بقلم ذ/ عبدالغني لزرك
ببالغ الحزن والأسى، تنعى الساحة الأكاديمية والثقافية المغربية المؤرخ والباحث لطفي بوشنتوف، الذي ارتبط اسمه بالبحث في تاريخ المغرب الحديث، وأسهم، على امتداد مساره العلمي، في دراسة قضايا السلطة والعلماء والمجتمع، كما شارك في عدد من المشاريع العلمية والترجمات التي أغنت المكتبة التاريخية المغربية والعربية. كان لطفي بوشنتوف أستاذًا للتاريخ الحديث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، وأسهم في الحياة الجامعية والبحثية من خلال التدريس والإشراف على البحوث الجامعية، والمشاركة في الندوات والدراسات المتخصصة. كما تولى، سنة 2008، رئاسة شعبة التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق، وشارك بهذه الصفة في أعمال علمية وأكاديمية تناولت قضايا من تاريخ المغرب ومناهج البحث التاريخي. «العالم والسلطان»… بحث في السلطة ومقومات المشروعية يُعد كتاب «العالم والسلطان: دراسة في انتقال الحكم ومقومات المشروعية – العهد السعدي الأول» من أبرز أعمال لطفي بوشنتوف. وقد صدر سنة 2004 عن كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق، في 488 صفحة. ويندرج هذا الكتاب ضمن الدراسات التي تناولت مرحلة الانتقال من الدولة الوطاسية إلى الدولة السعدية، مع التركيز على موقع العلماء وعلاقتهم بالسلطة، وعلى مسألة المشروعية السياسية والدينية خلال العهد السعدي الأول. ويعكس هذا العمل جانبًا من اهتمام بوشنتوف بتاريخ المغرب السياسي والثقافي، وبالعلاقات التي نسجت بين السلطة والعلماء والمجتمع خلال مراحل حاسمة من تاريخ البلاد. اهتمام بتاريخ المغرب الحديث امتد اهتمام الراحل إلى عدد من قضايا التاريخ المغربي، ومن بينها التاريخ الثقافي والديني للمغرب في الفترة الحديثة. وفي دراسة له بعنوان «تاريخ المغرب الثقافي والديني في الفترة الحديثة»، المنشورة سنة 2024 ضمن مجلة «أسطور للدراسات التاريخية»، تناول بوشنتوف مسار البحث في التاريخ الثقافي والديني للمغرب الحديث، وناقش عددًا من القضايا المرتبطة بكتابة هذا التاريخ ومصادره وإشكالياته. كما شارك في أعمال ودراسات تناولت العلاقات المغربية البرتغالية، إلى جانب قضايا أخرى مرتبطة بتاريخ المغرب الحديث. حضور في نشر المصادر والترجمة التاريخية لم يقتصر نشاط لطفي بوشنتوف على التأليف والبحث، بل امتد إلى خدمة المصادر التاريخية وترجمة الأعمال ذات الصلة بالتاريخ. ومن بين الأعمال التي ارتبط بها اسمه كتاب «أخبار أحمد المنصور سلطان المغرب»، وهو عمل شارك في ترجمته إلى العربية إلى جانب باحثين آخرين، وصدر سنة 2011. كما شارك في نشر وتحقيق كتاب «مناهل الصفا في مآثر موالينا الشرفا»، وهو من المصادر المرتبطة بتاريخ المغرب، وذلك في عمل جماعي صدر سنة 2015. ومن أبرز مساهماته في مجال الترجمة أيضًا كتاب «تاريخ العالم في القرن الخامس عشر»، حيث تولى تنسيق الترجمة العربية ومراجعتها، في عمل جماعي أشرف عليه المؤرخ الفرنسي باتريك بوشيرون. وصدرت الترجمة العربية سنة 2022 في مجلد كبير يتجاوز ألف صفحة. وتكتسب هذه المساهمة أهميتها من كونها تتيح للقارئ العربي الاطلاع على عمل تاريخي واسع يتناول القرن الخامس عشر من زوايا متعددة، ويضع تاريخ المغرب والمنطقة ضمن سياق التحولات التي عرفها العالم خلال تلك المرحلة. المؤرخ والباحث من خلال مؤلفاته ودراساته ومشاركاته العلمية، ارتبط اسم لطفي بوشنتوف بالبحث في تاريخ المغرب الحديث، وبالأسئلة التي تتصل بالسلطة والمشروعية ودور العلماء، فضلًا عن التاريخ الثقافي والديني وعلاقة المغرب بمحيطه. كما شارك في الإشراف على أبحاث جامعية، من بينها أطروحة حول الحراك الاجتماعي في مغرب ما بعد الاستقلال، وهو ما يعكس حضوره في مجال التكوين والبحث الجامعي. وبرحيله، تفقد الساحة الأكاديمية المغربية باحثًا ترك عددًا من الأعمال والدراسات التي ستظل جزءًا من رصيد البحث التاريخي حول المغرب. إن قيمة المؤرخ لا تُقاس فقط بعدد الكتب التي يتركها، وإنما أيضًا بالأسئلة التي يطرحها، وبالمصادر التي يعرّف بها، وبالموضوعات التي يفتح حولها النقاش. ومن هذه الزاوية، يمثل رحيل لطفي بوشنتوف خسارة للبحث التاريخي المغربي، بعد مسار علمي انشغل بتاريخ البلاد وتحولاتها ومؤسساتها ورموزها. رحم الله المؤرخ والباحث لطفي بوشنتوف، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وذويه وزملاءه وطلبته ومحبيه الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون. بقلم: ذ. عبد الغني لزرك