بقلم: عزيز لعويسي
زيارة الدولة التي يقوم بها رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون إلى المغرب، ابتداء من الاثنين 28 أكتوبر 2024م، ستكون مناسبة لتجديد الموقف الفرنسي بخصوص قضية الوحدة الترابية للمملكة، أمام البرلمان المغربي، مما سيدعم الأسانيد التاريخية والقانونية الداعمة لمغربية الصحراء، بالنظر إلى الماضي الاستعماري لفرنسا بالمنطقة، وقيــاسا لوضعها الاعتباري كدولة دائمة العضوية بمجلس الأمن الدولي، ما يجعلها أكثر من غيرها، على اطلاع وثيق بحقائق ومعطيات ماضي شمال إفريقيا وحاضرها، بما في ذلك، جذور النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية ومسارات تطوره؛
وإذا كانت الزيارة ستطلق العنان لشراكة استراتيجية بأبعاد اقتصادية وتنموية وثقافية وتربوية وأمنية وغيرها، تؤسس لبداية عهد جديد بين الربــاط وباريـس، فلابد عــلاوة على ذلك، أن تكون شراكة بمرجعيات “أرشيفيــة”، تعبد الطريق أمام المغرب، ومؤسسة أرشيف المغرب تحديدا، لاسترجــاع الكثير من الأرشيفات المغربيـة المحفوظة بالأرشيف الفرنسي، والتي تكتسي أهمية قصوى بالنسبة للمملكة، لاعتبارات ثلاثة:
- أولها: لأنها معززة للتراث الأرشيفي الوطني، وبالتالي عاكسة لاستمرارية الدولـة المغربية، وخاصة وأنها تغطي حقبة زمنية من تاريخ المغرب المعاصر، طبعها الخضوع لنظام الحماية الفرنسية والإسبانية، وتداعيات ذلك على السيادة الوطنية؛
- ثانيها: أنها أدلة مادية، من شأنها تصحيح الكثير من المغالطات والادعاءات والأكاذيب، التي يروجها خصوم وأعداء الوحدة الترابية، وتدعيم مختلف الأسانيد التاريخية والقانونية، الداعمة لمغربية الصحراء؛
- ثالثها: لأنها تمنح الإمكانية أمام الدولة المغربية، لتدافع عن حقها المشـروع في المطالبة بالمناطق المغربية، التي تم اقتطاعها عنوة من التراب المغربي من قبل فرنسا الإمبرياليـة منذ القرن التاسع عشر، وإلحاقها بالجزائر الفرنسية؛
مؤسسة أرشيف المغرب بالرباط، لابد لها أن تستثمر إيجابا، هذه الدينامية الدبلوماسية غير المسبوقة، التي تمر منها العلاقات المغربية الفرنسية، لتمد جسرا تواصليا مع السلطات الأرشيفية الفرنسية، ما يساعد على استرجـــاع الأرشيفات المغربية التي هجرت قسرا من بيئتها الوطنية نحو فرنسا، في سياقات مختلفة، والسلطات المغربية على أعلى مستوى، لابد أن تدخل على خط الأرشيف المغربي، بمناسبة زيارة رئيس الجمهورية الفرنسية للمغرب، وأن تضع ملف الأرشيف ضمن الملفات والقضايا التي يرتقب أن تشكل دعامة للشراكة الجديدة بين الرباط وباريس، وتقدم الغطاء الدبلوماسي اللازم، للمؤسسة الأرشيفية الوطنية، لتسترجع ما هو ممكن ومتاح من الأرشيفات المغربية، خاصة وأن العلاقات المغربية الفرنسية تعيش أفضل حالاتها، بعد تغير الموقف الفرنسي بخصوص قضية المغرب الأولى، وبالموازاة مع جبهة الأرشيف الفرنسي، لابد أن تفتح جبهة ثانية، فيما يتعلق بالأرشيف الإسباني، المستعمر السابق للصحراء المغربية، والماسك بحقائقها التاريخية وأسانيدها القانونية؛
ولايمكن أن ندع الفرص تمر، دون الإشارة إلى أن مؤسسة أرشيف المغرب، وبالنظر إلى طابعها الاستراتيجي، كان من المفترض أن تلحق برئاسة الدولة أو الحكومة على الأقل، على غرار الكثير من التجارب المقارنة، لتبقى مستقلة وبمعزل عن تأثيرات الفاعلين السياسيين الذين لا يفقهون إلا في السياسة ومناوراتها، وبدون شك، فآخر ما يفكـرون فيه هو الأرشيف، رغم أهميته التراثية وقيمته الحداثية والاستراتيجية، ونأمل أن يتم تصحيح هذا الوضع مستقبلا، حتى تحظى المؤسسة بكامل الاستقلالية، ما يساعدها على القيام بالمهام والاختصاصات المخولة لها بموجب القانون المنظم للأرشيف ومرسومه التطبيقي، بعيدا عن التأثيرات والتجاذبات والتدخلات ما ظهر منها وما بطن، وما ييسر لها التدخل في حينه، على مستوى القضايا الأرشيفية الكبرى، التي تتطلب دعما دبلوماسيا على أعلى مستوى، كما هو الحال بالنسبة لملف الأرشيفات المغربية المحفوظة بالأرشيف سواء الفرنسي أو الإسباني أو غيرهما.

