هل نشهد تغييرا في الانتخابات المقبلة ؟ أم تستمر متلازمات الفساد السياسي؟4/1 للكاتب الصحفي ذ/ محمد بادرة ( الجزء الاول )
كتب ذ. محمد بادرة
يعيش نظامنا الانتخابي أزمة في منابته الأصلية حيث أصبحت قطاعات واسعة من المجتمع ترى فيه مجرد مصعد اجتماعي لفئة محدودة من النخب السياسية والاقتصادية والإعلامية والتي تستغل الانتخابات لتحقيق مقاصد شخصية ومكاسب ريعية أو الحصول على وظائف سامية، وعليه تعمل على “اختطاف” ارادة المواطن والناخب لأجل تحقيق هذه المكاسب وتعزيز هيمنتها على المجال السياسي وباقي المجالات الأخرى.. لكن ورغم ذلك سيبقى العمل السياسي والنظام الحزبي هو الآلية الوحيدة التي تطور العملية الديموقراطية وتوسع مساحة الحريات في الفضاء الاجتماعي كقيم وثقافة قبل أن تكون هياكل ومؤسسات كما أنها ستبقى آلية أساسية لحسم الصراعات والتنافسات عبر وسيلة الانتخاب وصناديق الاقتراع.
ردّا على تيار المقاطعين والرافضين للانتخابات فان المقاطعة ليست حلا موفقا لأن رفض التصويت أو مقاطعة الانتخابات تتيح فرصة ثمينة للفاسدين والمستبدين والانتهازيين والفاشلين من سرقة وأخذ أدوار سياسية وسلطة تمثيلية لا يستحقونها وغير مؤهلين لها وهم أساسا لا يهمهم أن يكونوا “نوابا ” أو “ممثلين للشعب” بل هم على العكس من ذلك يعدّون خصوما للديموقراطية وللمواطن لأنهم لا يحتاجون الى البرلمان أو الى المؤسسات التمثيلية الا لتحقيق مكاسب شخصية أو فئوية لا يستحقونها.. وهنا تأتي حتمية التلازم بين المشاركة الانتخابية والممارسة الديموقراطية والتداول السلمي على السلطة بين مختلف القوى الاجتماعية والسياسية مما يساعد على القضاء على الفساد السياسي الذي يعد أكبر معوّق للديموقراطية. في نفس هذا السياق يشير الفقيه السياسي الفرنسي Michel Coudrec الى هذه المتلازمة بقوله (لا وجود لدولة القانون عندما لا تتم مناقشة القانون بحريّة في مجلس تشريعي منتخب ديموقراطيا) وهو ما يعكس التلازم بين الإصلاح السياسي والديموقراطية.
البرلمان هو أهم مؤسسة دستورية في الدولة الديموقراطية وتنبع أهميته ليس فقط في كونه يمثل صوت المواطن في منح الثقة للحكومة ومراقبة أدائها بل في كونه المكان الذي تصنع فيه سياسات الدولة وتشرّع قوانينها ولذا فمن الضروري أن يحقق البرلمان في ذاته صفتين متلازمتين وهما سلامة ونزاهة التمثيل الانتخابي وكفاءة ممثلي الأحزاب القانونية والثقافية والسياسية..
لقد جرّبنا في تجاربنا الانتخابية المتعددة كلا من الانتخاب الفردي والانتخاب بالقائمة لكن لم نحصد غير التراجع المستمر في المشاركة الانتخابية من تجربة الى أخرى مع تزايد نسبة المقاطعة التي ما انفكت تتعاظم لتسائل الطبقة السياسية في شموليتها مما يطرح أكثر من علامة استفهام لا من حيث نسبة المشاركة ولا من حيث نتائج الأحزاب !!
ان أزمة الانتخابات أو أزمة التعبير التمثيلي تعبر عن غياب ارادة سياسية حقيقية وتؤشر على تدني وتدهور المكانة أو القيمة السياسية والاجتماعية للأحزاب وتراجع حيز تأثيرها وجاذبيتها وقدرتها على تأطير وتوجيه الرأي العام .. فما هي أسباب المقاطعة أو أسباب الهزال في المشاركات الانتخابية:
– فهل فقد المواطنون نخوة التصويت وتلاشت ثقتهم بالسياسيين وبالأحزاب؟
-هل ضعف المشاركة في الانتخابات ناجم عن الصورة الباهتة لمؤسسة البرلمان في ذهنية الناخب المغربي بمختلف فئاته وقواه الاجتماعية وبالتالي الصورة السيئة والمقرفة للعمل النيابي في ذهنية المغاربة؟
العزوف الصارخ في المشاركة الانتخابية والشعور بعدم جدوى المشاركة في العملية الانتخابية هو ناقوس خطر منذر ب”فراغ سياسي” يعود الى الضعف البين للأحزاب وتخليها عن دورها الدستوري في التأطير والتنظيم وفي تآكلها وتلاشيها وانهيار مصداقيتها.. ومن الأسباب الرئيسية التي نراها تكون قد ساهمت في هذا التراجع المستمر في المشاركات الانتخابية:
- هيمنة الشعبوية كأيديولوجيا زائفة في الخطاب الحزبي.
