كتب اسماعيل الحلوتي
لا يمكن لأي كان من المواطنين المغاربة وخاصة متتبعي الشأن العام ببلادنا أن ينكر بأن الانتخابات التشريعية التي جرت يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، كانت هي الأكثر إثارة للجدل مقارنة مع سابقاتها، ولم ترق إلى مستوى طموحات الجماهير الشعبية، بدءا بضعف نسبة المشاركة التي بلغت 38,02 في المائة على الصعيد الوطني، مرورا بتأخر الإعلان عن النتائج وصولا إلى ما رافق هذه الاستحقاقات من اختلالات وتجاوزات، بما في ذلك شراء الذمم والأصوات واستعمال الرموز والمضامين الدينية خلال الحملة الانتخابية وفي يوم الاقتراع…
لكن هذا يفرض علينا الامتثال لقواعد الديمقراطية والقبول بالنتائج النهائية، ولا يمنع من أن يتوسم المغاربة مثلهم مثل باقي الشعوب في العالم، أن تأتي أي حكومة جديدة متماسكة ومتجانسة، وتكون قوية وقادرة على الوفاء بوعودها الانتخابية وترجمة برنامجها إلى حقائق ملموسة على أرض الواقع، من خلال الاستجابة لانتظارات الشعب وتحقيق آماله وتطلعاته، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة، إذ أن عامل الانسجام والتماسك بين مكونات الائتلاف الحكومي، هو الضامن الأكبر لسرعة اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع التنموية.
فما يصعب على الكثيرين استساغته هو إصرار بعض الجهات وفي مقدمتها الأمين العام لحزب “العدالة والتنمية” ورئيس الحكومة الأسبق عبد الإله ابن كيران على محاولة إجهاض أحلام المغاربة، من خلال توعده بإسقاط حكومة حزب “الأصالة والمعاصر” قبل حتى أن تحظى منسقة قيادته الجماعية فاطمة الزهراء المنصوري بشرف تعيينها رئيسة لها وفق الفصل 47 من الدستور، علما أن حزبه احتل المرتبة الرابعة بحصوله على “54” مقعدا فقط، خلف كل من حزب الاستقلال في المرتبة الثالثة ب”65″ مقعدا، وحزب “التجمع الوطني للأحرار” في المرتبة الثانية ب”66″ مقعدا؟
إذ على العكس من الحزبين الثاني والثالث اللذين سارع قائداهما إلى تهنئة حزب “الجرار” على تصدره نتائج تشريعيات 2026، حيث أقر محمد شوكي خلال ندوة صحفية بمقر الحزب مساء يوم الخميس 24 شتنبر 2026 بتراجع نتائج حزبه مقارنة باستحقاقات 2021 التي منحته الصدارة ب”102″ مقعد، مستهلا كلمته بتهنئة الحزب المتصدر ومتمنيا لقيادته ومناضليه التوفيق في تحمل المسؤولية، وهو ما قام به حزب الاستقلال عبر البلاغ الصادر عن اللجنة التنفيذية عقب اجتماع يوم الاثنين 28 شتنبر 2026 برئاسة الأمين العام نزار بركة، التي “تهنئ قيادة حزب الأصالة والمعاصرة على تصدره المشهد الانتخابي” وتتطلع إلى أن تكون المرحلة المقبلة “مرحلة مفصلية” في بناء مؤسسات قوية قادرة على مواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية…
فإن الأمين العام لحزب “العدالة والتنمية” عبد الإله ابن كيران أبى إلا أن يسير عكس التيار كما هو ديدنه في جميع المناسبات، ويتمادى في غروره ليس فقط بالإعلان عن تموقعه في المعارضة منذ اليوم الأول والادعاء أن حزبه هو الأحق بالمرتبة الأولى، بل كذلك باعتبار الحكومة التي لم تتشكل بعد “حكومة فاسدة ومفسدة”، لا لشيء سوى أن من سيقودها هو حزب “الجرار”، مما يفرض عليه في إطار تصفية الحسابات ورد الدين، العمل على إسقاطها في أقرب الآجال، مشددا على أن المعارضة لا تكون ذات جدوى ما لم تستطع تغيير موازين المشهد السياسي، مضيفا بأن حزبه يطمح إلى تصدر المشهد السياسي والانتخابي والحكومي ثانية.
ترى هل من الحكمة والرصانة أن يتوعد من كان بالأمس القريب رئيسا للحكومة ويتولى شؤون حزب كبير ذي مرجعية إسلامية، قاد الحكومة لولايتين متتاليتين، بإسقاط حكومة مازالت ملامحها غامضة ولم تتضح بعد، اللهم إلا إذا كانت له قدرة خارقة على “استكشاف الغيب”، من حيث العلم بصفة رئيسها ومكوناتها وبرنامجها وطبيعة وزرائها…؟ لقد كان حريا به بدل هذا الاستعجال غير المبرر، انتظار تعيين رئيس الحكومة الجديدة من قبل جلالة الملك محمد السادس والإعلان عن تشكيلتها، إذاك يمكن له رفقة أحزاب المعارضة تتبع طريقة تدبيرها للشأن العام والكشف عن اختلالاتها ونقائصها، ومن ثم يمكن اللجوء إلى ملتمس الرقابة وفق ما ينص عليه الفصل 105 من الدستور، إذا ما توفرت شروط تفعيله…
فالفصل 105 من دستور 2011 ينص على أنه “لمجلس النواب أن يعارض في مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها، بالتصويت على ملتمس الرقابة، الذي يودع لدى رئيس مجلس النواب في شكل مذكرة مفصلة، يسلمها له أحد الموقعين على الملتمس مرفقة بقائمة أصحابه وتوقيعاتهم، والفرق والمجموعات النيابية التي ينتمون إليها. ولا يقبل هذا الملتمس إلا إذا وقعه على الأقل خمس الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، كما لا تصح الموافقة عليه من قبل مجلس النواب إلا بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم. ولا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداع الملتمس، وتؤدي الموافقة على ملتمس الرقابة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية…
ما من شك في أن ابن كيران استطاع أن يعيد حزبه إلى الواجهة وينتقل به من المرتبة الثامنة ب”13″ مقعدا فقط في انتخابات 2021 إلى المرتبة الرابعة ب”54” مقعدا في انتخابات 2026، مستعينا في ذلك بخطابه الشعبوي واستغلال الدين في مهرجاناته الخطابية، غير أن ذلك لا يشفع له بتجاوز الحدود إلى الحد الذي بات يعتقد فيه ألا حزب يعلو على حزبه ولا أمين عام أحق برئاسة الحكومة غيره.

