Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

الكاتب الصحفي ذ/ عزيز لعويسي يكتب …الدخول المدرسي .. العودة إلى الفار

بقلم: ذ/ عزيز لعويسي

دخول مدرسي جديد اختارت له الوصية على القطاع شعار ” من أجل مدرسة  ذات جودة للجميع “، يأتي من حيث السياق العام، تزامنا والاستحقاقات الانتخابية، التي ستحمل حكومة جديدة ووزير جديد للتربية الوطنية والتعليم الأولي، سيتحمل أثقال قطاع استراتيجي، لم يسلم منذ الاستقلال، من نعرات الجدل والاحتجاج والاحتقان،  ولم ينج من وصفات إصلاحية فاقدة للبوصلة، لم تكرس إلا الرتابة والضعف والهوان، وبات اليوم في حاجة ماسة، إلى ثورة إصلاحية حقيقية، تطال المناهج والبرامج والطرائق والوسائل ومناخ العمل، تراعي العمق الاستراتيجي للتعليم، بعيدا عن المصالح والحسابات السياسوية الضيقة، وتؤسس لمدرسة وطنية عادلة ومنصفة ومحفزة ومنفتحة على روح العصر، بانية للقيم وصانعة للأمل، ومساهمة فيما يواجه المغرب الصاعد، من رهانات تنموية واجتماعية واقتصادية، وتحديات ترابية وجيواستراتيجية.

 

ومن حيث السياق الخاص، يأتي هذا الدخول المدرسي الجديد في لحظة مفصلية، يعيش فيها نساء ورجـــال التعليم حالة من اليأس وانسداد الأفق، في ظل عدم وفاء الوزارة الوصية على القطاع، بتنفيذ وتنزيل عدد من الالتزامات والتعهدات ذات الصلة بالحوار الاجتماعي القطاعي، على بعد خطوات من نهاية الزمن الحكومي، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، ما يتعلق بتنزيل الاتفاق المرتبط بمراجعة وتخفيض ساعات العمل، في ضوء ما  نص عليه النظام الأساسي الجديد لموظفي الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية، وفي هذا الإطار، فاللجنة الدائمة لتحديد وملاءمة المناهج والبرامج المحدثة تفعيلا لمقتضيات القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، مطالبة -علاوة على أدوارها ومسؤولياتها في بلورة نموذج بيداغوجي جديد يتأسس على مناهج وبرامج عصرية-  بأن تستعجل تقديم رأيها، بشأن مطلب التخفيض من ساعات العمل، الذي تصدر قائمة مطالب  نساء ورجال التعليم طيلة أسابيع من الحراك،  ليس فقط، استجابة لمطلب مشروع، بل ومراعاة لخصوصيات مهنة التدريس مقارنة مع مهن أخرى، وحرصا على الصحة الجسدية والنفسية والعقلية للأساتذة، في بيئات مدرسية  باتت مطبوعة بالاكتظاظ والضغط النفسي، وموسومة بتنامي السلوكات اللامدنية في أوساط شرائح واسعة من التلاميذ، وتحريرا لهم من مناهج وبرامج دراسية غارقة في أوحال الكم، لا أثر لها، إلا الإرهاق والرتابة والنفور، والتعطيل العمدي لروح الخلق والإبداع والابتكار.

 

وفي هذا الصدد، فقد سبق للوزارة الوصية على القطاع أن تعهدت، بأن تفرج اللجنة المذكورة عن رأيها بشأن مقتضى التخفيض من ساعات العمل، في هذا الدخول المدرسي، وهو ما لم يتحقق على أرض الواقع إلى حدود الساعة، مما يطرح ليس فقط، الكثير من الأسئلة المشروعة حول هذه اللجنة التي تحيط بها حالة غير مبررة من السرية والكتمان، بل ويقيس مدى جدية ومصداقية والتزام صناع القرار التربوي، ويكرس حالة من اليأس والإحباط وفقدان الثقة في أوساط نساء ورجال التعليم، وهذا لا يخدم البتة، ما يتم الترويج له من إصلاح وجودة وريادة.

 

علاوة على ذلك، يأتي هذا الدخول المدرسي في ظل تداعيات أحداث سبتة المحتلة التي تقاطعت فيها الأوراق السياسية والقانونية والاجتماعية والسيادية والجيوسياسية والإنسانية، ودون النبش في حفريات هذه التداعيات والتقاطعات، فالحقيقة الصامتة التي قلما حظيت بالمتابعة والاهتمام والتحليل، أن شرائح واسعة ممن شاركوا في عملية الهروب الكبير نحو الثغر المحتل، هم أطفال ومراهقون وشباب معظمهم لازال في طور التمدرس والتحصيل، بعضهم الآخر من ضحايا الهدر المدرسي والجامعي، وبعضهم الثالث يعيش في ظل البطالة والتهميش والإقصاء، وجميع هؤلاء، تقاسموا حلم الفــرار من الوطن، بحثا عما يعتقدونه في الضفة الأخــرى، من حرية وعدالة وقانون وحقوق وكرامة ومستقبل، وقد طلق هؤلاء الوطن طلاقا لا رجعة فيه بمجرد أن وطأت أقدامهم المدينة السليبة، بعضهم رفع شارات النصر أمام عدسات الكاميرا، وبعضهم لم يتردد في الهتاف باسم إسبانيا، والبعض الآخر وصل حد طلب اللجوء، ودرجة الصبر على ما يشبه “حياة الماعز” في هوامش سبتة، أملا في معانقة “الحلم” الأوربي، وهي ذات المشاعر والأحاسيس والأحلام المزيفة التي باتت اليوم، تسكن ليس فقط الجيل الصاعد من الأطفال والشباب، بل فئات واسعة من المجتمع، لم يعد لها أحلام بين أحضان الوطن، إلا حلم الهروب والفــــرار، حتى لو كان ذلك مرادفا للمخاطرة والمجازفة والموت والهـــلاك.

