كتب ذ، عبد الغني لزرك
ثلاث سنوات عشتُها في سيدي شيكر، لكنها في ذاكرتي تبدو أطول من العمر، وأعمق من أن تُقاس بالسنوات. ثلاث سنوات من الزهد والصفاء، من الهدوء الذي يشبه الدعاء، ومن السكينة التي تتسلل إلى الروح في صمت، فتغسل عنها ضجيج الأيام وتعيد إليها شيئًا من نقائها الأول. كانت سيدي شيكر بالنسبة إليّ خلوةً روحية لا شبيه لها، وملاذًا لم أكن أعرف، وأنا أعيش فيه، أنه سيصبح يومًا من أكثر الأمكنة رسوخًا في أعماقي. هناك، على ضفة تانسيفت، كان للمكان سحره الخاص؛ صمتٌ لا يُشعر بالوحشة، وسكونٌ لا يبعث على الملل، وهدوءٌ كنت أشعر معه أن الزمن نفسه قد أبطأ خطاه. ولعل من قال: «سيدي شيكر بقعة طاهرة على ضفة تانسيفت»، لم يكن يصف مكانًا فحسب، بل كان يصف حالةً من حالات الروح. لكن أجمل ما في سيدي شيكر لم يكن المكان وحده، بل أهلها. أناسٌ بسطاء في عيشهم، كبارٌ في أخلاقهم، شرفاء في معدنهم، صادقون في مشاعرهم؛ من صغيرهم إلى كبيرهم. دخلتُ إليهم معلّمًا، وخرجتُ منهم محمّلًا بصداقاتٍ وذكرياتٍ وعلاقاتٍ إنسانية ستظل عالقةً في القلب ما بقي من العمر بقية. درّست أبناءهم وبناتهم، وعشتُ بينهم، وعرفتُ تفاصيل صغيرة من حياتهم، ونسجتُ معهم علاقاتٍ إنسانية تجاوزت بكثير حدود المدرسة والقسم والدرس. شيئًا فشيئًا، لم أعد غريبًا بينهم، ولم يعودوا مجرد أناسٍ أعيش إلى جوارهم؛ صاروا أهلًا، وصار المكان مألوفًا إلى درجة أنني حين غادرته، تركتُ فيه شيئًا مني. أحببتهم وأحبوني، تعلقتُ بهم وتعلّقوا بي. وكان بيننا من الودّ ما لا تحتاج معه المشاعر إلى كثير من الكلام. كانت تكفينا نظرة، أو ابتسامة، أو جلسة عابرة، لنعرف أن بيننا شيئًا أعمق من مجرد علاقة عابرة فرضها المكان. واليوم، كلما مرّت سيدي شيكر في خاطري، أشعر أنني لا أستعيد مكانًا فقط، وإنما أستعيد جزءًا من نفسي. أستعيد وجوهًا أحببتها، وأصواتًا ما زالت ترن في الذاكرة، وطرقاتٍ مشيتها ذات يوم دون أن أعرف أنها ستصبح بعد سنوات طويلة طرقًا في الذاكرة أكثر منها طرقًا في المكان. أستعيد ذلك الهدوء الذي لم أجد له شبيهًا بعد ذلك، وتلك الأيام التي كانت تمضي بسيطةً هادئة، ثم اكتشفتُ بعد رحيلها أنها كانت من أجمل أيام العمر. سيدي شيكر ليست محطةً عابرة في حياتي. إنها قطعة من قلبي، وفصلٌ كامل من كتاب العمر، وذكرى كلما لامستها الذاكرة فاح منها عبقٌ لا يشبه إلا نفسه. هناك تركتُ بعضًا من شبابي، وبعضًا من أحلامي، وكثيرًا من محبتي. وربما لهذا السبب، كلما تذكرتها، أشعر أن المسافة بيني وبينها ليست مسافة مكان، وإنما مسافة زمن… زمنٌ مضى، لكنه لم يغادر القلب. سأكتب عن سيدي شيكر يومًا. سأكتب عن تانسيفت حين كان يمرّ هادئًا كأنه يعرف أسرار الذين جلسوا على ضفته، وعن البيوت التي احتضنتني، وعن الوجوه التي لم تكن تعرف أن بساطتها ستصبح يومًا من أثمن ما أحتفظ به في ذاكرتي. سأكتب عن تلامذتي، وعن أولئك الذين دخلوا حياتي دون موعد، ثم استقروا فيها دون استئذان. سأكتب عن ثلاث سنواتٍ لم تكن ثلاث سنوات، بل كانت عمرًا صغيرًا مكتملًا، عشته في مكانٍ ترك في روحي أثرًا لا تمحوه الأيام. وسأكتب… إن بقي من العمر بقية.


