امين سيدي فاعل حقوقي
إن الإنسان يجد نفسه، في كل محطة انتخابية أو سياسية، أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية تفرض عليه حسن الاختيار، بعيدًا عن منطق التبعية أو الانسياق وراء الشعارات. فهو أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يكون إمعةً يساير التيار دون وعي أو قناعة، وإما أن ينحاز إلى مشروع سياسي يؤمن بالعدالة الاجتماعية، ويصون كرامة المواطن، ويناصر الفئات الهشة، ويجعل من محاربة الفساد والاستبداد أولوية لا شعارًا ظرفيًا. غير أن المفارقة التي يصعب تبريرها هي أن يُرفع شعار التغيير من خلال إعادة الثقة في سياسات وأطراف سبق لها أن تحملت مسؤولية تدبير الشأن العام، وكانت نتائج اختياراتها سببًا في تعميق الأزمات الاجتماعية والاقتصادية. فقد أفرزت سياسات لا شعبية، وضعفت خلالها الممارسة الديمقراطية، وتراجعت مؤشرات التنمية، وتفاقمت أزمة التعليم، كما تأثرت القدرة الشرائية للمواطنين وازدادت معاناة الأسر البسيطة في مواجهة غلاء المعيشة. ولا يقل خطورة عن ذلك تقديم أقنعة سياسية جديدة صُمِّمت لتؤدي الدور نفسه، فتُسوَّق بلباس التغيير وهي في حقيقتها امتداد للمنهج ذاته، أو تُرشَّح شخصيات وفق منطق الولاء والطلب، لا وفق الكفاءة والاستقلالية والقدرة على إحداث الإصلاح. فالتغيير لا يُقاس بحداثة الوجوه أو بتبديل الشعارات، وإنما بمدى استقلال القرار السياسي وصدق الإرادة في القطع مع الممارسات التي أفرزت الإخفاق. إن التغيير الحقيقي لا يصنعه تدوير الوجوه او إرتداء أقنعة بٱسم تكتلات معينة.أو إعادة إنتاج التجارب التي أثبتت محدوديتها، وإنما يتحقق عبر إرادة سياسية صادقة، وبرامج واقعية تجعل المواطن محور السياسات العمومية، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتؤسس لتنمية عادلة وشاملة، قوامها الإنصاف وتكافؤ الفرص وصون الكرامة الإنسانية. فالمستقبل لا يُبنى بالشعارات، بل بالمصداقية والالتزام، ولا يحق لمن أخفق في تدبير الأمس أن يطلب تفويضًا جديدًا دون مراجعة حقيقية ومساءلة مسؤولة أمام المواطنين، كما لا يمكن إقناع الرأي العام بأن تغيير الواجهة أو استبدال الوجوه بأقنعة جديدة يمثل تحولًا حقيقيًا، ما دامت السياسات والاختيارات والآليات التي أنتجت الفشل لا تزال قائمة. .