- اضعاف المسؤولية السياسية في نظام التحالف الحكومي.
- هيمنة المال السياسي الفاسد وتحويل العملية الانتخابية الى سلعة للبيع.
- تراجع الثقة بالأحزاب الوطنية.
- الشعبوية كأيديولوجية خلاصية زائفة
الخطاب الشعبوي يتسع ويتوسع في الفضاء الإعلامي والدعائي الحزبي خصوصا مع اقتراب “الامتحان” الانتخابي، ويتسم هذا الخطاب ببؤسه وبساطة لغته السياسية ويتغذى أساسا من أحاسيس التهميش والحرمان، ويتشرّب من ينابيع “الغضب الشعبي” ويقيم جدارا أخلاقيا واهما يقوم على نحو مضلل من خلال افتراض صراع بين معسكرين أو فريقين أو جناحين سياسيين يقدّم الأول على أنه يمثل القاعدة الأساسية من الشعب ويؤمن بأفكار “الإصلاح” لتغيير واقع التهميش والحرمان والقمع ويقدّم الثاني على أنه معسكر أو جناح سياسي ظالم مستحوذ على الثروة ومتحكم في السلطة وهم الأقلية من الشعب أي هم النخبة !!
شيوع هذا النوع من الخطاب الشعبوي البسيط في وسائل الإعلام الجديدة أو في وسائل التواصل الاجتماعي ناجم عن عجز الأحزاب والمؤسسات السياسية التقليدية عن تجديد خطاباتها التي فقدت بريقها وانحسرت الفروق بينها حتى صارت متقاربة ورتيبة ومفتقرة الى هوية سياسية واضحة تسمح للمواطن التمييز بينها. هي أحزاب شاخت تفتقر الى برامج وأفكار ومواقف جديدة وملهمة يمكنها التصدي لكل المعضلات وحل المشاكل التي تواجه المجتمع، وما زاد من ضمورها وتآكلها أنها أصبحت عاجزة عن ضخ دماء جديدة وتطوير آليات التجنيد والتصعيد في داخلها مما يؤدي الى اعادة تدوير أو اعادة انتاج نفس النخب والقيادات الفاسدة والعاجزة في مستوياتها القيادية وهو ما أدى الى أن تتراجع معدلات ونسب المشاركة في الانتخابات وحصول أزمة في التمثيل وانخفاض أعداد الملتحقين بالأحزاب.
ان ضيق الأفق السياسي لدى أغلبية أحزابنا القديمة منها أو الحديثة النشأة هو الذي سمح للخطاب الشعبوي أن يغطي على هذا العجز الذي تعانيه الأحزاب الوطنية وكذا ضعف النخبة السياسية والثقافية وعدم قدرتهما على بناء مشروع مجتمعي مستقبلي مما يسهل على الشعبويين “الحزبيين” وغير الحزبيين الركوب على (عواطف الجماهير).. يدغدغون عواطف الفقراء ويجيشون الشباب العاطل ويهيجونهم للخروج الى الشارع دون تأطير تنظيمي أو توجيه سياسي كما تفننت هذه “الزعامات” الشعبوية في تعليب الشعارات وصنع الأحلام الواهمة وخداع المواطنين والشباب منهم واستغلال عطشهم لتحقيق العدالة الاجتماعية بشعارات جذابة للوصول الى مآربهم دون تحقيق حقوق المخاطبين بتلك الشعارات. لاحظ المنظر السياسي كانوفان مارغريت وجود ترادف بين الخطاب الشعبوي مع الغوغائية لأنهم يقدمون اجابات سياسية مفرطة البساطة على أسئلة اجتماعية وسياسية واقتصادية معقدة بطريقة عاطفية للغاية أو بالانتهازية لأنهم يسعون –فقط- الى ارضاء الناخبين دون اعتبارات منطقية بمسار العمل السياسي الرصين ومن ذلك مثلا: (ايهام الشباب العاطل بتوفير الوظائف للجميع قصد جذبهم الى صفوفهم)-(اعطاء الوعود الوهمية الى الطبقة العاملة بالرفع المتواتر للأجور وزيادة الدعم للأسر والفئات الهشة دون مراعاة التوازنات الاقتصادية بهدف كسب رضى الفئة العريضة من الناخبين) -(استخدام المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر معلومات مضللة عن شخص ودور الزعيم “الشعبوي” في انقاذ البلاد والعباد)-(ربط الأزمات الاجتماعية والسياسية بالمؤامرات الخارجية..)..