 

أحداث سبتة السليبة، بقدر ما ساءلت وتسائل السياسات العامة والعمومية في شقها الاجتماعي والاقتصادي والتربوي والثقافي، بقدر  ما كشفت تواضع مؤسسات التنشئة الاجتماعية بدءا من الأسرة التي تراجعت أدوارها  التربوية لاعتبارات مختلفة، وانتهاء بالمدرسة التي تكتفي اليوم بتدبير ما بات ينخر جسد المجتمع من أعطاب تربوية وقيمية وأخلاقية، وهي تجر خلفها إرثا ثقيلا من المناهج والبرامج الدراسية بلغت من العمر عثيا، ولم تعد البتة، قادرة على غرس قيم التربية الوطنية والدينية، ولا على ضمان الحق في تعليم عصري يليق بمتطلبات العصر، راعيا للقيم والثوابت الوطنية والدينية، وصانعا للأمل وحاضنا لمشاريع الأحلام …

 

مدرسة اليوم لم تعد “حلوة” كما عهدناها وعشناها خلال عقود خلت، وباتت فضاءات فاقدة لشروط الاستقطاب والجذب والتأثير، وأمكنة بلا روح، تحضر فيها طقوس الرتابة والملل والنمطية والإرهاق والمشقة واليأس، يتعايش فيها جيل صاعد من الأطفال والشباب، بات يتقاسم الكثير منهم، ثقافة انعدام المسؤولية وضعف الجاهزية والاستعداد، وحلم الفرار والهروب، بحثا عن أحلام مشروعة لم تجد داخل الوطن من يؤمن بها ويرعاها حق الرعاية ويمنحها فرصا للحياة…

 

الحكومة الجديدة والوزارة الوصية على القطاع تحديدا، مطالبة أولا، بالتنزيل الفعلي لما بقي معلقا من التعهدات والالتزامات ذات الصلة بمقتضيات النظام الأساسي الجديد وما ترتب عن الحوار الاجتماعي القطاعي من مخرجات، من أجل بيئة عمل آمنة ومستقرة، من شأنها احتضان مشاريع الإصلاح ورعايتها وضمان نجاحها، ومطالبة ثانيا بمد جسور الحوار والتشارك مع الفرقاء الاجتماعيين، بما يدفع في اتجاه إعادة الاعتبار لمهنة المدرس، على مستوى الأجور والتعويضات والتحفيزات ومتطلبات ومستلزمات العمل، من منطلق أن الإصلاح مهما بلغ من الجودة والمتانة، لن تتحقق الأهداف والمقاصد المرجوة منه، في حضرة مدرسين محبطين ويائسين يتقاسمون فعل الحراك والاحتقان، ومطالبة ثالثا بإحداث ثورة تعليمية حقيقية، تطال المناهج والبرامج وطرائق التقويم، في إطار نموذج بيداغوجي جديد، عادل ومنصف ومحفز، يواكب تطلعات وانتظارات  وتحديات مغرب اليوم، ويسهم في بناء صرح القيم الوطنية والدينية والإنسانية، أخذا بعين الاعتبار، ما باتت عليه منظومة القيم من إفلاس مثير للقلق، أضحى مهددا حقيقيا للحمة الوطنية و لتامغرابيت بأبعادها وتجلياتها، ولنا في أحداث سبتة الأسيرة وقبلها أحداث جيل زيد عبرة، ورسالة واضحة لا تحتاج إلى تأويل أو تبرير، تفـــرض إصلاحا فعليا للتعليم لبعده الاستراتيجي والتنموي والقيمي، بمعزل عن الحسابات السياسوية الضيقة، وعن الإصلاحات المرتبكة، التي استنزفت ميزانيات ضخمة، دون أن تغير وجه المدرسة الشاحب، ودون أن تطالها مبادئ المسؤولية  والمكاشفة والمحاسبة والعقاب، على أمل أن تكون الحكومة الجديدة في مستوى تطلعات نساء ورجال التعليم الذين يخلدون يومهم العالمي، وانتظارات عموم المغاربة، في بزوغ شمس تعليم عصري ناجع وفعال ومنصف وعادل، يرتقي بالبلاد إلى مصاف الأمم والشعوب المتقدمة، وقبل هذا وذاك، يواكب رهانات وتحديات وتطلعات المغرب الصاعد.