Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

رحيل الكاتب والناقد المغربي عبد النبي دشين

عبد العزيز بنعبو

فقد المشهد الثقافي والفني المغربي، صباح اليوم الأربعاء في الدار البيضاء، الكاتب والقاص والناقد عبد النبي دشين، بعد معاناة مع المرض، مخلفا مسيرة غنية بالعطاء الفكري والإبداعي، وأثرا واضحا في الحياة الثقافية المغربية. ونعى عدد من الهيئات الثقافية الراحل، مستحضرة مكانته الأدبية والإنسانية وإسهاماته في مجالات القصة القصيرة والنقد الأدبي والسينمائي. ووصف بيت الشعر في المغرب الراحل بأنه من المبدعين الذين استحقوا المحبة والثقة من كل من عرفهم أو تقاطع معهم، سواء في المجال التربوي أو في الحقل الثقافي. وعبر البيت عن بالغ ألمه لرحيله، مستحضرا الأمسية التكريمية التي نظمها له قبل أشهر قليلة بمسرح محمد الخامس، معتبرا أنها بدت وكأنها لحظة وداع رمزية، مشيرا إلى أن الراحل كان سعيدا بذلك الاحتفاء.

من جهته، أكد اتحاد كتاب المغرب أن عبد النبي دشين شكّل علامة مضيئة في المشهد الثقافي المغربي، بما قدمه من إسهامات أدبية وجمعوية وازنة، وما تحلى به من خصال إنسانية رفيعة. وأضاف الاتحاد أن الراحل كان صوتا إبداعيا مميزا، ترك بصمته في الكتابة القصصية والنقد الأدبي والسينمائي، وأسهم في إغناء الساحة الثقافية بإنتاجه الجاد ورؤاه العميقة، مجسدا صورة المثقف الأنيق والملتزم بقضايا مجتمعه الثقافية والإبداعية. كما نعى المكتب المسير لجمعية نقاد السينما في المغرب عضو الجمعية، الناقد والقاص والباحث عبد النبي دشين، معبرا عن بالغ الحزن والأسى لرحيله بعد صراع شجاع مع المرض، قاومه بالكتابة والتواري. وأشار البيان إلى أن الفقيد ظل محبا للسينما، ومؤمنا بالعمل النقدي بوصفه تفكيرا وسلوكا، كما أخلص للقصة القصيرة وعدّها حالة وجودية قلقة، ودافع عن الكتابة باللغة العربية والارتقاء بها داخل السينما.

وعرف الراحل، في مجمل كتاباته ومواقفه، بإيمانه العميق بقدرة الثقافة على التغيير وصياغة الوعي الاجتماعي، فضلا عن انخراطه الجاد في القضايا المجتمعية، التي استلهم منها الكثير من أعماله، فجاءت نصوصه مرآة للهامش والوجع الإنساني. وخلال مسيرته، زاوج الراحل بين الكتابة القصصية والنقد الأدبي والسينمائي. ومن إصداراته: “رائحة الورس” (1994)، “شعرية العنف” (1999)، “استراتيجيات تنمية القراءة” (2020)، و”الكتابة والحياة: قراءات في السينما والأدب” (2022)، إضافة إلى عدد من المؤلفات الجماعية. ولم يقتصر نشاطه على الكتابة والتأليف، بل تجاوزه إلى تحمّل المسؤولية داخل عدد من الهيئات الثقافية، مثل اتحاد كتاب المغرب، والجمعية المغربية لنقاد السينما، والائتلاف المغربي للثقافة والفنون. كما كان عضوا في لجان تحكيم عدد من التظاهرات الثقافية والمسرحية والمهرجانات السينمائية، من بينها جائزة المغرب للكتاب، وجائزة النقد في المهرجان الوطني للفيلم في دورتيه 21 و22، إضافة إلى مهرجان السينما الافريقية في خريبكة.

وفي مجال الكتابة، ينظر إلى عبد النبي دشين كأحد الأصوات التي ساهمت في تطوير القصة القصيرة في المغرب وربطها بأسئلة النقد والسينما. وأثنت قراءات نقدية على قدرته على تكثيف المعنى واختزال العوالم في جمل رشيقة، فضلا عن تمكنه من تشريح الواقع والغوص في تناقضات الحياة اليومية المغربية. كما أبرزت تأثر قصصه بمرجعيته المسرحية، وانتصاره للإنسان، حيث انحازت نصوصه للفئات البسيطة والمهددة بالنسيان. وإلى جانب مساره الثقافي والمهني، عرف الراحل بخصاله الإنسانية، فكان هادئ الطبع، عميق الفكرة، ومتواضعا. وفي شهادات سابقة لرفاق دربه، وصف بأنه “سادن الحكي”، الذي لا يمل من البحث عن صيغ تعبيرية جديدة تجمع بين الأصالة والمعاصرة. ويشكّل رحيله خسارة رمزية كبيرة للمشهد الثقافي والفني المغربي، وستظل أعماله شاهدة على مبدع ظل وفيا لروح الإبداع النقية ولرسالة الفن النبيلة.