Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

إقصاء “الزرق” في عيدهم الوطني! للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي

كتب اسماعيل الحلوتي

في الوقت الذي كانت فيه الجماهير الفرنسية العريضة تنتظر بشوق كبير أن يهديها منتخبها المدجج بأبرز نجوم العالم في كرة القدم بطاقة العبور إلى الدور النهائي لبطولة كأس العالم 2026 في نسختها 23 بالولايات المتحدة الأمريكية، من خلال الفوز على المنتخب الإسباني في مباراة دور النصف النهائي التي جمعت بينهما بملعب “دالاس” يوم الثلاثاء 14 يوليوز 2026، وهو اليوم الوطني الذي يتم فيه تخليد الذكرى السنوية لواقعة اقتحام الثوار الفرنسيين لسجن “الباستيل” في 14 يوليوز 1789، والذي شكل نقطة تحول هامة في مجريات الثورة الفرنسية، فإذا بها تصاب بخيبة أمل كبرى ستظل راسخة في الأذهان لعقود طويلة، إثر هزيمة منتخب “الزرق” بحصة (2/0).

ترى كيف لهذا المنتخب القوي الخروج من دور النصف النهائي في هذا العرس الرياضي العالمي، وهو الذي أطاح بكبار المنتخبات ومن ضمنها منتخب “أسود الأطلس” في دور ربع النهائي بحصة (2/0)، فضلا عن أنه كان مرشحا فوق العادة للفوز باللقب في هذه النسخة الجديدة، التي تحتضنها لأول مرة ثلاث دول: الولايات المتحدة الأمريكية، كندا والمكسيك، بمشاركة 48 منتخبا بدل 32 سابقا؟ يبدو أنه لم يكن ليغادر المنافسة قبل نهايتها لولا ظهوره الباهت وما بدا عليه من ارتباك وافتقار عناصره إلى روح الإلهام، أمام سرعة لاعبي المنتخب الإسباني وبسط سيطرتهم في وسط الميدان، والتحكم في مجريات اللقاء بفضل تماسك خطوطه وصلابتها، وتفوقه في الاستحواذ والتنظيم التكتيكي، مما أدى إلى حرمان “الديوك” من اختراق الدفاع الإسباني وخلق فرص حقيقية والتسديد صوب المرمى طوال دقائق المباراة…

فما أثار حفيظة الجماهير الفرنسية واستياء عشاق مبابي ورفاقه، ليس فقط  خروج منتخب “الديوك” خائبا من دور نصف النهائي للمرة الثالثة، بل كذلك ظهوره غير المقنع في مواجهته “الماتادور” الإسباني، علما أنه ليس بالمنتخب الذي يسهل هزمه بهدفين نظيفين، لاسيما أنه سبق له الفوز ببطولة كأس العالم مرتين: في النسخة 16 عام 1998 بفرنسا حيث سحق خلالها المنتخب البرازيلي بنتيجة (3/0)، والنسخة 21 عام 2018 بروسيا إثر تغلبه الى المنتخب الكرواتي بحصة (4/2)، وهو ما عرضه لسيل من الانتقادات الحادة، خاصة في ظل غياب الفعالية الهجومية، بعد أن خلت مرتدات الماردين الكبيرين كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي من أي خطورة على شباك الحارس الإسباني “أوناي سيمون”.

ثم إن خسارته هذه لا تعني البتة أن المنتخب الإسباني أقل شأنا من نظير الفرنسي، بل هو أيضا منتخب قوي سبق له الظفر باللقب خلال النسخة 19 عام 2010 بجنوب إفريقيا عقب انتصاره على المنتخب الهولندي ب(1/0)، علاوة على أنه توج قبل ذلك ببطولة أمم أوروبا عام 2024، عقب فوزه على المنتخب الإنجليزي بحصة (2/1) وانفراده بصدارة المنتخبات الأكثر تتويجا باللقب برصيد أربعة ألقاب، وتوفره دائما على لاعبين متميزين وفي مقدم تهم الأسطورة “لامين يامال” حاليا.

فأمام هذا الإقصاء الذي حال دون فرصة تأهل المنتخب الفرنسي مرة أخرى لنهائي مونديال أمريكا، سارعت بعض الصحف الرياضية الفرنسية إلى التعليق على هذه الهزيمة المرة، بعد أن كان رفاق مبابي يطمحون متفائلين إلى التتويج باللقب، حيث هناك منها من أكدت بأن المنتخب الفرنسي كان غائبا بالمرة وفي حالة تثير الشفقة، وهناك من وصفت المباراة ب”انهيار الديكة في دالاس”، مبرزة أن منتخب “اللاروخا” تمكن من خنق أنفاسهم بشدة ولقنهم درسا قاسيا في مفهوم كرة القدم الحديثة، وهناك كذلك صحف أخرى رأت في هذه الهزيمة كارثة بجميع المقاييس لم تكن تخطر على البال، ونهاية حزينة لحلم الحصول على النجمة الثالثة التي كان الفرنسيون يمنون النفس بنيلها، لأن الإسبان كانوا هم الطرف الأقوى في كل شيء، واستطاعوا بفضل انضباطهم التكتيكي وانسجامهم تقديم عروض كروية جد رائعة، واستحقوا بكل موضوعية بلوغ الدور النهائي عن جدارة واستحقاق…

فما لا ينبغي أن ننساه ومعنا كل الشغوفين بكرة القدم أن المنتخبين دخلا المواجهة معا يحدوهما الأمل الكبير والثقة العميقة في بلوغ الدور النهائي للمونديال، وسط توقعات متضاربة بين من يرجح كفة الفرنسيين ومن يرجح كفة الإسبان، لكن سرعان ما بدا واضحا منذ البداية أن الإسبان أكثر إصرارا على الفوز من الفرنسيين، حيث سارعوا إلى فرض إيقاعهم المتناسق، وإغلاق كافة المنافذ أمام نجوم منتخب “الديوك” وجعلهم عاجزين عن بلوغ مرمى حارس المنتخب الإسباني. حيث جاء الهدف الأول في الدقيقة 19 عن طريق ركلة جزاء إثر خطأ دفاعي، وقد انبرى لها بنجاح اللاعب “ميكيل أويارزابال”، فيما أحرز اللاعب الإسباني “بيدرو بورو” هدف الفوز الثاني والأخير في الدقيقة 58 إثر انفراده بالحارس الفرنسي “مايك مينيان”

إن منتخب “اللاروخا” لقن نظيره الفرنسي ومن خلالها باقي المنتخبات درسا كرويا ممتعا وحقيقيا، ليس فقط على مستوى طريقة تحقيق الفوز، بل كذلك من حيث فرض أسلوب لعبه المعتمد على الاستحواذ والانتشار التكتيكي الجيد، مؤكدا تفوقه المستمر على “الديوك” في البطولات الكبرى، إذ سبق أن أقصاه في كأس أوروبا 2024 ودوري الأمم الأوروبية عام 2025

وفي انتظار موعد المباراة النهائية التي ستجمع بين المنتخبين الإسباني والأرجنتيني مساء يوم الأحد 19 يوليوز 2026، نتمنى صادقين أن ترتقي إلى مستوى تطلعات عشاق الكرة العالمية من حيث المتعة.