Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

صورة الحقيقة المغلوطة في لوحة عبدالاله الشاهيدي.

 

عبدالاله الشاهيدي في لوحة تشكيلية أساسها الموت والحياة ؛ في جذبة فنية تتقاسمها نغمة الحرية والسجن. فكرنا الاشتغال في موضوع نراه من زاوية شبه مفتوحة تركها الفنان قصدا لنشم معه رائحة الانعتاق. طبعا تتقارب الالوان لتسهم في صناعة نسيج الجمال الذي شاءه عبدالاله الشاهيدي؛ بعدة إشارات مشفرة كونا؛ منه  يعيدنا لندرك أسرار سذاجتنا؛ كما قربنا أكثر من فوضى الاختناق الذي نكتبه في كل قصيدة  تعري عن الجراح.

أسرار اللوحة السيميائية:

الدلالات السطحية.

لابد أن نقف عند البعد الدلالي السطحي؛ لنفهم بعدها  دلالة الرموز والإشارات السيميائية التي تخفي اللوحة التي  ارادها الفنان موضوعا مقصديا في رؤيته إلينا وإلى العالم؛ بعدها يخرجنا من ضيقنا لنعرف ألغاز التفاهات التي نمارسها بوعي أو عن لا وعي.  هما طائران في وضعين مختلفين. الأول  يراقب الأفق البعيد بنظرات ثاقبة. ينظر إلى المدى البعيد؛ بنظرات جد عميقة يراقب؛ يتامل؛ بل يتصفح الحياة بعجرفة تدل على عمق البصر في إدراك المحسوسات؛ وأحيانا أخرى  يرشق هشاشة الوجود بوقفته المتعجرفة؛  امامه قارورة صغيرة منحنية تخرج من جوفها حبلا بنيا يشبه مرارة أفعى تتمدد بسمها في جسد بريء؛ ضعيف؛ ؛ تفرغ مدادا اسودا؛ يمتد تحت جسد نفس الطائر وهو في وضع حكم عليه  بدلالة مزدوجة:من جهة هو ميت؛ ومن جهة اخرى في صورة مقلوبة ينظر الى الحياة من الأسفل. فيضعنا المبدع في صورة لنفس الطائر؛ متمركزا في زاويتين مختلفتين:الأولى  يراقبنا والثانية يخرجنا منه ليصبح مكسورا منهزما ؛ تائها مسجونا ؛ ربما مفقودا. تزيد من قبح الوضع الظاهري لدلالة الصورة اختيار ألوان مغلوقة؛ كلها تميل إلى الأسود الذي  يحيط بجسد الطائرالمقلوب؛ كما يحمل دنيا المجهول الذي ينقلها الواقع البعيد الذي يشكل أفقا مغلوقا. يرافق اللون الاسود ألوان بنية مغلوقة؛ يلتقطها البعد الرمادي المغلق؛ اما صدر الطائر الممتد امامنا ابيض خفيف؛ في نفس الصدر للطائر نفسه المقلوب يحمل لونا بنيا مغلوقا؛ اما القارورة احتفظت بالنبي الشبه خفيف؛ لكنه يميل إلى المغلق؛ فيرسم وجود الطائر المعكوس بصورتين مختلفتين بألوان جد متماسكة تحمل عمق الدلالة العامة التي ترشقها اللوحة المميزة بأوجه جد مختلفة وعميقة.

الانساق الدلالية والسيميائية  العميقة.

الدلالات العميقة في لوحة عبدالاله الشاهيدي تدل عليها عدة مؤشرات؛ نبدأ بالألون التي كلها تحيل على القلق والاضطارب؛ ألوان  مشتتة بمعان متعددة؛ كلها تلتقي عند دلالة العمق الأسود  الذي يربط الكائن بوجوده؛ وهو تعبير اختار الطائر باعتباره اقوى رمز للحرية؛ لكنها حرية ماكرة بوجهين؛ ظاهريا تبدو الصورة ان صاحبها في رضع مريح؛ اما في العمق هي حرية مخنوقة؛ يقتلها المدى الخفي الذي نجهله؛  ويظل دوما  يشكل قفصا يسجن مطامحنا وأحلامنا وطموحاتنا؛ كما هي حرية يتحكم فيها سر الإعتقاد لكنها في آخر المطاف هي حرية يعمها السواد الذي يكتبها الحبر الجاهل القامع الظالم الذي لا ينتج سوى الجهل والسراب؛ ثم  هي حرية مخنوقة ضائعة ومفتقدة؛ لأن الانتشاء في المجهول الذي يخفيه ذاك الأفق الاسود يشكل سجنا مخنوقا لحياة ذات دلالة مزدوجة ومتناقضة؛ يبقى دوما سرها يشكل لغزا يحمل في جوفه المتاهات التي لا رجاء من ورائها ولا أحلام في طياتها؛ فنتحول بذلك إلى الطائر المعكوس الذي في الظاهر هو قوي؛ ناضج؛ يتأمل ويرى ما لا نرى؛ اما في العمق هو طائر مكسور مخنوق؛ مسجون؛ وضائع؛ فنصبح بذلك امام  لوحة ترسم الحرية المعكوسة والحلم المنكسر والحقيقة التائهة في تصورات كلها أغلاط وأخطاء وحقائق ماكرة.

خلاصة عامة.

على ضوء ماسبق يمكننا أن ننظر إلى لوحة عبدالاله الشاهيدي؛ بلغة السيمياء من عدة زوايا؛ نراها برمز الطائر الذي يمثل الحرية بوجهين؛ كما يمكننا أن نظر إليها من زاوية الألوان التي ترسم الإنغلاق بألوان الانغلاق؛ كما يمكنتا أن نراها من زاوية انسجام كل الصور؛ هنا اتكلم عن اللون؛ و عن. وضعيات كل جسد؛  لانه في اختلاف الالوان؛ ثم في  دلالة الحبل لطائر  في وضعين مختلفين؛ نتمكن من استنتاج صورة عامة بدلالات سيميائبة مختلفة؛ كلها تكتب إشارات الاختناق؛ كما ترشق أبعاد الحقيقة المعلوقة والحياة التي ظاهرها سعادة والخفي فيها سجن واختناق وعذاب.

عموما لوحة عبدالاله  الشاهيدي هي لوحة بدلالات عدة مفتوحة على فكرة محورية؛ كلها تناقض و شقاء ومكر في نقل الحقيقي ؛ثم في إخفاء  المزيف الماكر الذي يحكم على الرؤى بالحياة في متاهات القلق الدائم والأبدي.

بقلم سعيد فرحاوي الصويرة