يربط حسن أوريد بين صعود الشعبوية وبين أزمة التمثيل التي تعيشها الديموقراطيات المعاصرة ويرى أنه حين تفشل الأحزاب في أداء دورها الوسيط، وحين تتحول السياسة الى أداة تقنية منفصلة عن هموم المواطنين يتعمق الإحساس بالاغتراب السياسي ويصبح خطاب “الشعب الحقيقي” أكثر جاذبية، غير أن حسن أوريد يفصل بين الغضب الاجتماعي المشروع وبين توظيفه الشعبوي معتبرا أن الشعبوية لا تحل أزمة التمثيل بقدر ما تعيد انتاجها في شكل أكثر اختزالا وخطورة. فالزعيم أو القائد في المنظومة الشعبوية لا يقدم نفسه شخصا قابلا للنقد أو المحاسبة بل يعتبر نفسه تجسيدا حيا للإرادة الشعبية، وتفرده بالقرار انما يأتي باسم التفويض “الشعبي” وبالتالي فعلاقته بالجمهور هي علاقة قداسة تتجاوز التعاقد السياسي والمؤسساتي، ونحن اليوم يمكننا أن نبرر خلود بعض قادة الأحزاب الوطنية واستمرارهم في الجلوس على كراسي القيادة الى تشربهم من الثقافة الشعبوية وهو ما يهدد القيم الديموقراطية.
– الشعبويون يقدمون أنفسهم كممثلين حقيقيين للشعب ويزعمون أنهم وحدهم من يعبر عن ارادة الأفراد والجماعات وهم لسان المواطن يتكلمون باسمه، وينوبون عنه في المواقف والقرارات في مقابل معارضتهم ومحاربتهم للنخب التي يتهمونها بالفساد واحتكار السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام وهم بذلك يعادون التعدد والاختلاف كما يفصلون بينهم وبين الآخرين بفاصل أخلاقي وليس بتمييز ايديولوجي وسياسي (يمين أو يسار) ويقوم الاستقطاب السياسي في خطابهم الشعبوي على ثنائية حادة هي (نحن) و(هم) ويكثر في خطابهم أو(خطبهم) هذا الفصل الأخلاقي وكأنهم شرفاء طاهرون أنقياء وأتقياء والآخرون (النخبة) فاسدون خبثاء مستبدون مفترسون يخونون مصالح المجتمع والأمة؟؟ هكذا يصنفون قوى المجتمع ونخبه وينتقدون المؤسسات حتى يحتكروا الاستقطاب السياسي !! انه لا شعبوية دون استقطاب أخلاقي، وفي رأى الباحث الفرنسي بيير أندريه تاغييف أنه من الخطأ مساواة الشعبوية مع الديماغوجية، فالديماغوجي يهدف الى تضليل الآخرين بينما الشعبوي يبدأ بتضليل نفسه، ويقول الكاتب نفسه أن للشعبوية عددا من الخصائص من بينها أنها تمثل ثورة ضد النخبة كما أنها تزعم أن السياسة هي شيء سهل ويمكن ادراكها بالنسبة للجميع وأن اعتبارها معقدة يعود الى “مكيدة” وضعها النخبويون لإبقاء المواطنين العاديين خارج عملية صنع القرار.
تتغدى مختلف أنواع الشعبويات على أحاسيس التهميش والحرمان والغضب لدى كامل المجتمع أو شرائح معينة منه مما يفترض صراعا بين معسكرين: أغلبية مقهورة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا يدافع عنها الشعبوي بخطاب حماسي، وأقلية من النخبة تحتكر الثروة والسلطة باسم التمثيل الديموقراطي وهي الأحزاب التقليدية والمؤسسات الإعلامية والثقافية الرسمية.. هذا الخطاب الشعبوي بدأ يهمن على الفضاء الإعلامي الرقمي في بلدنا وفي وسائل التواصل الاجتماعي خصوصا، ينبت كالفطر وينفت سمومه “الشعبوية” يمينا ويسارا، يشيطن كل النخب السياسية، يقلل من قيمة وشأن الأحزاب السياسية دون التمييز بينها ويثير النعرات العرقية والقبلية ويستهدف تخوين فئة من المثقفين ويعتمد أسلوب التشكيك في الحقائق والوقائع ويريد أن يستبد ويستقطب الناس والناخبين متجاوزا القوانين والهياكل والمؤسسات الحزبية أو غيرها.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة























