بقلم سيدي امين فاعل جمعوي الشماعية
تعود قضية المال الانتخابي غير المشروع إلى الواجهة مع نهاية كل حملة انتخابية، رغم الترسانة القانونية التي جرى تعزيزها خلال السنوات الأخيرة، ورغم الخطاب الرسمي المتكرر الذي يؤكد أن نزاهة الانتخابات واحترام الإرادة الحرة للمواطنين يشكلان مدخلاً أساسياً لترسيخ دولة المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة. وفي ظل النقاش المتواصل حول توسيع الحق في الترشح بما ينسجم مع الحقوق والحريات الدستورية، يصبح التحدي أكبر من مجرد ضمان مشاركة واسعة في الاستحقاقات الانتخابية. فالمنافسة الديمقراطية لا تستقيم فقط بكثرة المترشحين، وإنما تحتاج قبل كل شيء إلى تكافؤ حقيقي في الفرص، وإلى حماية العملية الانتخابية من تأثير المال غير المشروع واستغلال النفوذ وكل الممارسات التي يمكن أن تؤثر في حرية الناخب. فالحق في الترشح حق دستوري، غير أن صيانة نزاهة الاقتراع وحماية الإرادة الشعبية مسؤولية لا تقل أهمية. ولا يمكن أن تتحول حرية المشاركة السياسية إلى مدخل يسمح بتوظيف الثروة أو النفوذ للتأثير في اختيارات المواطنين. فجوهر الديمقراطية يكمن في أن يكون قرار الناخب حراً ومستقلاً، بعيداً عن الإغراء أو الضغط أو المصالح الضيقة. وإذا كانت السلطات المختصة تعلن، في مناسبات مختلفة، عن إجراءات وتدابير تروم التصدي للممارسات غير القانونية المرتبطة بالانتخابات، فإن الاختبار الحقيقي يظل في كيفية تنزيل هذه القواعد على أرض الواقع، وبالصرامة نفسها تجاه الجميع، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات ويكرس مبدأ المساواة أمام القانون. كما أن المشهد الانتخابي اليوم لم يعد كما كان في السابق. فوسائل الرصد والمراقبة تطورت، وأصبح المجتمع المدني والإعلام والرأي العام أكثر حضوراً في تتبع الحملات الانتخابية ومظاهر الإنفاق والتعبئة، الأمر الذي يجعل أي انحراف عن قواعد المنافسة عرضة لمزيد من الانتباه والمساءلة. ومع ذلك، تظل المخاوف قائمة بشأن عودة بعض مظاهر المال الانتخابي في عدد من المناطق، من خلال محاولات استمالة الناخبين أو توظيف الوسطاء المحليين أو بناء شبكات من الولاءات قبل موعد الاقتراع. وهي ممارسات، متى ثبتت، لا تمس فقط بمبدأ تكافؤ الفرص، بل تضعف ثقة المواطن في جدوى العملية الديمقراطية برمتها. وفي بعض الجماعات، ومنها الشماعية/اقليم اليوسفية وغيرها، يثار بين الفينة والأخرى نقاش حول أدوار بعض الفاعلين المحليين الذين يغيرون مواقعهم السياسية وفقاً لحسابات ظرفية ومصالح انتخابية. وإذا كانت المواقف السياسية المتغيرة في حد ذاتها لا تشكل مخالفة، فإن الإشكال يبدأ عندما تتحول السياسة إلى مجرد وسيلة لتحقيق منافع خاصة، أو عندما يصبح الدعم الانتخابي مرتبطاً بمنطق من يدفع أكثر أو يقدم وعوداً أكبر. والأمر نفسه ينطبق على العلاقة المحتملة بين بعض المصالح الاقتصادية والاستحقاقات الانتخابية. فحين يتحول دعم مرشح أو فريق سياسي إلى استثمار يراد من ورائه الحصول على امتيازات مستقبلية أو التأثير في القرارات العمومية أو الاستفادة من الصفقات، فإن الأمر يتجاوز حدود المنافسة السياسية المشروعة ويمس جوهر مبدأ المصلحة العامة. فالانتخابات ليست سوقاً للمساومة، ولا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتبادل المصالح بين المال والنفوذ السياسي. إنها لحظة لاختيار ممثلين قادرين على تدبير الشأن العام والدفاع عن مصالح المواطنين وفق برامج واضحة وقواعد قانونية شفافة. إن استمرار أي ممارسات من هذا النوع، متى ثبتت، لا يضر فقط بصورة الانتخابات، بل قد يساهم أيضاً في إعادة إنتاج أنماط من النخب التي تقوم شرعيتها على شبكات المصالح والولاءات بدل الكفاءة والبرنامج والقدرة على تدبير الشأن العام. والنتيجة، في نهاية المطاف، يتحمل المواطن تبعاتها. فعندما تتراجع معايير الكفاءة والمساءلة، يصبح من الصعب تحقيق تنمية محلية مستدامة، وتظل المشاريع متعثرة، وتستمر مظاهر ضعف الخدمات وتدبير الموارد، بينما يتسع شعور المواطنين بالإحباط وفقدان الثقة. لقد تعاقبت الوجوه المنتخبة، وظهرت أسماء جديدة، وتغيرت الشعارات والانتماءات الحزبية، لكن التحدي الأساسي ظل قائماً: كيف يمكن الانتقال من انتخابات تقوم على التعبئة الظرفية والولاءات الشخصية إلى ممارسة سياسية تجعل البرنامج والكفاءة والمصلحة العامة أساساً للاختيار؟ فالأوطان لا تبنى بالمال الانتخابي، ولا يمكن للاسترزاق السياسي أن يصنع تنمية حقيقية. والانتخابات ليست مناسبة لشراء الولاءات، وإنما آلية ديمقراطية لاختيار من يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام وخدمة المواطنين. ومن هنا، فإن حماية الأصوات الحرة مسؤولية جماعية تتقاسمها الإدارة والقضاء والأحزاب السياسية والمجتمع المدني والإعلام، كما يتحمل المواطن نفسه جزءاً أساسياً منها، من خلال رفض تحويل صوته إلى سلعة قابلة للبيع والشراء. إن حماية حرية الاختيار ليست مجرد مسألة انتخابية عابرة، بل هي جزء من حماية الثقة في المؤسسات وفي العملية الديمقراطية برمتها. ولذلك فإن أي إصلاح سياسي أو انتخابي يظل في حاجة إلى قواعد واضحة وتطبيق متساوٍ للقانون وآليات فعالة للمراقبة والمساءلة. ويبقى السؤال الذي تطرحه كل محطة انتخابية أكثر إلحاحاً: إلى أي حد ستنجح المؤسسات في تحقيق التوازن بين توسيع المشاركة السياسية وصيانة نزاهة المنافسة؟ وإلى أي مدى ستُفعّل القواعد القانونية ضد كل أشكال التأثير غير المشروع في إرادة الناخبين؟ الجواب الحقيقي لن يكون في الخطابات أو البلاغات، وإنما في التطبيق الفعلي للقانون على الجميع، وفي قدرة المؤسسات على حماية الإرادة الشعبية دون انتقائية أو تمييز. فحين يشعر المواطن أن صوته مصان، وأن اختياره لا يخضع للمال أو النفوذ، تصبح الانتخابات فعلاً وسيلة لبناء الثقة وتجديد المؤسسات. أما حين يتحول الصوت الانتخابي إلى سلعة، فإن الخاسر في النهاية ليس مرشحاً بعينه، وإنما الديمقراطية نفسها.

