Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

ابن كيران والطريق إلى المارستان!…للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي

كتب اسماعيل الحلوتي

من المؤسف أن ينتهي الأمر بالأمين العام لحزب العدالة والتنمية وأول رئيس حكومة في ظل دستور 2011 عبد الإله ابن كيران وهو في خريف العمر، إلى هذه الحالة المتقدمة من الخرف، حيث لم يعد يستطيع التحكم في لسانه وانفعالاته، ولاسيما منذ إعفائه من قبل جلالة الملك محمد السادس في 17 مارس 2017، بسبب إخفاقه في إقناع حلفائه المفترضين في تشكيل حكومته الثانية، رغم تجاوز المفاوضات خمسة شهور دون ظهور مؤشرات واضحة لقرب انفراج ما سمي إعلاميا ب”البلوكاج الحكومي”، والخروج من حالة الجمود السياسي والاقتصادي، مما أدى إلى تكليف سعد الدين العثماني القيادي البارز في نفس الحزب خلفا له وتدارك الوقت الضائع.

فمنذ تلقي تلك الصفعة المدوية التي عصفت به خارج أسوار مربع السلطة، وابن كيران كمن يصارع “طواحين الهوى”، مدعيا تعرضه لمؤامرة حالت دون استمراره رئيسا للحكومة رغم جدارته واستحقاقه. ومن ثم أصبح لا يترك مناسبة تمر دون أن يحشر أنفه فيها، ولا يكتفي فقط بمهاجمة منافسيه وخصومه السياسيين الحقيقيين، بل حتى من يخالفونه الرأي من إعلاميين وغيرهم في عديد القضايا حتى من داخل الحزب نفسه. وبلغت به بالوقاحة حد نعت بعض المغاربة ب”الحمير” و”الميكروبات” و”الكلاب” لكونهم يرفعون أحيانا شعار “تازة قبل غزة”، وهو يعلم أكثر من غيره أن هذا الشعار لا يعني تخليهم عن مناصرة القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية كل العرب وليست قضية الفلسطينيين وحدهم ولا قضية فئة مغربية دون أخرى أو حزب سياسي مغربي دون غيره…

بيد أنه طالما كان يركز في توجيه مدفعيته إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش وخصومه السياسيين، والأدهى من ذلك أن اعتداءاته طالت حتى بعض رؤساء الدول الأجنبية دون أي تحفظ، كما ورد في كلمة له أمام أعضاء اللجنة المركزية لشبيبة حزبه، التي كانت موثقة بالصورة والصوت في أحد مقاطع الفيديو المنشورة على صفحته الشخصية في “الفيسبوك”، وهو يقول بخصوص خطة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية “دونالد ترامب” الرامية إلى تهجير فلسطينيي قطاع غزة إلى عدة دول أخرى، بأنها “خطة تذكرنا بقانون الغاب” واصفا إياه ب”الرئيس المغرور وذي الأفكار الإجرامية”

وليس وحده الرئيس الأمريكي من تعرض للهجوم البنكيراني، بل حتى الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، وذلك إبان تجمع خطابي بمناسبة عيد الشغل في فاتح ماي 2025، إذ لم يجد له من وصف سوى “المدلول” لتأخره في الاعتراف بدولة فلسطين، ناسيا أن ماكرون ضحى بمصالح بلاده الاقتصادية، وواجه غضب حكام قصر المرادية في الجزائر حين اختار الاصطفاف إلى جوار المملكة الشريفة والإعلان عن دعم بلاده للمبادرة المغربية حول الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية…

فما من شك في أن ابن كيران ورث عن منصب رئاسة الحكومة حالة من “جنون العظمة”، وبات يعتقد بشكل مفرط أنه شخصية جد مهمة ويمتلك قوى خارقة لا تتوفر لغيره من باقي أمناء الأحزاب السياسية وجميع الفاعلين السياسيين في البلاد، لاسيما بعد أن أقر الجالس على العرش الملك محمد السادس صرف معاش استثنائي له مقابل تلك الخمس سنوات “العجاف” التي قضاها رئيسا للحكومة، فضلا عن امتيازات أخرى من قبيل سيارة فارهة وحارسين من الأمن الوطني يرافقانه في تنقلاته. بل إنه صار إلى اليوم يتوهم بألا شيء يستقيم في هذه البلاد دون استشارته والأخذ برأيه.

ولشدة غروره المزمن لم يعد يكتفي بمهاجمة خصومه السياسيين وخاصة رئيس الحكومة أخنوش، بل بلغت به الجرأة حد التطاول على المؤسسة العسكرية خلال نهاية شهر ماي 2025، عندما استغل فرصة اجتماع الأمانة العامة لحزبه في توجيه انتقاداته لمشاركة فيالق من الجيش الإسرائيلي في مناورات عسكرية على الأراضي المغربية، معتبرا أن مثل هذه العمليات “لا تجوز شرعا”، ضاربا عرض الحائط بالوقار الواجب تجاه المؤسسات السيادية والسياسية والعسكرية للبلاد…

ثم إن الطامة الكبرى أنه رغم ما ظلت تثيره تصريحاته الرعناء من جدل واسع وردود فعل غاضبة، يأبى إلا أن يتمادى في غيه وعنجهيته متحديا الجميع، إذ أنه وقبل حتى أن تتراجع موجة الاستنكار والتنديد بانتقاده لنفوذ بعض مستشاري الملك وخاصة “أندري أزولاي” و”فؤاد عالي الهمة”، مستعملا عبارات مستفزة في حقهما من قبيل وصفهما ب”القنادح”، وهو ما اعتبره بعض متتبعي الشأن العام والمحللين السياسيين لغة هجينة وخارجة عن الأعراف واللياقة السياسية والدستورية الواجبة تجاه محيط المؤسسة الملكية، فإنه عاد لتجاوز كل الخطوط الحمراء وعدم احترام أبسط القواعد والأعراف العريقة، حين سمح لنفسه بأن يطلب من جلالة الملك تقديم تفسير لما عرفته مدينة سبتة المحتلة من أحداث مأساوية أواخر شهر يوليوز 2026، والتصريح بأنه مازال ينتظر الرد. فأي وقاحة أفظع من هذا الانحراف الفادح عن تقاليد الآباء والأجداد وقادة الحركة الوطنية الكبار في التواصل مع المؤسسة الملكية؟

إن ابن كيران وهو يصر على نهج مثل هذه الأساليب الرعناء وخاصة في تعامله مع ملك البلاد، الذي سبق له أن دعا جميع الأحزاب السياسية يوم الخميس 30 يوليوز 2016 في خطابه السامي بمناسبة الذكرى 17 لتربعه على عرش أسلافه الميامين، إلى التحلي بالجدية وعدم إقحام اسمه في الحملات الانتخابية، معتقدا بأنه يسلك الطريق الأنجع لاسترجاع وهج الحزب وتصدر نتائج الانتخابات المقبلة، والحال أنها لا يسلك سوى الطريق السريع نحو “المارستان”.