من التغريدات الى الاحتجاجات: جيل زيد بالمغرب نحو فهم شامل لوعي جديد مذكرة سياسية
مركز المؤ رش للدراسات والأبحاث
لجنة العلوم القانونية والسياسية برئاسة الدكتور محسن الأجرو مي تنسيق: عزيز الحيان/ محسن الأجرو مي
الفهرس
الفهرس04……………………………………………………………………………………..
مدخل عام 05…………………………………………………………………………………
المحور الاول: سياق النشأة والتحولات البنيوية07………………………………………….
الفقرة الاولى: تحليل الظروف التاريخية والاقتصادية التي واكبت ولادة جيل زيد08………
الفقرة الثانية: قراءة البنية الاجتماعية والثقافية المرافقة لنشأة جيل زيد12……………….
المحور الثا ني: الخصائص القيمية والسلوكية لجيل زيد15………………………………….
الفقرة الاولى: توجهات الجيل نحو الشغل، السياسة، والدين15……………………………
يالفقرة الثانية: أنماط السلوك العم لي واليو مي18……………………………………………..
المحور الثالث: موقع الجيل . في البنى السياسية والمؤسسية21…………………………….
الفقرة الأولى: تحليل علاقات الجيل مع الفاعلين السياسين والمؤسسات الرسمية22……
الفقرة الثانية: أثر موقع الجيل عل السياسات العمومية والاستقرار المؤسسا تي26……….
المحور الرابع: أفق المستقبل وسياسات الاستجابة31……………………………………..
الفقرة الأولى: سيناريوهات تطور الجيل عل مدى المتوسط والبعيد31…………………..
الفقرة الثانية: سياسات مقترحة لصياغة استجابة بنيوية34………………………………..
خاتمة39……………………………………………………………………………………….
مدخل عام
ينطلق هذا التقرير من حاجة أكاديمية ملحة لفهم جيل زيد باعتباره فاعلا اجتماعيا جديدا يتبلور داخل سياق محلي ودو لي معقد، ويتحرك ضمن شروط اقتصادية وثقافية غير مسبوقة . في تاريخ الأجيال الحديثة. فقد ولد هذا الجيل في زمن التحول الرقمي ، وتفتحت مداركه وسط منظومة اجتماعية تعيد تشكيل وظائفها التقليدية، بينما تجتاز البنية الاقتصادية مراحل انتقالية عميقة تمس سوق الشغل، وأنماط الإنتاج، وطرق الاندماج الاجتماعي، لذلك لم يعد ممكنا مقاربة هذا الجيل بمنطق الانطباعات العابرة، ولا اختزاله في صور جاهزة تفترض هشاشة وعيه أو محدودية أثره؛ بل يفرض التحليل العلمي التعامل معه كنسق معقد يعكس تحولات المجتمع أكثر مما يعبر عن اختلاف عمري فقط.
وتتأكد أهمية هذا المدخل حين نتتبع طبيعة التوقعات التي يحملها هذا الجيل تجاه محيطه، فهي توقعات تنبني على وعي متسارع بالذات، وعل حس نقدي يصوغ مواقفه بعيدا عن المرجعيات التقليدية التي حكمت الأجيال السابقة. فهو جيل تربى عل تواصل مفتوح، وعل سرعة الوصول إلى المعلومة، وعلى إحساس متنامي بالمساواة وفي الفرص باعتبارها حقا أصيلا لا امتيازا مكتسبا. وهذا الوعي يعيد تشكيل علاقته بالمؤسسات، ويدفعه إلى البحث عن صيغ جديدة للاندماج، ويجعله أكثر حساسية تجاه الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، وأكثر استعدادا للتعبير عن مطالبه بوسائل مبتكرة ومبا شرة.
