بواسطة اسماعيل الحلوتي
أكاد أشك أحيانا كثيرة فيما إذا كان المجتمع المغربي مجتمعا محافظا فعلا، من حيث حرص أفراده على احترام التقاليد والقيم الأخلاقية، والالتزام بتعاليم الدين الإسلامي في حياتهم اليومية، بناء على ما بتنا نشهده من انتشار واسع لبعض الأفعال المنافية للقانون والمنهي عنها شرعا، من قبيل الغش في المعاملات، النصب والاحتيال، الرشوة، الكسب غير المشروع، خيانة الأمانة وممارسة الفاحشة عبر العلاقات الجنسية غير الشرعية…
ففي هذا السياق تلقينا باستغراب شديد مع نهاية شهر غشت 2025 خبرا صادما ومستفزا، حول تبرئة المحكمة الابتدائية بمدينة تنغير رجل سبعيني وزوجة ابنه المقيم بالخارج، من التهمة الموجهة إليهما بخصوص “الخيانة الزوجية وزنا المحارم”، رغم اعترام المتهمين بشكل واضح وصريح بالمنسوب إليهما في جميع المراحل وأمام أجهزة العدالة، مما خلف صدمة قوية ليس فقط لزوجة الشيخ المتهم وابتهما، اللتين ظهرتا في مقطع فيديو تم تداوله على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهما تذرفان الدموع وتصرخان بقوة طلبا للإنصاف، بل حتى للساكنة بالمنطقة والرأي العام الوطني.
وتعود الواقعة إلى شكاية تقدمت بها زوجة “الشيخ” المتهم بالخيانة الزوجية وزنا المحارم، حيث استمعت عناصر الدرك الملكي له ولزوجة ابنه، فاعترفا بالمنسوب إليهما بلا تردد، ليتم وضعهما تحت تدابير الحراسة النظرية وفق تعليمات النيابة العامة، إلى حين إحالتهما على المحكمة. وخلال جلسة المحاكمة كرر المتهمان اعترافهما، ما دفع بوكيل الملك إلى الأمر بمتابعتهما في حالة اعتقال. لكن المفاجئ والمثير للاستغراب، هو أن المحكمة أصدرت قرارا يقضي ببراءتهما، مما أدى إلى إثارة حفيظة الزوجة وابنها المقيم بالخارج، اللذين رفضا تقديم أي تنازل، في حين قررت النيابة العامة استئناف الحكم الابتدائي، داعية إلى المزيد من التدقيق القضائي.
وهو الحكم الذي ما لم يستطع أحد من المواطنات والمواطنين استيعابه أو استساغته، ولاسيما أن الملف يعتبر من بين أخطر وأثقل الملفات التي تعرض على أنظار محاكم بلادنا، غير أن هناك فئة من نساء ورجال القانون يرون أنه بناء على قانون المسطرة الجنائية لا يعتبر القضاء المغربي اعتراف المتهمين أمام الضابطة القضائية دليلا كاف لإدانتهما، ما لم يتم تعزيزه بقرائن مادية أو أدلة أخرى. فالمحكمة ترى أن تصريحات المتهمين المتكررة غير كافية، مادامت هناك إمكانية التراجع عنها أو الطعن فيها بوجود ضغوط أو مؤثرات. إذ يشترط القانون المغربي في ملفات الجرائم الأخلاقية كالزنا وزنا المحارم، شروطا صارمة للإدانة، أو خبرة طبية قاطعة، أو اعترافا قضائيا لا لبس فيه، ومادامت الأفعال المعترف بارتكابها وصفت ب”علاقة جنسية سطحية”، فإنه لا يمكن الاعتداد بذلك للتكييف القانوني ك”زنا المحارم” حسب اجتهاد المحكمة.
وفي ذات السياق يشار أيضا إلى أن المحكمة اعتمدت في إصدار حكمها بالبراءة أحد المبادئ الأساسية في القانون، وهو أن الشك يفسر دائما لفائدة المتهم، وبما أن الإدانة الجنائية تنبني على اليقين وليس على الشك، فقد تبين لها أن الملف لا يتضمن أدلة قطعية تسمح بإدانة المتهمين الاثنين. بيد أنه ورغم حكم المحكمة بالبراءة، فإن النيابة العامة لم تتأخر في استئنافه، وهو ما يعني بأن الملف مازال مفتوحا وأنه سيعاد فيه النظر مرة أخرى أمام محكمة الاستئناف، وإذاك سيكون القرار نهائيا، إما بتأكيد حكم البراءة، أو اللجوء إلى الإدانة…
فالمشرع المغربي يجرم الزنا ويميز بين حالاته سواء عندما تكون العلاقة الجنسية إرادية بين طرفين غير متزوجين وتعتبر فسادا، أو بالغصب ويعد اغتصابا، أو حين يكون أحد الطرفين أو كلاهما متزوجا وتعتبر خيانة زوجية، وهناك جريمة هتك عرض قاصر بالعنف أو بغيره، لكنه لم ينص على جريمة ما يسمى “زنا المحارم”، وإنما أدرجها ضمن الجرائم التي تخضع لظروف التشديد.
وفيما يتعلق بالخيانة الزوجية، نجد أن الفصل 491 من القانون الجنائي المغربي يحدد الأسس القانونية للجريمة وهي: الركن المادي والركن المعنوي، إذ يتطلب الأمر وجود علاقة جنسية فعلية بين الطرفين، يتم إثباتها إما عن طريق اعتراف المتهم أم من خلال محضر تلبسي. وبخصوص الركن المعنوي، فإن القصد الجنائي يتحقق إذا توفرت نية ارتكاب الفعل مع إدراك الفاعل للرابطة الزوجية، ولا يمكن الدفع بانتفاء القصد إذا كان المتهم يعلم أنه متزوج أو أن الطرف الآخر يرتبط بعلاقة زوجية
إن القضية التي شهدتها المحكمة الابتدائية بإقليم تنغير ليست سوى نموذجا من القضايا التي ما انفكت تثير استفزاز واشمئزاز المغاربة بمختلف محاكم جهات المملكة، مما دفع بالكثير من النشطاء الجمعويين والحقوقيين إلى تنظيم حملات رقمية واسعة في عدة مناسبات، للمطالبة بتشديد الإجراءات القانونية، وخاصة في الجرائم المرتبطة بالاغتصاب وزنا المحارم، حفاظا على قيم المجتمع واستقرار الأسرة المغربية، لأنه لم يعد من الممكن القبول بتنامي مثل هذه القضايا المقلقة والمؤرقة، التي طالما تبين أن من بين أبرز الأسباب التي تؤدي إلى هكذا سلوكات شاذة ومنحرفة، هناك انعدام الوازع الديني، وما يعاني منه الجناة من اضطرابات نفسية، تحول دون قدرتهم على التحكم في غرائزهم الجنسية…
من هنا بات ضروريا العمل على غرس القيم الدينية في نفوس أطفال المدارس وتكريس مفهوم التربية الجنسية لديهم، تبسيط مسطرة التبليغ عن الجرائم الأخلاقية، والحرص على القيام بحملات التحسيس والتوعية بخطورة مثل هذه الأفعال عبر مختلف وسائل الإعلام…

