عبد الله مشنون كاتب صحفي ومتابع للشأن السياسي مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
ليست الكتابة عن الدكتور أحمد الريسوني مجرد استعادة روتينية لمسار عالم من علماء الشريعة بل هي محاولة واعية لفهم تجربة فكرية معقدة أثارت اهتماماً واسعاً في الحقل الإسلامي المعاصر. تكمن أهمية هذه التجربة في كونها تجمع بين الصرامة الأكاديمية، والتأثير الدعوي، والمواقف السياسية الجريئة وهو مزيج أفرز نقاشاً ممتداً داخل الأوساط العلمية والإعلامية، ووضع الفقيه في مواجهة مباشرة مع أسئلة الواقع وتحولاته. لقد بدأ هذا المسار حين وُلد الفقيه العلامة أحمد بن عبد السلام الريسوني سنة 1953 بالمغرب، في بيئة مطبوعة بالنشاط العلمي، حيث تلقى تكوينه الأول في محاضن التعليم التقليدي بجامعة القرويين بفاس، قبل أن ينتقل إلى الرباط لتعميق دراساته في جامعة محمد الخامس، وينال دكتوراه الدولة في أصول الفقه سنة 1992. هذا التكوين المزدوج منح الريسوني لسانين: لسان التأصيل التراثي الذي يستبطن روح المدونة الفقهية القديمة، ولسان البحث الأكاديمي الذي يمتلك آليات النقد والمقارنة. ولم يتوقف عطاؤه عند التدريس، بل امتد ليشمل الإشراف على أكثر من مئة أطروحة جامعية، وتولي مهام دولية وازنة كخبير أول في مجمع الفقه الإسلامي بجدة، وإدارته لمشروع معلمة زايد للقواعد الفقهية وهو مشروع موسوعي ضخم استهدف إعادة ترتيب العقل الفقهي وتنظيم قواعده. ومن هذا الأساس الأكاديمي المتين، برز العلامة احمد الريسوني كأحد أهم الوجوه التي أعادت الروح لعلم المقاصد في العصر الحديث، متميزاً بسعي حثيث لبيئة هذا العلم وجعله أداة للتحرر والكرامة بدلاً من بقائه حبيس المتون المغلقة. ففي رؤيته، الشريعة ليست نصوصاً صماء، بل هي منظومة مقاصدية تهدف لتكريم الإنسان. ومع ذلك، يظل هذا الإسهام موضوعاً لقراءات متباينة؛ فبينما يرى فيه أنصاره امتداداً تجديدياً لمدرسة الشاطبي وابن عاشور، يطرح نقاد في الساحة الفقهية تساؤلات حول حدود التوسع المقاصدي ومدى انضباطه المنهجي في مواجهة القضايا المعاصرة المركبة، التي قد يطغى فيها التقدير المصلحي على النصي. هذه الجدلية الفكرية لم تكن بعيدة عن تجربتي الشخصية ومجالستي للدكتور احمد الريسوني خلال فترة عمله في قطر، حيث نلتُ شرف إجراء سلسلة حوارات مطولة معه نُشرت عبر منصة إيطاليا تلغراف هذه اللقاءات لم تكن مجرد أسئلة وأجوبة بل كانت فرصة لاستكشاف مختبره الفكري عن قرب؛ إذ لمستُ فيه انفتاحاً لافتاً على النقاش، وقدرة على تفكيك القضايا ببرود منهجي يحاول دائماً رد الفرع إلى أصله المقاصدي. ورغم أن هذه الشهادة ذات طابع شخصي، إلا أنها تعكس جانباً من شخصية الفقيه الذي لا يتحصن خلف هيبته العلمية، بل يشرع أبوابه للنقد والمطارحة. وعلى ذات النسق من الوضوح، لم يرضَ العلامة احمد الريسوني بالبقاء في برج عاجي أكاديمي، بل اقتحم الفضاء العام بمواقف اتسمت بالصراحة، خاصة في القضايا العابرة للحدود. ففي القضية الفلسطينية، ظل صوته ثابتاً في اعتبار المقاومة مقصد المقاصد ورفض التطبيع كخيار يمس جوهر الوجود الإسلامي. وفي سياق آخر، دافع بقوة عن الوحدة الترابية للمغرب انطلاقاً من رؤية فقهية تاريخية، بينما سجل مواقف استراتيجية لافتة برفضه التهديدات التي تستهدف دولاً إسلامية كإيران، داعياً إلى تغليب فقه الوحدة على الاستقطاب الطائفي والسياسي. إن هذه المواقف وضعت الشيخ احمد الريسوني في قلب العاصفة فبينما رأى فيها الكثيرون تجسيداً لاستقلالية العالم، اعتبرها آخرون خوضاً في مناطق شائكة تداخل فيها الفقه بالتقدير السياسي الذي قد يصيب ويخطئ. ومهما اختلفنا معه في زاوية فقهية أو تقدير سياسي، فإن هذا الاختلاف يظل في إطار إثراء المشهد الفكري لا إقصائه؛ فالشيخ الريسوني يمتلك شجاعة طرح الاجتهاد للنقاش العام، مما يفتح الباب لمراجعات ضرورية في علاقة الفقيه بالواقع. ولعل استقالته من رئاسة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين سنة 2022 كانت اللحظة الأكثر تجسيداً لهذه الجدلية إذ فُسرت كإصرار منه على الاحتفاظ بحرية القول بعيداً عن مقتضيات التحفظ المؤسسي والدبلوماسي، وهو موقف حظي بتقدير كبير في الأوساط العلمية، لا سيما بالنظر إلى الشهادات الوازنة التي حظي بها، وعلى رأسها شهادة العلامة الراحل يوسف القرضاوي رحمه الله، الذي رأى فيه حاملاً لميراث النبوة ومجدداً لعمل أئمة المقاصد الكبار. وفي الختام، يمثل الدكتور أحمد الريسوني نموذجاً للعالم الذي اختار المسار الأصعب؛ مسار المزاوجة بين البحث الأصولي الدقيق والحضور الميداني المؤثر. إن فهم تجربته يقتضي منا تجاوز الانقسام التقليدي بين التمجيد المطلق أو الرفض القاطع والذهاب نحو قراءة نقدية متوازنة تُنصف إسهاماته العلمية، وتناقش مواقفه السياسية في سياقها البشري والاجتهادي. يبقى العلامة احمد الريسوني، بصدقه مع نفسه وأمانته تجاه قناعاته، صوتاً لا يمكن تجاهله في مسيرة البحث عن نهضة إسلامية تنطلق من المقاصد لتصل إلى الإنسان.