ومع ذلك، لا يسعى هذا التقرير إلى الغوص في التفاصيل الجزئية للحركات الاحتجاجية التي برز فيها حضور هذا الجيل، لأن هذا التركيز الضيق قد يحجب أفق التحليل البنيوي الذي نرومه. فما نبتغيه هو تقديم قراءة تركيبية تعيد وضع هذا الجيل في سياقه التاريخي والاجتماعي والثقافي، وتفكك المحددات التي صنعت شخصيته الجماعية، ثم تستشرف مسارات تطوره الممكنة في ضوء المؤ رشات الراهنة. وبناء عل ذلك يتحدد السؤال المركزي
لهذا العمل: كيف يمكن فهم جيل زيد وفق مقاربة علمية تتجاوز الأحكام المسبقة،
وتستحضر أبعاده البنيوية، وتستشرف آفاقه المستقبلية دون اختزاله في مجرد انفعال اجتماعي مؤقت؟
وتأسيسا عل هذه الإشكالية، جرى تفكيك الموضوع عبر أربعة محاور كبرى تتوزع بين تحليل سياق النشأة، ورصد الخصائص القيمية والسلوكية، وتحديد موقع الجيل داخل البنى السياسية والمؤسسية، ثم تقديم تصور استشرافي يستند إلى مؤشرات موضوعية وسياسات قابلة للتنزيل بهذه المقاربة يسعى التقرير إلى الإسهام في النقاش الأكاديمي حول الأجيالالصاعدة، وتقديم مادة علمية رصينة تساعد على فهم التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع من خلال مرآة هذا الجيل الذي لم يعد ممكنا التعامل معه كظاهرة عابرة، بل كطاقة اجتماعية تمتلك أدواتها الخاصة لتشكيل المستقبل.
المحورالاول: سياق النشأة والتحولات البنيوية
ينطلق هذا المحور من فرضية مركزية مفادها أن فهم جيل زيد لا يتأ تى بمعزل عن السياقات البنيوية التي أحاطت بنشوئه، وأن ملامح هذا الجيل وقيمه وسلوكياته هي نتاج تراكمات تاريخية واقتصادية واجتماعية وثقافية تعمل كمحددات أولية تشكل آفاق خياراته. لذلك يكرس المحور قراءة معمقة للعوامل البنيوية الك رتى الكبرى التي واكبت ولادة هذا الجيل، مع محاولة تفسير كيفية تحويل هذه العوامل إلى موارد للذات الجمعي أو إلى قيود تعيق إمكانيات اندماجه وتقدمه. تركيزنا هنا لا يقتصر عل شد الوقائع بل يهدف إلى ربط المتغيرات بعضها ببعض . يفي شبكة سببية تحليلية تبرز آليات التوليد والتأثير ، وتبين نقاط التحول الأساسية التي أهدت لهذا الجيل صيغ تميزه عن سابقاته.
الفقرة الاولى: تحليل الظروف التاريخية والاقتصادية التي واكبت ولادة جيل زيد
تمثل ولادة جيل زيد محطة تلاق بين تحولين مركزيين، أولا تحول اقتصادي يتصل بمرحلة إعادة هيكلة النموذج التنموي وتحولات سوق الشغل، وثانيا تحول تقني وثقافي نتج عن انتشار نماذج التواصل الرقمي وتسريع تداول المعلومة. من زاوية التاريخ الاقتصادي، يبرز هذا الجيل . في فترة اتسمت بضغوط عل سوق العمل التقليدي بفعل خصخصة جزئية لبعض القطاعات، تراجع قطاعات توظيف واسعة، وظهور قطاعات جديدة ذات طابع معرفي ومرن. هذه التحولات لم تسو بغض النظر عن تنا مي عدم المساواة . في توزيع فوائد النمو؛ إذ أن فرص التوظيف ذات الجودة تركزت . في محاور حصرية محددة وداخل قطاعاتتتطلب مؤهلات ومهارات حديثة لم تكن متاحة بالقدر الكف لشريحة واسعة من الخريجين والشباب الريفييين.
