بقلم اسماعيل الحلوتي
بمرارة يتساءل الكثيرون كيف يعاد انتخاب عبد الإله ابن كيران أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية، والاستمرار في مهاجمة خصومه السياسيين وكل من يخالفه الرأي والتقليل من شأن بعض المؤسسات الوطنية بما فيها الأمنية، بعد أن أعفاه جلالة الملك محمد السادس في 15 مارس 2017 من تشكيل حكومته الثانية وتعيين سعد الدين العثماني خلفا له، لاسيما أنه استفاد دون موجب حق من معاش استثنائي بقيمة 70 ألف درهم شهريا من أموال الشعب، وامتيازات أخرى: سيارة فارهة وحراسة شخصية من قبل رجلي أمن تابعين للإدارة العامة للأمن الوطني…؟
إذ رغم ما أثارته استفادته من ذلك المعاش وتلك الامتيازات في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، من جدل سياسي وإعلامي، بسبب مواقفه السابقة من معاشات الوزراء والامتيازات الريعية، وما ترتب عن ذلك من غضب شعبي، خاصة في أوساط الشباب المعطلين من ذوي الشهادات العليا، فإنه مازال مصرا على التمادي في خرجاته الإعلامية الرعناء واستفزازاته للمشاعر التي لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد، حيث لا يدع حدثا يمر دون حشر أنفه فيه. والأفظع من ذلك أنه مازال طامعا في العودة إلى رئاسة الحكومة، ناسيا ما عاشه المغاربة من قهر وظلم وجور في عهد حكومته “المشؤومة”، التي تعتبر من أسوأ الحكومات المتعاقبة على إدارة الشأن العام في تاريخ المغرب.
فهل يحق لمن قال يوما في بلاغ للأمانة العامة لحزبه بأن زلزال منطقة الحوز في 8 شتنبر 2023 الذي راح ضحيته الكثيرون رجالا ونساء وأطفالا، وتسبب في تدمير البيوت والمدارس والمساجد وسواها، سببه كثرة المعاصي والمخالفات بالمعنى السياسي، لعدم تصويت الساكنة على حزبه في انتخابات شتنبر 2021. ويسمح لنفسه بوصف عدد من المغاربة وخصومه السياسيين ب”الحمير” و”الميكروبات” في خارج أدبيات الخطاب السياسي المسؤول، أن يعود لاستجداء أصواتهم الانتخابية في المحطة الانتخابية القادمة بتاريخ 23 شتنبر 2026؟
إذ لم يقف صاحب المصباح المنطفئ عند حدود مغازلة الشارع ومحاولة إغرائه بإلغاء الساعة الإضافية، وحذف شرط 30 سنة لاجتياز مباريات الولوج إلى أسلاك التعليم، بل تعداه إلى ما هو أكثر غرابة حين أبى إلا أن يثير الجدل بتصريحه بغتة ولأول مرة حول نسبه العائلي “الشريف”، خلال مهرجان خطابي في جماعة “سبت كزولة” بإقليم آسفي أواخر شهر أبريل 2026، مؤكدا اعتزازه وافتخاره بجذوره عندما ذكر أن نسبه من جهة والدته المسماة “مفتاحة” يعود إلى الصحابي الجليل “سعد بن عبادة”، الذي كان واحدا من بين أبرز المتنافسين على خلافة الرسول الكريم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، قبل أن يتخلى عنها لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وينصرف إلى حال سبيله…
ولأنه جبل على إثارة الجدل أينما حل وارتحل، مما جعل الكثيرين يشككون في سلامته العقلية، فإنه وفي خضم استعدادات المديرية العامة للأمن الوطني لتخليد الذكرى 70 لتأسيسها في (16 ماي 1956)، وهو الحدث المفصلي الذي لا يمكن المرور عليه دون وقفة تأمل عميقة، وتنظيم احتفالات بهيجة تليق بالذكرى الغالية، وتعكس مسار التحديث والعصرنة الذي عرفه الجهاز الأمني خلال العقود الفارطة، عاد ابن كيران لاستغلال احتفالات الشغيلة بالعيد الأممي لهذه السنة “فاتح ماي 2026” في خلق الحدث، وذلك من خلال الكلمة التي ألقاها أمام عدد قليل من الحاضرين بمناسبة الحفل الذي نظمه الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، الذراع النقابي لحزب العدالة والتنمية.
حيث أنه لم يكتف فقط بمهاجمة الحكومة ورئيسها عزيز أخنوش بنبرة تصعيدية، ولا بتوجيه انتقادات لبعض المركزيات النقابية، متهما إياها بالتخلي عن دورها النضالي، ومدعيا أن حزبه كان ضحية “مؤامرة” إحداها خلال الانتخابات السابقة في شتنبر 2021 مما أدى إلى تقهقره من الرتبة الأولى إلى الثامنة…
بل إنه وخلافا لما تحظى به المؤسسة الأمنية ببلادنا من احترام وتقدير واسعين، لكونها باتت تشكل نموذجا إقليميا ودوليا يحتذى به في حفظ الأمن والاستقرار، وما تتميز به من فعالية واحترافية، ومقاربة استباقية في مواجهة التحديات الأمنية المعقدة، لدرجة أنها أصبحت شريكا أمنيا موثوقا وركيزة أساسية في التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. لاسيما أن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المغربية أثبتت كفاءة عالية في تفكيك عديد الخلايا الإرهابية، مما ساهم في حماية المغرب وعدد من البلدان الأوروبية والإفريقية من تهديدات خطيرة…
وفضلا عما يحظى به عبد اللطيف الحموشي المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، من تقدير واحترام كبيرين وتوشيحات رفيعة المستوى محليا ودوليا، اعترافا بجهوده المضنية في تعزيز الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، فإن ابن كيران لم يتورع في التشكيك يشكك في قدرات الأجهزة الأمنية، حيث صرح في ذات المهرجان الخطابي بالقول “إنه لولا وجود حركة حماس والرجال الذين درسوهم القرآن والدين والجهاد في غزة لتحولت إلى ماخور للأمريكيين والأوروبيين وغيرهم، وأن بلادنا هي الأخرى أصبحت في أمس الحاجة إلى مثل هؤلاء الرجال لحمايتها من الأخطار المحدقة بها”
إن تصريحات ابن كيران في الأيام الأخيرة تستدعي عزله والعناية بصحته العقلية، حفاظا على سلامة المجتمع المغربي من أي عدوى ممكنة، وعلى ما تبقى من قياديي حزبه اتخاذ العبرة من نتائج الانتخابات الجزئية ليوم 5 ماي 2026 التي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن الرجل انتهى إلى غير رجعة.

