Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

المهدي المنتظر وعودة المسيح وحرب نهاية العالم!

ابراهيم نوار كاتب مصري

تبدو الرؤية السياسية المباشرة للحرب على الجانبين الإسرائيلي والإيراني وكأنها معادلة صفرية بحتة لا مجال للانتقال منها إلى وضع توازني يسمح بالحوار والوصول إلى تسوية. بالنسبة لإسرائيل الحرب هي الطريق الوحيد للبقاء، ودونها الفناء. ويعتقد بنيامين نتنياهو أن الله يقف في جانبه، يساند سعيه إلى استعادة الأرض التي وعد بها إسرائيل. ولا تنس أيضا أن ترامب في أمريكا يعيش هلوسة أنه يجسد عودة المسيح! في اللحظة الراهنة يظن نتنياهو أن النصر في متناول يديه أقرب من أي وقت مضى. بكلماته هو «إيران هي أضعف ما تكون في الوقت الراهن بينما إسرائيل هي أقوى ما تكون». وقد كرر في الأيام الأخيرة عزمه مواصلة ضرب إيران من كل جانب وفي كل الاتجاهات رغم تردد الرئيس الأمريكي. نتنياهو ومؤيدوه يعتقدون أنهم يقاتلون في صف وعد إلهي حصلوا عليه وأنهم يحققونه.
على الجانب الآخر فإن كثيرين في إيران يعتقدون أن الغاية الأسمى لوجود الجمهورية الإسلامية هي المساعدة على تحرير المهدي المنتظر من الأسْر الذي هو فيه، وإخراجه ليملأ الدنيا عدلا. ويقاتل الإيرانيون ليس من أجل تحقيق الانتصار فقط ولكن أملا في الاستشهاد من أجل إطلاق المهدي المنتظر من أسره، وهي شهادة تفتح أمام الشهيد أبواب الجنة؛ فيا لها من جائزة يهنأ بها الشهيد!
إذا اتخذنا هذه الأرضية أساسا لتحليل مآل الحرب العدوانية على إيران، بما تحمله من عقيدة الجهاد والاستشهاد، في صدامها مع ما تنطوي عليه الأسطورة اليهودية بإعادة بناء مملكة إسرائيل وعلوّها في الأرض، فإن الحرب لن تتوقف إلا بفناء واحد من الطرفين أو فناء العالم كله! غير أن الأمور ليست كذلك بالضبط على الأرض. هناك حسابات أخرى، منها ما يتعلق بالبقاء، ذلك أنه عندما تصبح تكلفة استمرار الحرب أكبر كثيرا من العائد، فإن غريزة البقاء تعلو على ما عداها، وتسهم في صياغة معادلة جديدة تقود بالضرورة إلى التهدئة بدلا من التصعيد، وإلى وقف الحرب بدلا من الاستمرار فيها. في نهاية الأمر كما يقول كارل فون كلاوزفيتز فإن الحرب جزء من السياسة، والسياسة ليست كتابا مقدسا، وإنما هي خيارات ومصالح تحركها دوافع مختلفة. الحرب مجرد وسيلة لتحقيق هدف، وليست هدفا في حد ذاته، من هنا فإنه من المستحيل مد خط الحرب على استقامته، لأن ذلك يعني الانتحار.
وأستطيع القول، بكل جرأة، إن الحرب العدوانية على إيران، عبرت خلال الأسبوعين الأخيرين وضع التفوق المطلق للجانب المعتدي، إسرائيل والولايات المتحدة، كما أظهرته نتائج الضربة الأولى في 28 فبراير، حيث اعتلى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية (رأس النظام) شهيدا، واستشهد معه قرابة 40 من قيادات الدولة والثورة.

تهديدات ترامب بحرق إيران وتدمير كل ما فيها تعكس خطابا سياسيا يائسا لن يحقق للولايات المتحدة غير العار ولن يجر على مصالحها إلا الدمار

