Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

قضية و آراء.. للكاتب عزيز لعويسي

بقلم: عزيز لعويسي

دخلت جريمة ما بات يعرف بالشرطي “المغدور”، أسبوعها الثاني دون أن يصدر أي بلاغ رسمي، من شأنه تنوير الرأي العام الوطني في إطار الحق في المعلومة، لا من جانب القضاء ولا من جانب المديرية العامة للأمن الوطني، وإذا كان هذا “الصمت” يمكن تفهمه من الناحية الأمنية والقضائية، لدواعي مرتبطة بضمان سرية الأبحاث والتحريات التي لازالت متواصلة على أكثر من مستوى، من قبل الأجهزة الأمنية المختصة، في محاولة لفك خيوط وشفرات هذا الفعل الجرمي الوحشي غير المسبوق، ووضع اليد على كل الفاعلين المتورطين فيه بدرجات ومستويات مختلفة، فإنه (الصمت) بالمقابل، ترك مجموعة من الفراغات، أحدثت حالة من الغموض واللبس والإبهام، ازدادت تعقيدا، في ظل ما يتم تداوله بشكل يومي حول القضية – إعلاميا وافتراضيا – من أخبار ومعطيات باتت تتناسل كالفطريات في غياب الحقيقة التي تقطع الشك باليقين؛

 

والنتيجة المقلقة، تسارع الأخبار وتكاثر الروايات بخصوص الأسباب والمسببات وهويات الأشخاص الضالعين في هذه المجزرة الرهيبة، في مشهد دراماتيكي، بات فيه كل من يختفي وراء شاشات الحواسب والهواتف الذكية وعدسات الكاميرا، ضابطا للشرطة القضائية، بارعا في البحث عن الأدلة الجنائية والرقمية، ماهرا في البحث والتحري، شاطرا في السرد والتحليل والنقد، ومحترفا في توزيع صكوك الإدانة والاتهام، لتضيع الحقيقة، التي لاتوجد إلا لدى النيابة العامة المختصة، والضابطة القضائية المعنية بشكل مباشر بالنبش في حفريات قضية ليس كمثيلاتها؛

 

الروايات الشائعة والأكثر تداولا على مستوى الإعلام، ومختلف القنوات المفتوحة على اليوتيوب، تربط ما حدث من جريمة همجية، بالجنس والشرف والانتقام، وأخرى تربطها بتصفية الحسابات في إطار شبكات الاتجار في المخدرات، وثالثة تضعها في خانة الفساد والتطبيع الخفي والمعلن مع “كهنة معبد المخدرات” إذا ما جاز التوصيف…، وفي هذا الإطار، ومن باب المسؤولية والالتزام، ودون الانسياق وراء  ما يتم تداوله إعلاميا أو افتراضيا، من الصعب تبني تصور من التصورات المذكورة، ومن المجازفة، اعتماد رأي من الآراء المطروحة، في غياب “المعلومة القضائية” أو “الشرطية”، ونرى حسب تقديرنا، أن  أي نشر للمعلومات، بشأن القضية، في غياب أي بلاغ رسمي، لن يكون إلا تشويشا على الأبحاث والتحريات الجارية، وربما عرقلة لها، وإسهاما في تكريس الاحساس بانعدام الأمن في أوساط المواطنات والمواطنين؛

 

وحتى نضع النقط على الحروف، نتساءل كباحثين ومهتمين بالشأن الأمني: ما مصدر الأخبار المتداولة على مستوى الصحافة ومجموعة من قنوات اليوتيوب؟ الجواب على هذا السؤال الشائك، يقتضي تبني افتراضين اثنين لا ثالث لهما: إما أن جهات ما، قامت وتقوم بفعل تسريب بعض المعطيات ذات الصلة بنتائج الأبحاث والتحريات الجارية، كما حدث في تسريب مقطع الفيديو الذي وثق للحوار الذي جرى بين “الشرطي الراحل”(قبل أن تطاله أيادي الغدر ) وأحد مستعملي الطريق، وهذه التسريبات  -إن حصلت فعلا-، فهي إفشاء للسر المهني ومساس بمبدأ سرية الأبحاث والتحريات، وإما أن الأخبار الرائجة والمتداولة تدخل في خانة الأخبار الكاذبة، وفي هذه الحالة، من المفروض أن تخرج الجهات المختصة، ببلاغ صحفي، يضع الرأي العام في صلب حقيقة ما وقع، حرصا على ضبط عقارب النظام العام، وكبح جماح مروجي الأخبار الكاذبة، الذين لابد أن تطالهم سلطة القانون والعقاب؛

 

ما هو ثابت، أن ما يتم تداوله وترويجه إعلاميا وافتراضيا، من أخبار ومعطيات بخصوص القضية، يشوش على الأبحاث والتحريات وبدون شك، يعرقل مسارات واتجاهات التحقيقات الجارية،  ويمنح  “الجناة الفارين” أكثر من فرصة للمناورة وربما للبحث عن أماكن آمنة أو للفرار إلى وجهات بعيدة، ويمس بالإحساس الفردي والجماعي بانعدام الأمن، في ظل  زحمة الأخبار الرائجة، التي تتقاطع في ربط الفاجعة، ببصمة “البارونات” و”الشبكات المتخصصة في الاتجار في المخدرات” و”التصفية والانتقام” و”شبهة الجنس والفساد” وغيرها؛

