كتب اسماعيل الحلوتي
كثيرة هي الأوقات التي نجد فيها أنفسنا مضطرين إلى اللجوء لبعض الأمثلة الشعبية وسواها، للاستعانة بها في تسليط الضوء على ما نود الخوض فيه من مواضيع ونسعى إلى محاولة تبليغه بكل يسر للرأي العام الوطني. وفي هذا الصدد اخترنا اليوم من بين الأمثلة الرائجة ذلك المثل المغربي الشهير، الذي يقول بوضوح تام “آش خصك ألعريان، خصني خاتم أمولاي” باعتباره أفضل مثل للتعبير عما نريد الكشف عنه هنا، لكونه مثلا يضرب للشخص الذي يفتقر إلى الكثير من الضروريات الأساسية في الحياة اليومية، غير أنه طالما يتطلع وباستمرار إلى الأشياء الثانوية التي لا تغنيه من جوع ولا تفيده في تجاوز أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية المتأزمة.
فاختيارنا للمثل السالف الذكر لم يأت هكذا من فراغ، وإنما جاء على خلفية مقطع فيديو يتم تداوله هذه الأيام بين عدد من النشطاء على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في إطار الترويج لاستعداد عدد من الطباخات والطباخين لتهييء أكبر “قصعة” أو طبق من الأكلة التقليدية المعروفة ب”الرفيسة” خلال أواخر شهر أبريل 2026 في إطار مهرجان “تراث المائدة المسفيوية”، الذي يهدف بالأساس إلى التعريف بالتراث الغذائي لمدينة آسفي وتشجيع السياحة الداخلية بهذا الإقليم، الذي مازالت فيه للأسف الشديد قلوب مئات الأسر المغربية مكلومة وعيونها لم تجف بعد من الدموع إثر فقدانها المفاجئ لبعض أفرادها أو أقاربها أو بيوتها أو محلاتها التجارية، جراء تلك السيول الجارفة التي خلفتها التساقطات المطرية الغزيرة مساء يوم الأحد 14 دجنبر 2025.
ذلك أن ساعات قليلة من تهاطل الأمطار التي شهدتها مدينة آسفي في ذلك اليوم الحزين و”المشؤوم”، كانت كافية لتتحول إلى الطرق إلى برك ومستنقعات أدت إلى محاصرة عائلات بأكملها داخل بيوتها، وبعض الحرفيين والتجار في محلاتهم، حيث اختلطت صرخات الاستغاثة بهدير المياه، في مشهد كارثي وقف فيه المواطنون مشلولين غير قادرين على مواجهة تلك الفاجعة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، مما جعل السيول الطوفانية تربك حركة السير وتغرق عدد كبير من البيوت والمدارس والدكاكين، وتخلف حوالي أربعين وفاة وعشرات المصابين بجروح متفاوتة الخطورة، علاوة على أنها كشفت عن هشاشة البنية التحتية واستشراء الغش، وإلا ما كانت شبكات تصريف مياه الأمطار اتعجز عن استيعاب الكميات الكبيرة المتدفقة، حتى أن هناك أصوات طالبت بإعلان مدينة آسفي منطقة منكوبة…
وبصرف النظر عما خلفته تلك السيول الجارفة من أضرار بليغة وخسائر فادحة، إذ إنها تعتبر من بين أشد الفيضانات التي عرفتها المملكة خلال العقد الأخير، لاسيما بعد أن وجد مئات المواطنين أنفسهم فجأة بلا مأوى وبلا مصدر عيش. وفي الوقت الذي أصبحت فيه ألاف الأسر المغربية بمختلف جهات البلاد تشكو من موجة غلاء الأسعار المتصاعدة في السنوات الأخيرة وتدهور قدرتها الشرائية، بسبب الارتفاع القياسي وغير المسبوق لأسعار المحروقات وباقي المواد الأساسية من خضر وفواكه وأسماك وزيوت ولحوم وغيرها، معلنة عن تخوفها الكبير من أن تعرف أسعار أضاحي العيد الذي لم تعد تفصلنا عنه عدا أسابيع معدودة، بدورها ارتفاعا مهولا.
فإذا بإحدى نساء المنطقة المعروفة باسم “الشيف نادية العبدية”، تكشف لنا في شريط فيديو أمام جمهور غفير من المواطنين وبحضور ممثلين من “اليونيسكو” عن الحدث الاستثنائي الذي ستشهده بلادنا بمدينة أسفي، وتفكر في إدراجه ضمن قائمة “غينيس” للأرقام القياسية، وهي أشهر موسوعة في العالم لتوثيق الأرقام الخارقة والإنجازات الغريبة، ويتعلق الأمر هنا ب”أكبر قصرية الرفيسة” لفائدة أكثر من 2000 شخص، بقطر يبلغ أربعة أمتار و25 سنتمتر، ويقتضي إعدادها توفير مقدار طن من ” المسمن” وحوالي مائتي دجاجة بلدية و50 كيلو غرام عدس و15 كيلو غرام حلبة وكيلو غرامات أخرى من البصل الأحمر. وهي تعرب عن اعتزازها بكونها صاحبة هذه الفكرة التي ستحرص على إخراجها إلى حيز التنفيذ لأول مرة في العالم، وقد اختير لها من الأمكنة الاستراتيجية أن تكون ما بين المسبح البلدي ودار الثقافة والفنون، حيث سيجتمع عدد من المشاركين والضيوف من مختلف البلدان عبر العالم.
صحيح أن مدينة آسفي تعتبر من أشهر معاقل أكلة “الرفيسة” التقليدية، وتريد الانخراط في هذه المنافسة على لقب “عاصمة الرفيسة” بتسجيل رقم وطني، مادام ليس هناك إلى الآن أي رقم رسمي مدون في سجل “غينيس”. وهي طبق من أشهى وألذ الأطباق المغربية التي تحضر في عدة مناسبات وخاصة خلال العقيقة، حتى أن بعض النساء حديثي الإنجاب يطلقن عليها “وجبة الشفاء”، لأنها تمنحهن الطاقة اللازمة، ف”الحلبة” مثلا تحفز على إدرار الحليب للأم النفساء و”المساخن” تعطي حرارة للجسم أيام البرد، وباقي التوابل الأخرى تقوي المناعة لدى من يتناولها…
بيد أن ما ليس صحيحا هو أن الإعلان عن هذا الحدث جاء في سياق ظروف دقيقة وصعبة، من حيث ارتفاع أسعار الكثير من المواد الأساسية وتدني القدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والمتوسطة على حد سواء، مما أدى إلى استفزاز مشاعر المواطنين والشعور بحالة من الامتعاض، لأن ما يحتاجون إليه أكبر بكثير من “قصرية الرفيسة”، فهم أحوج ما يكونون إلى ضمان العيش الكريم، تحقيق العدالة الاجتماعية، خلق فرص شغل ملائمة للشباب العاطل، فك العزلة عن المناطق النائية، الحد من مظاهر التهميش والإقصاء ومكافحة مختلف أشكال الريع والفساد…

