Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

سعيد منتسب..قاص مغربي يجعل الحكي بوصلة للتيه الجميل – عبدالعزيز كوكاس

سب‭ ‬لمجرّد‭ ‬أن‭ ‬يقصّ‭ ‬الحكايات،‭ ‬بل‭ ‬يكتب‭ ‬ليمارس‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الانزياح‭ ‬عن‭ ‬المألوف‭. ‬إنه‭ ‬حفار‭ ‬في‭ ‬طبقات‭ ‬المعنى،‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬لحظات‭ ‬التوتر‭ ‬الخفية‭ ‬بين‭ ‬الدوال‭ ‬والمدلولات،‭ ‬بين‭ ‬الشخصيات‭ ‬وعلاقاتها‭ ‬المتوترة‭ ‬دوما‭ ‬بالفضاء،‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الهوامش‭ ‬التي‭ ‬تنبض‭ ‬بالحياة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المتن‭. ‬نصوصه‭ ‬ليست‭ ‬مساحاتٍ‭ ‬صلبةً‭ ‬ومحدّدة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬شجرات‭ ‬أنساب،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أفقٌ‭ ‬مفتوحٌ‭ ‬على‭ ‬التأويل،‭ ‬حيث‭ ‬يتجاور‭ ‬الواقعي‭ ‬بالحلمي،‭ ‬والعابر‭ ‬بالمطلق،‭ ‬والعجائبي‭ ‬بالغرائبي‭.‬

سعيد‭ ‬منتسب‭ ‬قاص‭ ‬مجرب‭ ‬بامتياز،‭ ‬تنبض‭ ‬قصصه‭ ‬بحياة‭ ‬متوهجة‭ ‬تتنقل‭ ‬بين‭ ‬أروقة‭ ‬الواقع‭ ‬وأعماق‭ ‬الحلم‭. ‬هو‭ ‬صوتٌ‭ ‬يتسلل‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬الوجدان،‭ ‬ليصنع‭ ‬مضغة‭ ‬القصص‭ ‬بكلماتٍ‭ ‬من‭ ‬تعب‭ ‬ولعب،‭ ‬تُحيي‭ ‬أحزان‭ ‬الإنسان‭ ‬وتفضح‭ ‬عناده‭ ‬أمام‭ ‬تساؤلات‭ ‬الوجود‭.. ‬في‭ ‬عالمه‭ ‬السردي،‭ ‬تلتقي‭ ‬حواف‭ ‬الواقع‭ ‬بتجاويف‭ ‬الذاكرة،‭ ‬وتندمج‭ ‬المأساة‭ ‬بالفرح‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬صوفية،‭ ‬حيث‭ ‬يمتزج‭ ‬الزمان‭ ‬بالمكان،‭ ‬وتصبح‭ ‬الحكاية‭ ‬رحلةً‭ ‬لا‭ ‬نهائية‭ ‬نحو‭ ‬الذات‭.‬