يقتضي فهم جيل زيد إدراك السياق التاريخي والاقتصادي الذي شكّل البيئة تيظهر فيها هذا الجيل، وما رافق ذلك من تحولات مترابطة أعادت تشكيل بنية المجتمع وطرائق عيشه، وأثرت بعمق في خيارات الأفراد وفي رؤيتهم للعالم. فالأجيال لا تتشكل . يف فراغ، بل تنشأ داخل لحظة تاريخية محددة تتراكم فيها المتغيرا ت الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لتنتج أنماطا جديدة من الوعي وتصورات مختلفة عن الذات والمجتمع. ومن ثم فإن تحليل هذه الظروف يشكل مدخلا أساسيا لتفسير السمات المميزة لو عي جيل زيد، ولتحديد موقعه داخل التحولات الكبرة التي عرفتها العقود الأخيرة
لقد ولد هذا الجيل في مرحلة تميزت بانتقال اقتصادي عميق من نماذج إنتاجية تقليدية تعتمد على القطاعات الفلاحية والوظيفة العمومية إلى نماذج أكثر انفتاحا على السوق العالمية، مع صعود قطاعات جديدة مرتبطة بالخدمات والرقمنة والاقتصاد المعر غير أن هذا التحول لم يكن متدرجا ولا متوازنا، إذ رافقته تقلبات دورية أثرت عل سوق العمل، وخلقت حالة من اللاتماثل بين المؤهلات المعروضة والفرص المتاحة، فضلا عن ارتفاع في نسب البطالة، خاصة في صفوف الشباب والخريجين ومع أن الطفرة التكنولوجية وفرت إمكانات جديدة للاندماج الاقتصادي، فإنها في الوقت نفسه أدت إلى تصاعد الفوارق بين الأفراد، حيث استفاد من التحول االرقمي من كان يمتلك مهارات مسبقة، . في حين وجد آخرون أنفسهم خارج الإيقاع الجديد. ومن ثم فإن جيل زيد نشأ عل وقع بنية سوق عمل غير مستقرة، تزداد فيها المنافسة وتتراجع فيها الضمانات التقليدية للترقي الاجتماعي
وقد شكلت البطالة واحدة من أبرز الظواهر االتي أثرت في هذا الجيل. فالتحول من اقتصاد موجه نسبيا إلى اقتصاد منفتح جعل التشغيل مرهونا بقدرات الأفراد، وليس باندماجهم في منظومة الدولة كما كان الحال بالنسبة للأجيال السابقة. ومع توسع الجامعة، وتزايد أعداد الخريين، اتسعت الفجوة بين الطلب عل الشغل والقدرة الاستيعابية للاقتصاد، مما خلق شعورا عاما بعدم اليقين، وولد لدى الشباب إحساسا بأن المستقبل ليس خطا تصاعديا كما كان متوقعا، بل مسارا مليئا بالانقطاعات. وهذا الشعور بالهشاشة أنتج وعيا جديدا يجعل الفرد أقل ثقة . في المسارات المهنية التقليدية، وأكثر ميلا إلى البحث عن بدائل، سواء . في الاقتصاد االرقمي او في الهجرة أو .في ريادة الأعمال. وهنا يتشكل أول مكون من مكونات وعي جيل زيد: إدراك متنا يم بأن المحيط الاقتصادي لم يعد يضمن الاستقرار، وأن الاعتماد عل الذات أضخ رشطا أساسيا للاندماج.وإلى جانب اقتصاد داخلي يعيد تشكيل وظائفه، برزت الهجرة، سواء الداخلية أو الخارجية، بوصفها ظاهرة عميقة التأثير في هذا الجيل. فقد أسهمت الهجرة الداخلية، الناتجة عن التحولات الواسعة التي عرفها المجال الريفي في خلق موجات انتقال نحو المدن، حيث تركزت الخدمات والفرص الاقتصادية. ومع توسع المدن وتنوع نسيجها الاجتما عي، تشكل لدى هذا الجيل وعي مختلف عن الانتماء، قائم عل الاحتكاك اليومي بتجارب متعددة وأسلوب عيش سريع الإيقاع. وفي الوقت نفسه، لعبت الهجرة الخارجية دورا مركزيا في إعادة توجيه التطلعات، لأنها لم تعد مرتبطة حصرا بالبحث عن تحسين الوضع الاقتصادي، بل أصبحت جزءا من الخيال الاجتما عي، ورمزا لإمكانية اختراق الحدود الجغرافية والاجتماعية. ومع انتشار وسائل التواصل وارتفاع حجم التحويلات المالية وتوسع شبكات الجاليات، صارت الهجرة مكونا من مكونات القرار لدى الكثير من أبناء هذا الجيل، سواء . في شكل رغبة مؤجلة أو مشروع فعلي.
إن هذه التحولات مجتمعة أدت إلى نشوء جيل تشكل وعيه داخل سياق عالمي ومحلي متداخل. فمن جهة، شهد العالم خلال العقود الأخ يرة طفرة تكنولوجية غير مسبوقة، غيرت أشكال الإنتاج وأنماط التواصل، وخلقت فضاءات رقمية متعددة أصبحت جزءا من البناء المعرفي والسلكي للفرد. ومن جهة أخرى، عايش هذا الجيل انتقالا اقتصاديا وطنيا لم يصاحبه دائما انتقال مؤسسي بالسرعة نفسها، مما جعله يعيش منطقين منطق اقتصاد عالمي سريع ومنطق مؤسسات محلية متدرجة في الإصلاح. وخلق هذا التناقض نوعا من الانفصال بين التطلعات والواقع، وأسهم فيبروز أشكال جديدة من التوقعات الاجتماعية، خصوصا ما يتعلق بالكرامة الاقتصادية، والفرص العادلة، وإمكانية تحقيق الذات.
وقد اتضح أن سوق العمل لم يعد قادرا عل احتواء جميع الوافدين الجدد من الشباب، مما ولّد دينامية جديدة داخل الوعي الجمعي لهذا الجيل. إذ صار تقييم الأفراد لذواتهم ولمساراتهم المهنية محكوما بمعايير عالمية، وليست محلية فقط، وهو ما يفسر جانباً من ارتفاع مستوى الطموح، ومن نشوء شعور بالتفاوت، ليس فقط بين الفئات الاجتماعية داخل البلد، بل . بين تجارب الشباب هنا وتجارب الشباب في سياقات دولية أخرى. وقد عمق هذا التفاوت الشعور بضرورة امتلاك كفاءات إضافية، ليس فقط لغايات مهنية، بل لضمان القدرة عل الانتقال بين فضاءات متعددة، في الداخل والخارج، وعلى االتكيف مع سوق عمل متغير وهنا يتشكل المكون الثاني لوعي جيل زيد: وعي قائم على الحركة والمرونة، وعل التطلع إلى تجاوز الحدود التقليدية للمجال الاقتصادي.
وإذا كان الاقتصاد يشكل الإطار المادي الذي تولد فيه اختيارات الفرد، فإن التاريخ يوفر الخلفية الرمزية التي تتشكل فيها قيمه وتصوراته. فقد نشأ جيل زيد . في مرحلة ما بعد عدة محطات وطنية مفصلية، تميزت بإصلاحات دستورية ومؤسسية كبرى وبإعادة هيكلة السياسات الاجتماعية، وبمسار متدرج نحو توسيع الحقوق والحريات. ورغم تعدد التقييمات حول عمق هذه التحولات، فإنها خلقت بيئة جديدة بالنسبة لأبناء هذا الجيل، بيئة يتداخل فيها الخطاب حول الحقوق مع التحولات الاقتصادية، مما أنتج وعيا مزدوجا، يرى في الدولة إطارا للحماية، لكنه . في الوقت نفسه يدرك حدود هذا الإطار. وقد جعل ذلك الجيل أكثر قدرة عل مساءلة السياسات العمومية، وأك ثر وعيا بالعلاقة بالدولة والنمو الاقتصادي، وبين الأداء المؤسسي وفرص الاندماج المهني ومن خلال التفاعل بين البطالة وسوق العمل والهجرة والتحولات التاريخية، تبلور لدى جيل زيد تصور جديد عن الزمن الاجتماعي. فلم يعد المستقبل امتدادا طبيعيا للحا ضر، بل أصبح مجالا مفتوحا عل احتمالات متعددة. كما لم يعد العمل مجرد مورد للعيش، بل أصبح تعب تا عن القدرة عل التحكم . في المسار الذا تي وفي الخيارات المهنية. وهكذا انتقل الجيل من تصور جماعي للاندماج، كان قائما عل الالتحاق بمؤسسات ثابتة، إلى تصور فردي.

