Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

جدل “تاهركاويت” للكاتب الصحفي عزيز لعويسي

بقلم:    عزيز لعويسي

لن ندخل في أي نقاش لا فائدة منه، بشأن حالة الشجاعة والثقة في النفس، التي ظهر عليها “كبور ” قبل أيــام، في إطار فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، وهو يفكك شفرات “النظرية الهركاوية” ويحاضر في مفهوم “الهركاوي” واستعمالاته وتطبيقاته، ولن نشهر سيف الاتهام والإدانة في وجه الرجل كما فعل البعض، احتراما لشخصه وتقديرا لمساره الفني، كما لن نصطف في طابور المصفقين والمطبلين من “الكبوريين”، لكن هذا لا يمنع من الإشارة إلى أن من وصفهم الرجل بالهركاوة، هم من احتضنه  ذات يوم، لما كان “بوجادي” في عالم الفن، وهو يخطو خطواته الأولى كالطفل الرضيع، ومن دعمه وسانده ومكنه من سلم الصعود، ولما وصل إلى مرماه واشتد عوده في الساحة الفنية، تنكر لهركاويتهم، التي لولاها لما كان، ولما كان سيكون؛

 

“الهركاوية” ومهما اختلفت الرؤى ووجهات النظر، حول ماهيتها وتأصيلها التاريخي وسياقات ودلالات استعمالها وتطبيقاتها الراهنة، والتي تبقى مجال بحث وتدقيق وتمحيص يسائل أهل السوسيولوجيا واللغة والتاريخ والآداب والتراث … فهي تعكس نظرة استعلاء واحتقار وتصغير للآخر، الذي وضعه “سي حسن”  في خانة “عديم التربية” و”غير المتحضر” و”غير المتمدن”، وبمفهوم المخالفة، فمثقفنا الفذ، وصل كالرجل الصالح الزاهد، إلى درجات متقدمة من الوعي والإدراك والتحضر والتمدن، تحول معها إلى “جنتلمان”، ما يمنحه الشرعية والمشروعية، لجلد وسلخ ما وصفهم بالهركاويين، كما تسلخ كباش العيد، وكأنه قادم من كوكب آخر لا موضع قدم فيه للهركاويين، ولا مكان فيه لثقافة تاهركاويت؛

 

وإذا ما قبلنا على مضض، بالنظرية الكبورية الهركاوية”، يبقى السؤال الطويل والعريض كالتالي: من هو الهركاوي الحقيقي؟ هل هو الشخص “قليل التمدن” كما وصفه “كبور بناني سميرس”؟ هل هو الشخص الذي كان ينتمي ذات يوم إلى الطبقة البروليتارية/الهركاوية/المسحوقة، ولما ارتقى في السلم الاجتماعي، تبرأ من “تاهركاويت” براءة الذئب من دم يوسف؟ هل فقط، ذلك الشخص المغلوب على أمره، الذي يكافح من أجل لقمة العيش أو  ذاك الذي يعيش في هوامش المجتمع، يفترش البؤس ويلتحف التهميش والإقصاء؟ هل هو ذلك “الجنتلمان” الذي يقطن في حي راق ويمتطي أفخم السيارات، ويتردد على أفخم المقاهي والمطاعم، ويفوح منه عطر باريس، ويتكلم بلغة موليير وشيكسبير…؟ أم أن “تاهركاويت” لها امتدادات واستعمالات وتطبيقات أخرى، تحضر في السياسة والاقتصاد والسلطة والأمن والقضاء والإعلام والتربية والتعليم  والثقافة والرياضة وغيرها …؟

 

إذا ربطنا “تاهركاويت” بقلة التمدن وقلة التحضر حسب وجهة نظر “سي حسن”، فمن القسوة أن نسقطها على الفقراء والبسطاء والغلابى، ومن الجبن ألا نسقطها، على كل من يظهر في صورة “جنتلمان” ، لكنه يمارس “السلوك الهركاوي”، بجشعه وطمعه واحتكاره وعبثه وانعدام مسؤوليته .. كل من يأكل الغلة ويسب الملة .. كل من حول الوطن إلى بقرة للسلب والحلب والنهب .. كل من يعرقل عجلة الوطن ويمنعه من فرص النهوض والصعود .. كل من يقوي الإحساس الفردي والجماعي بفقدان الثقة في الدولة والقانون والمؤسسات .. كل من يشكل بيئة آمنة لنمو فطريات “تاهركاويت” .. كل من يغتال الذوق العام .. كل مساهم في الصناعة “الهركاوية” وكل محتضن رسمي لها ..

 

“الهركاوية” ألا نحترم بعضنا البعض، ونمارس التحكم والتعالي والكبرياء في حق بعضنا البعض، أن نخوض في نقاشات تافهة وننتج كل خطاب بئيس، دافع نحو التفرقة والتشرذم.. “الهركاوية” أن نهدر الزمن ونضيع الجهد في نقاشات وحوارات عقيمة، دون أن نتحمل مسؤولياتنا تجاه الوطن .. “الهركاوية” ألا نرتقي بالأسلوب والخطاب والممارسة والذوق العام، ألا نقدر حجم ما ينتظر الوطن من رهانات وتحديات آنية ومستقبلية، في سياق جيوسياسي واستراتيجي دولي، موسوم بالصراع والتوتر واللايقين .. “الهركاوية” أن ننشغل بصراع الديكة ونستنزف القوى لإسقاط بعضنا البعض .. ألا ننخرط كل فيما يتعلق به، فيما يستحقه الوطن، من بناء ونماء وبهــاء .. أن نترك قضايا البلاد والعباد .. ونخوض في نقاشات وصراعات جبانة، دون أن ندري أنا أمما تصعد وشعوبا تسمو  أمامنا وبين ظهرانينا، ونحن رهائن ثقافة هركاوية نتحمل جميعا، مسؤولية إنتاجها ورعايتها وديمومتها … ونختم بقوله سبحانه وتعالى “إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ” ..