانزلاق الذى يجعل المعنى دائمًا على حافة التشكّل.