منتسب‭ ‬أكليل‭ ‬قصصي‭ ‬لا‭ ‬يكتب‭ ‬عن‭ ‬البشر‭ ‬كحالات‭ ‬وكشخوص‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يكتب‭ ‬عن‭ ‬الروح‭ ‬التي‭ ‬تسكنهم،‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬التي‭ ‬ينحني‭ ‬فيها‭ ‬الزمن،‭ ‬فتتداخل‭ ‬الحقيقة‭ ‬مع‭ ‬الخيال،‭ ‬وتصبح‭ ‬العوالم‭ ‬الخارجية‭ ‬مرآة‭ ‬لداخل‭ ‬الإنسان‭. ‬في‭ ‬كل‭ ‬قصة‭ ‬يرويها،‭ ‬يخلق‭ ‬عوالم‭ ‬موازية،‭ ‬يسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬التمزق‭ ‬الداخلي‭ ‬والقلق‭ ‬الوجودي،‭ ‬بلغةٍ‭ ‬شاعرية‭ ‬تشف‭ ‬عن‭ ‬تأملاتٍ‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬الحياة،‭ ‬الزمن،‭ ‬التاريخ،‭ ‬العالم‭.. ‬لا‭ ‬تقود‭ ‬قارئه‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬يقين،‭ ‬قد‭ ‬تجد‭ ‬نفسك‭ ‬أمام‭ ‬فم‭ ‬تنّين‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬قبو،‭ ‬أو‭ ‬ضد‭ ‬الجميع،‭ ‬أو‭ ‬تشبه‭ ‬رسوم‭ ‬الأطفال،‭ ‬أو‭ ‬طائرا‭ ‬أبيض‭ ‬بأجنحة‭ ‬مؤقتة،‭ ‬القلق‭ ‬هو‭ ‬بوصلة‭ ‬منتسب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السوريالية‭ ‬المعممة‭ ‬في‭ ‬كتاباته‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬ريحا‭ ‬يداعب‭ ‬الصخر‭ ‬حتى‭ ‬يكاد‭ ‬يئن‭ ‬وهو‭ ‬يتفتّت‭. ‬

 ‬أدوات‭ ‬الكتابة

سعيد‭ ‬منتسب‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬راوٍ‭ ‬للحكايات،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مفكّر‭ ‬في‭ ‬جوهر‭ ‬الكتابة‭ ‬ذاتها‭ ‬وفي‭ ‬أدواتها‭. ‬يضع‭ ‬شخصياته‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬تبدو‭ ‬مألوفة،‭ ‬لكنه‭ ‬يزحزحها‭ ‬عن‭ ‬مكانها‭ ‬المعتاد،‭ ‬ليضعها‭ ‬أمام‭ ‬أسئلة‭ ‬جوهرية‭ ‬تتعلق‭ ‬بالزمن،‭ ‬بالغياب،‭ ‬بالحقيقة‭ ‬المراوغة‭. ‬نصوصه‭ ‬تعجّ‭ ‬بشخصياتٍ‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬نفسها،‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تلتقط‭ ‬ظلالها‭ ‬وسط‭ ‬ضجيج‭ ‬العالم،‭ ‬لكنها‭ ‬تدرك،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬أن‭ ‬الوجود‭ ‬نفسه‭ ‬لغزٌ‭ ‬عصيٌّ‭ ‬على‭ ‬الإدراك‭.‬

يلمع‭ ‬اسم‭ ‬سعيد‭ ‬منتسب‭ ‬عاليا‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬السرد‭ ‬المغربي‭ ‬والعربي،‭ ‬رفقة‭ ‬كوكبة‭ ‬تشتغل‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬المجرة‭ ‬بأفق‭ ‬تجريبي‭ ‬لا‭ ‬يفتأ‭ ‬يتجاوز‭ ‬كتاباته‭ ‬ذاتها‭ ‬باستمرار،‭ ‬ينهل‭ ‬من‭ ‬معين‭ ‬القصة‭ ‬بروح‭ ‬شاعر،‭ ‬ويصوغ‭ ‬عوالمه‭ ‬السردية‭ ‬بحسٍّ‭ ‬تأملي‭ ‬عميق‭. ‬قاصٌ‭ ‬ينقّب‭ ‬في‭ ‬التفاصيل‭ ‬ويستدرج‭ ‬المعاني‭ ‬من‭ ‬ظلال‭ ‬الكلمات،‭ ‬فيجعل‭ ‬من‭ ‬الحكي‭ ‬تجربةً‭ ‬للغوص‭ ‬في‭ ‬جوهر‭ ‬الأشياء‭. ‬وكأن‭ ‬الجملة‭ ‬عنده‭ ‬كائنٌ‭ ‬حيّ‭ ‬يتنفّس‭ ‬ويتحرّك‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الكتابة‭. ‬الكلمات‭ ‬لديه‭ ‬كائنات‭ ‬تنمو‭ ‬وتتفاعل،‭ ‬تحيل‭ ‬على‭ ‬دلالات‭ ‬لامتناهية،‭ ‬لا‭ ‬تقدم‭ ‬نفسها‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬تنسج‭ ‬علاقاتٍ‭ ‬سريةً‭ ‬بين‭ ‬الصورة‭ ‬والإحساس،‭ ‬اللغة‭ ‬والهامش‭ ‬وبين‭ ‬المرئي‭ ‬واللامرئي‭.‬