الآن انتقلت الحرب إلى وضع جديد حدث فيه تعديل ميزان القوى على مسرح العمليات بما سمح لإيران بتحقيق ميزتين: الأولى هي إصابة أسطورة «الدفاع الجوي الإسرائيلي الذي لا يقهر»، حيث فتحت القوة الإيرانية في طبقاته المختلفة، من صواريخ القبة الحديدية إلى صواريخ أرو شروخا واسعة، نفذت منها الصواريخ وطائرات الدرونز لتضرب أهدافا استراتيجية في شرق إسرائيل وغربها ووسطها وشمالها وجنوبها، مع فشل إسرائيل في اعتراضها خارج مجالها الجوي. وقد وصلت الضربات إلى أهداف استراتيجية مثل ديمونة وعراد وحيفا ومطار بن غوريون، وتضمنت الأهداف مراكز الصناعات العسكرية والأبحاث النووية ومراكز الاتصالات. وقد تكررت تلك الضربات من دون صد على عشرات الأهداف العسكرية مع التوسع في الاستخدام الناجح للصواريخ ذات الرؤوس العنقودية.
الميزة الثانية هي ابتكار سلاح جديد لاعتراض الطائرات القاذفة المعادية، تم استخدامه في المرة الأولى في 15 مارس ضد طائرة من طراز إف – 35 ما أدى إلى هبوطها إضطرايا في قاعدة أمريكية خليجية على الأرجح، ثم جرى استخدامه بنجاح مطلق في 3 من الشهر الحالي ضد طائرة من طراز إف -15 ما أدى إلى إسقاطها، كما أسقطت إيران في اليومين التاليين عددا من الطائرات التي كانت تشارك في مهمة إنقاذ واستعادة طاقم الطائرة. الميزة الثانية أفقدت العدو التفوق الجوي المطلق في أجواء إيران، ووضعت الطائرات المعادية في مأزق. هاتان الميزتان أدتا إلى تعديل ميزان القوى داخل مسرح العمليات لمصلحة إيران، بما يزيد قدرتها على ضرب إسرائيل، وينقص قدرة كل من إسرائيل وأمريكا على ضربها.
أؤكد هنا أنني أتحدث عن ميزان القوى «داخل مسرح العمليات»، وليس عن ميزان القوى العسكري المطلق بين الطرفين. ولن تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل تحقيق أي تغيير نوعي على مسرح العمليات، مهما حشدت من وسائل القوة إلا في حالة واحدة هي النجاح في تدمير المنشآت النووية الإيرانية تماما بما فيها تلك التي تربض في باطن الجبال، والسيطرة على اليورانيوم المخصب وتدمير قوة الدفاع الصاروخي الإيرانية. ما تستطيع أن تفعله إسرائيل وأمريكا هو تكرار الكثير (في الكَم) مما فعلته في الأسابيع الخمسة الأخيرة more of the same ولن ينتج هذا مفعولا كيفيا، بعد أن أثبتت إيران قدرتها على الصد والرد بالقدر الكمي والنوعي الذي لم يتوقعه نتنياهو وترامب. أما عن تهديدات ترامب بحرق إيران وتدمير كل ما فيها فإنها تعكس خطابا سياسيا يائسا لن يحقق للولايات المتحدة غير العار ولن يجر على مصالحها إلا الدمار. وقد استنتجت، بناء على مؤشرات مادية قابلة للقياس، أن كلا من إسرائيل والولايات المتحدة تعاني من حالة «إرهاق سياسي وعسكري»، ما يضع قيودا إضافية على تحقيق الأهداف المعلنة للحرب. واستطيع القول إن الأسبوع الأول من الشهر الحالي يسجل افتراقا محسوسا بين كل من واشنطن وتل أبيب بشأن إعادة تعريف أهداف الحرب، والموقف من استمرارها. وعلى الرغم مما ينطوي عليه منطق ترامب المرتبك بين الاستمرار في الحرب والخروج منها، فإن نتنياهو لا يزال يتمسك بضرورة الاستمرار فيها، متمسكا بالسردية الدينية، التي تبرر ذلك ويقينه بأن فشله في تحقيق الأهداف المعلنة مثل إنهاء ما يسميه التهديد النووي والصاروخي الإيراني، يمكن أن يتسبب في خسارته الانتخابات العامة القادمة. كثيرون في إسرائيل يريدون للحرب أن تستمر، لكن السؤال الكبير الذي يتردد في أروقة السياسة يتعلق بمدى قدرة إسرائيل على الاستمرار في الحرب وحدها من دون المساعدة الأمريكية. نتنياهو وحده هو الذي يعتقد أن تلك المساعدة ستستمر، وأنه سيواصل ضرب إيران بالتنسيق مع البيت الأبيض، لكنه لم يقدم بيانا عن استعداده لمواصلة الحرب بمفرده. بعض الخبراء قالوا، إن موقف إسرائيل التي تدافع عن «وجودها» يختلف عن موقف الولايات المتحدة التي تدافع عن «مصالحها». وشتان الفارق بين الاثنين. هذا الموقف لا يغير شيئا من حقيقة أن ملامح «الإرهاق العسكري والسياسي» تنتشر من مكان إلى مكان، في إسرائيل والولايات المتحدة على السواء، بما في ذلك الحديث علنا في واشنطن وتل أبيب عن نقص الأسلحة، والحديث علنا في تل أبيب عن نقص الجنود. وإذا استمرت إسرائيل في تكرار الهجمات نفسها، من دون تحقيق نتائج نوعية، فإن منطق الحرب نفسه سيسقط، لأن الحرب كما قال كلاوزفيتز، ليست هدفا في حد ذاته، لكنها وسيلة لتحقيق أهداف وغايات سياسية. ومن ثم فإنها تفقد معناها إذا استمرت من دون تحقيق تلك الأهداف.
قد لا تكون الحرب قد بلغت ذروتها بعد، لكنها بالضرورة تفقد جدواها يوما بعد يوم، خصوصا مع انصراف المجهود الدولي إلى الاهتمام بالتعامل مع تداعيات الحرب أكثر من الحرب نفسها. أوروبا ليست معنية بالحرب بقدر ما هي معنية بإبعاد إمدادات الطاقة عن نيرانها، وفتح مضيق هرمز للملاحة البريئة. كذلك الحال في اليابان وكوريا الجنوبية والصين وفرنسا وماليزيا، التي بدأت ناقلاتها المرور عبر المضيق. فقط المتربحون من الحرب مثل زيلينسكي وعملاء الولايات المتحدة وأقطاب اليمين الديني الصهيوني واللوبي الممثل لشركات السلاح، هم المهتمون بها ويريدون استمرارها. الأكثر من ذلك أن الدول المشاركة في العدوان على إيران فقدت القدرة على إعادة تعريف الأهداف المرجوة من الحرب، بعد فشل الأهداف التي كانت معلنة لتبريرها. ولم يعد العالم يعرف على وجه التحديد كيف يوجه ترامب إلى طهران الإنذار تلو الإنذار والتهديد تلو التهديد، طالبا فتح الملاحة في مضيق هرمز كشرط أولي لوقف إطلاق النار (مؤقتا)، بينما كان المضيق مفتوحا قبلها! العقلاء في العالم كله يعلمون أن الحرب هي سبب إغلاق المضيق، وأن فتحه يتطلب وقفها وليس العكس!

كاتب مصري