Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

وزارة الذكاء الإصطناعي..هل تصلح ما أفسدته “العقول” السياسية أم تنعزل خلف قضبان الخوارزميات…للكاتب الصحفي ذ/ محمد بادرة

كتب .ذ. محمد بادرة

لأول مرة في تاريخ الحكومة المغربية أحدتث وزارة للذكاء الإصطناعي وذلك في التشكيلة الحكومية الجديدة التي تم تعيين أعضائها يوم الجمعة 16 أكتوبر2026 وتم وضع الذكاء الإصطناعي ضمن قطاع وزاري مستقل لتسريع رقمنة الخدمات وتطوير التكنولوجيا وتحديث الإدارة العمومية، فهل كان الغرض من هذه الخطوة تعزيز التحول الرقمي وتطوير حلول ذكاء اصطناعي سيادي وملاءمته للخصوصية المحلية؟

ثمة بلدان متقدمة تدير مرافقها العمومية وتوجهاتها الإستراتيجية من خلال الإستعانة بالذكاء الإصطناعي واستخدام الخوارزميات وتحليل البيانات وأتمتة الإجراءات الإدارية، وتلجأ المؤسسات وحتى المواطنين في كثير من هذه الدول الى الذكاء الإصطناعي في شؤونهم الخاصة والعامة بوصفه أداة مساعدة لتسهيل الحياة اليومية وتحسين الكفاءت البشرية وليس بديلا كليا عن الإدارات العمومية.. وفي احتكاك المواطن بالأنظمة الذكية والخوارزميات يحس أنه لا يشعر بثقل بيروقراطية الدولة لأن الذكاء الإصطناعي يساعده في صياغة واستخراج الوثائق وتسريع التواصل مع الإدارات والخدمات العامة حيث يمكنه تسريع معاملاته عبر روبوات برمجية أو عبر بوابات ذكية تقدم الخدمات وتجيب عن الإستفسارات على مدار الساعة واليوم والأسبوع والشهر والسنة ودون انقطاع كما أن المواطن يمكنه أتمتة الأعمال الروتينية وتجديد وثائقه الشخصية والإدارية وتسديد ضريبة أو دينا أو شيكا بنكيا مع الشركاء والمتعاونين…كل هذا وغيره لا يحتاج المواطن فيه إلاّ نقرات قليلة ودون الحاجة إلى الوقوف في طابور الإنتظار، ودون أن يسمع أو تتلقى أذنيه تلك اللازمة المألوفة المشؤومة في الإدارات البيروقراطية (تعالى بعد أسبوع أو شهر) غير أن المفارقة أن البلدان المتطورة التي تستعمل التكنولوجيا الفائقة والذكاء الاصطناعي تتعامل مع مواطنيها باحترام ومسؤولية وتسهل لهم كل الإجراءات والمعاملات في إداراتها الرسمية باستخدام الذكاء الإصطناعي أو بدونه حيث السجلات العامة موحّدة وموثوقة وقواعد البيانات صحيحة وشاملة تحمي الخصوصية مع وجود قانون يمنع الدولة من سؤال مواطن عن معلومة سبق أن أعطاها لإدارته ثم يأتي الذكاء الإصطناعي بعد ذلك كله ليسهل الإجراءات والمعاملات وييسر الحصول على المعلومات ويكون بذلك الذكاء الإصطناعي طبقة أخرى فوق أساس إداري وخدماتي متين .

وفي بلدنا حين نحلم في إنشاء وإحداث وزارة للذكاء الإصطناعي فإنه ستثار الكثير من التساؤلات والتحديات القانونية والادارية والاخلاقية.. قد نتساءل من سيتسلم ويتقلد مسؤولية تدبير هذا المرفق الرقمي، هل سيكون وزيرا حزبيا تمنح له في إطار المحاصصة وتوزيع الحقائب الوزارية؟ أم يستحسن ان يكون خبيرا رقميا محترفا يجمع بين الفهم التقني والوعي الاستراتيجي؟

إنشاء هذه الوزارة(الذكية) لا يمكن عزلها عن باقي القطاعات بل إن طبيعتها الأساسية قائمة على التكامل والربط الشامل مع كافة المجالات، فالذكاء الإصطناعي ليس قطاعا مستقلا بذاته كالصحة أو التعليم بل هو تقنية أفقية تدخل في صلب عمل جميع القطاعات الأخرى لتطويرها ورفع كفاءاتها. فكيف ستنجح هذه الوزارة (الذكية) في تحقيق أهداف مؤسسية ووطنية كبرى وتصبح محركا رئيسيا في تطوير قطاعات الصحة والتعليم والفلاحة والخدمات الحكومية وفي تقديم المساعدة الإفتراضية للمواطنين وتحسين تفاعلهم مع الإدارات عبر بوابات ذكية تقدم الخدمات وتجيب عن الإستفسارات..

كل القطاعات الوزارية من التربية والتعليم الى الرياضة مرورا بالصحة والماء والنقل والإعلام والتنمية البشرية وغيرها.. كل قطاع من هذه القطاعات له موارده واختصاصاته وحدوده أما الذكاء الإصطناعي فيمر على هذه القطاعات كلها ويخترقها أفقيا ثم يطور نماذجها البرمجية لحل مشكلاتها دون انتظار “قرار” اداري وإنما عبر بيانات منظمة وطاقة حاسوبية مستمرة ومتجددة وكفاءات علمية وتقنية تساهم في تحريك مختلف مجالات المجتمع حتى لا يبقى الذكاء الإصطناعي مجرد أداة تكنولوجية معزولة:

رغم كل هذه الإمتيازات التي يوفرها الذكاء الإصطناعي إلا أن انتشار تكنولوجيا الرقمنة وتطبيقاتها زاد من خطر انتهاك الخصوصية الشخصية مما يُثير تساؤلات حول حدود هذه التقنيات وحقوق الأفراد وبالتالي يجب على الوزارة وعلى الحكومة والمؤسسات القانونية وضع لوائح وقوانين تنظيمية تضمن الإستخدام الآمن والأخلاقي للذكاء الإصطناعي بطرق أخلاقية وآمنة ومسؤولة..

الذكاء الإصطناعي لا يعالج الفساد بل قد يخفيه اذا استعمل لإلباس قرارات إدارية وجنائية ثوبا تقنيا.. كما أن الإستثمار الأجنبي في هذا القطاع قد يجلب الخبرة ويترك التبعية إن لم تحكمه عقول وطنية مؤهلة ..

إذا كانت الحكومة الحالية لها السبق في إحداث وزارة للذكاء الإصطناعي فعليها أن تسعى إلى صياغة استراتيجيات وطنية لتعزيز الإبتكار في القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة والفلاحة وتقليل التبعية للتقنيات الخارجية ..

لعل وزارة أحمد رحو تساعد في دمج الذكاء الإصطناعي في رفع الكفاءة التشغيلية وأتمتة العمليات وتعزيز الإبتكار في القطاعات الحيوية… لعل وزارة بلا عقول “بشرية” قد تنجح في تطوير بلد أرهقته العقول السياسية !!!