في‭ ‬نصوص‭ ‬سعيد‭ ‬منتسب،‭ ‬هناك‭ ‬دائما‭ ‬ذلك‭ ‬الإحساس‭ ‬العميق‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬نقرأه‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬قصص‭ ‬تُروى،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬شظايا‭ ‬حياة،‭ ‬مقاطع‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬فردية‭ ‬وجماعية،‭ ‬محاولات‭ ‬لإعادة‭ ‬رسم‭ ‬ما‭ ‬مضى‭ ‬بطريقة‭ ‬تجعل‭ ‬منه‭ ‬أكثر‭ ‬كثافةً‭ ‬وألماً‭. ‬إنه‭ ‬يكتب‭ ‬كمن‭ ‬يلتقط‭ ‬صورا‭ ‬لعالم‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬التشكل،‭ ‬وكمن‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الكتابة‭ ‬هي‭ ‬شكلٌ‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬المقاومة‭ ‬ضد‭ ‬النسيان‭. ‬وأنه‭ ‬كاتبٌ‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬القصة‭ ‬مختبرا‭ ‬للسؤال،‭ ‬ومن‭ ‬اللغة‭ ‬مرآةً‭ ‬للتوترات‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬تسكن‭ ‬الذات‭.. ‬في‭ ‬عوالمه،‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬نهايات‭ ‬مغلقة،‭ ‬بل‭ ‬أبوابٌ‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬الدهشة‭ ‬والقلق‭ ‬والاحتمال‭. ‬إنه‭ ‬كاتب‭ ‬يسكنه‭ ‬الحكي،‭ ‬لكنه‭ ‬أيضا‭ ‬كاتب‭ ‬يسكن‭ ‬الحكي‭ ‬ذاته،‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيله،‭ ‬يوسّعه،‭ ‬ويمنحه‭ ‬أفقا‭ ‬أكثر‭ ‬رحابةً‭ ‬وتأملا‭.‬

حساسية‭ ‬شعرية‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬السرد

يتميز‭ ‬منتسب‭ ‬بأسلوبه‭ ‬السردي‭ ‬العميق‭ ‬والمتجدد،‭ ‬حيث‭ ‬يعكس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قصصه‭ ‬تجارب‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬مآزق‭ ‬الهوية،‭ ‬والتاريخ،‭ ‬والمجتمع،‭ ‬والمعنى‭ ‬في‭ ‬الوجود‭… ‬بأسلوب‭ ‬مسكون‭ ‬بالشعر‭ ‬وبالكثافة‭ ‬اللغوية‭ ‬المركزة‭ ‬التي‭ ‬تحلق‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬والخيال،‭ ‬بين‭ ‬الغريب‭ ‬والعجيب،‭ ‬بين‭ ‬السحري‭ ‬والأسطوري‭… ‬كتابة‭ ‬ساحرة‭ ‬حقا‭ ‬حتى‭ ‬أني‭ ‬تمنيت‭ ‬لو‭ ‬تطول‭ ‬قصصه‭ ‬القصيرة‭ ‬أكثر‭ ‬مأخوذا‭ ‬بنزوعه‭ ‬الحلمي‭ ‬والسوريالي‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬الحدود‭. ‬تستمد‭ ‬كتابته‭ ‬فرادتها‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬انزياحات‭ ‬لغوية‭ ‬تُربك‭ ‬التلقي‭ ‬المألوف‭. ‬لغته‭ ‬مشدودة‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬درجات‭ ‬الكثافة،‭ ‬حيث‭ ‬يتجاور‭ ‬الشعري‭ ‬مع‭ ‬السردي،‭ ‬والواقع‭ ‬مع‭ ‬المجاز‭. ‬كل‭ ‬قصة‭ ‬تُبنى‭ ‬داخل‭ ‬القارئ‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تُبنى‭ ‬داخل‭ ‬فضاء‭ ‬الصفحة‭..‬

يغوص‭ ‬منتسب‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬النفسي‭ ‬لشخصياته‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬لحياتها‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬معقد‭ ‬من‭ ‬التحديات‭. ‬يمتاز‭ ‬نصه‭ ‬بالرمزية‭ ‬والكثافة‭ ‬العالية،‭ ‬حيث‭ ‬يُدخل‭ ‬القارئ‭ ‬في‭ ‬عوالم‭ ‬متنوعة‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬الأسطورة‭ ‬والواقع،‭ ‬بين‭ ‬الحلم‭ ‬والمأساة‭… ‬ويُنير‭ ‬دربه‭ ‬بحكاياته‭ ‬التي‭ ‬تنبض‭ ‬بالحياة‭ ‬والتوترات‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭.‬‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬شخصياته‭ ‬وكأنها‭ ‬في‭ ‬صراعٍ‭ ‬مع‭ ‬العالم،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر،‭ ‬في‭ ‬صراعٍ‭ ‬أعمق‭ ‬مع‭ ‬ذواتها،‭ ‬مع‭ ‬أسئلتها‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬إجابات‭. ‬أتخيله‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أعماله،‭ ‬يتسلق‭ ‬الجبال‭ ‬الشاهقة‭ ‬لأفكار‭ ‬الإنسان،‭ ‬يغمض‭ ‬عينين‭ ‬وينفتح‭ ‬قلبه‭ ‬على‭ ‬المسارات‭ ‬الضبابية‭ ‬التي‭ ‬تلوح‭ ‬أمامه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زاوية‭. ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬حدود‭ ‬بين‭ ‬الأمل‭ ‬واليأس،‭ ‬وبين‭ ‬الضوء‭ ‬والظلال‭. ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يتداخل‭ ‬في‭ ‬إطارٍ‭ ‬فني،‭ ‬يُذكّرنا‭ ‬بأننا‭ ‬نعيش‭ ‬بين‭ ‬ثنايا‭ ‬الحلم‭ ‬والواقع،‭ ‬في‭ ‬سعيٍ‭ ‬دائمٍ‭ ‬لمعرفة‭ ‬ما‭ ‬نجهله‭.‬

في‭ ‬أسلوبه،‭ ‬تتجسد‭ ‬فلسفة‭ ‬الحياة‭ ‬بمرارة‭ ‬وجودية،‭ ‬حيث‭ ‬القلق‭ ‬والتوق‭ ‬الدائم‭ ‬للحرية،‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬الانعتاق‭ ‬من‭ ‬قيودٍ‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬وهمية‭ ‬أو‭ ‬حقيقية‭. ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬الوجودية،‭ ‬التي‭ ‬ينسجها‭ ‬بعناية‭ ‬بين‭ ‬السطور،‭ ‬تتناثر‭ ‬في‭ ‬قصصه‭ ‬كغبارٍ‭ ‬يغطي‭ ‬عتمة‭ ‬الواقع،‭ ‬لتكشف‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬التي‭ ‬تلمس‭ ‬فيها‭ ‬الروح‭ ‬عذوبتها‭ ‬أو‭ ‬مرارتها،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة،‭ ‬تكتشف‭ ‬شيئا‭ ‬جديدا‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬وعن‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬يحيط‭ ‬بها‭. ‬سعيد‭ ‬منتسب‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬قاص،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬شاعر‭ ‬يعزف‭ ‬على‭ ‬أوتار‭ ‬الحياة‭ ‬بشفافيةٍ،‭ ‬محاولا‭ ‬فهم‭ ‬هذا‭ ‬الكون‭ ‬الغامض،‭ ‬ورسم‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬أحلامنا،‭ ‬وقلقنا،‭ ‬وخوفنا،‭ ‬وأملنا‭.. ‬حين‭ ‬نلج‭ ‬عوالم‭ ‬سعيد‭ ‬منتسب‭ ‬القصصية،‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬أمام‭ ‬فسيفساء‭ ‬سردية‭ ‬مشحونة‭ ‬بالتوتر،‭ ‬حيث‭ ‬تتماهى‭ ‬التفاصيل‭ ‬اليومية‭ ‬مع‭ ‬البعد‭ ‬الحلمي،‭ ‬وينهار‭ ‬الحد‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬الواقعي‭ ‬والمتخيل‭. ‬إنه‭ ‬معماري‭ ‬شغوف‭ ‬بإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬العالم‭ ‬وفق‭ ‬رؤى‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬المألوف،‭ ‬موظفًا‭ ‬طاقة‭ ‬المجاز‭ ‬والتكثيف‭ ‬الشعري‭ ‬لصياغة‭ ‬قصص‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬شذرات‭ ‬من‭ ‬حلم‭ ‬يتخلل‭ ‬اليقظة‭. ‬مجموعاته‭ ‬ضد‭ ‬الجميع،‭ ‬تشبه‭ ‬رسوم‭ ‬الأطفال،‭ ‬وطائر‭ ‬أبيض‭ ‬بأجنحة‭ ‬مؤقتة‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬مدونات‭ ‬سردية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬خرائط‭ ‬وجودية‭ ‬تشي‭ ‬بقلق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬عبثية‭ ‬العالم‭. ‬ينحاز‭ ‬سعيد‭ ‬منتسب‭ ‬إلى‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬الحواف،‭ ‬حيث‭ ‬تنبعث‭ ‬قصصه‭ ‬من‭ ‬زوايا‭ ‬معتمة،‭ ‬مأهولة‭ ‬بأصوات‭ ‬تتكلم‭ ‬بلسان‭ ‬الكسر‭ ‬والتشظي‭. ‬يقاوم‭ ‬نمطية‭ ‬السرد،‭ ‬ويتحول‭ ‬الصوت‭ ‬الداخلي‭ ‬للشخصيات‭ ‬إلى‭ ‬صدى‭ ‬يفتح‭ ‬للقارئ‭ ‬أفقًا‭ ‬لتأمل‭ ‬هشاشة‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني‭. ‬إن‭ ‬العزلة،‭ ‬في‭ ‬قصص‭ ‬منتسب،‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬ظرف،‭ ‬بل‭ ‬حالة‭ ‬وجودية‭ ‬تُكتب‭ ‬بحدس‭ ‬شعري‭ ‬عالٍ‭.‬

تبدو‭ ‬قصص‭ ‬سعيد‭ ‬منتسب‭ ‬ككائنات‭ ‬ضوئية،‭ ‬تعبر‭ ‬المشهد‭ ‬السردي‭ ‬بخفة،‭ ‬لكنها‭ ‬تترك‭ ‬أثرا‭ ‬عميقا‭ ‬في‭ ‬نفسنا‭. ‬إنه‭ ‬يكتب‭ ‬ليحفر‭ ‬في‭ ‬المعنى،‭ ‬ليجعل‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬نفسها‭ ‬فعلاً‭ ‬وجوديًا‭ ‬يقاوم‭ ‬الاندثار‭. ‬عالمه‭ ‬القصصي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مرآة‭ ‬تعكس‭ ‬الواقع،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مختبر‭ ‬لغوي‭ ‬وجمالي‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬وفق‭ ‬رؤى‭ ‬تتأرجح‭ ‬بين‭ ‬الحلم‭ ‬والانكسار‭. ‬وبينما‭ ‬نغلق‭ ‬الصفحة‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬قصصه،‭ ‬نظل‭ ‬معلقين‭ ‬بين‭ ‬الطيران‭ ‬والسقوط،‭ ‬بين‭ ‬السؤال‭ ‬والإجابة‭ ‬المؤجلة‭.‬