 

بين غياب للرواية الرسمية، وحضور قوي للرواية الافتراضية التي تنتشر كما تنتشر النار في الهشيم عبر مختلف منصات ووسائط التواصل الاجتماعي، هناك حقيقة ثابتة لايمكن البتة الاختلاف بشأنها، أن الجريمة التي راح ضحيتها شرطي الرحمة، جاءت حاملة لبصمات الوحشية والهمجية والبشاعة، والقساوة بكل مشاهدها وصورها، ويمكن قراءة هذه الجريمة عبر الزوايا التالية:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وفي جميع الحالات، ومهما كنا بارعين في استعراض الزوايا، لمقاربة هذه القضية الشائكة، وفي انتظار إصدار بلاغ رسمي في الموضوع يقطع الشك باليقين، نرى أن المديرية العامة للأمن الوطني على غرار قيادة الدرك الملكي،  تبقى أمام تحديين اثنين: أولهما: الحصول على المزيد من الأدلة المادية والآثار الرقمية، بما يساعد على وضع اليد على كافة الأطراف المتداخلة في القضية “تفكيرا” و”تخطيطا” و”تنفيذا”، بما في ذلك الوصول إلى السلاح الوظيفي الخاص بالضحية، وثانيها: القيام بتشخيص حقيقي ومسؤول ومتبصر لما حصل من جريمة “جهنمية”، بشكل يسمح بتجاوز الاختلالات المحتملة، وسد ما تكون قد أبانت عنه، التحقيقات الجارية، من فراغات وثغرات على مستوى واقع الممارسة المهنية، من أجل تجويد الأداء المهني، والتصدي الناجع والحازم للجريمة والخارجين عن سلطة القانون، بما يضمن  الحفاظ على الأمن، كرأسمال لامادي، دافع نحو  تقوية اللحمة الوطنية وتعزيز الجبهة الداخلية، وتحقيق ما تحتاجه الرهانات التنموية، والتحديات المرتبطة بالوحدة الترابية للمملكة، من استقرار وطمأنينة وسكينة؛

 

في هذا الصدد، لسنا في منزلة تسمح لنا بتقديم الدروس والعبر، ولا في موقع  توزيع صكوك النصح والمشورة، ولكن، من باب المواطنة وحب الانتماء للوطن، ومن مدخل الاعتزاز بالمؤسسات الأمنية الوطنية من جيش وشرطة ودرك ملكي وجمارك وقوات مساعدة، وتثمين أدوارها ومجهوداتها في حماية وحدة الأرض وسلامة التراب وصون النظام العام، نعطي لأنفسنا الحق، في “التنبيه” و”التوجيه”، باعتبار الأمن “مسؤولية فردية وجماعية”، وفي هذا المستوى من النقاش، وبما أن الكثير من الأخبار الرائجة والمتداولة إعلاميا وافتراضيا، تربط ما جرى من جريمة همجية، بشبكات الاتجار في المخدرات – في انتظار ما سيؤكده البلاغ الرسمي-، فمن غير المقبول لا مهنيا ولا قانونيا ولا أخلاقيا، أن يتم ترك هذه الشبكات الإجرامية، تعيث في البلاد والعباد فساد وإجراما،  إلى درجة أن مناطق وأحياء كثيرة على المستوى الوطني عموما، والمجال الترابي – مسرح الجريمة – خصوصا (الدروة، مديونة، حد سوالم، النواصر ومناطق أخرى)، باتت اليوم – حسب الكثير من الشهادات -،  مرتعا خصبا لتجار المخدرات، مستغلين تهاون أو تقاعس أو تردد أو لامبالاة …، من يفترض فيهم محاربة الجريمة وإنفاذ القانون؛

 

وإذا لم نكن مبالغين، فنسبة كبيرة من جرائم الاختطاف والاغتصاب وهتك العرض  والفساد والخيانة الزوجية والتصفية وقتل الأصول، تكون تحت تأثير آفة المخدرات بكل مستوياتها وأنواعها، دون إغفال ما لهذه الآفة الخطيرة من تأثير على  حاضر ومستقبل الناشئة، وعلى المسار الدراسي لشرائح واسعة من التلاميذ والطلبة، ممن وقعوا بين مخالب الاستهلاك والإدمان وربما الاتجار، وما لها – الآفة- من آثار على تجانس وتماسك الجبهة الداخلية، وعلى نسف الرأسمال الأمني اللامادي، الذي يعد مفتاح الاستقرار ، ورافعة لامحيد عنها للبناء والنماء والرخاء والازدهار؛

 

الأبحاث والتحريات الجارية على قدم وساق، لفك خيوط القضية، وازتها وتوازيها حملات أمنية مكثفة من قبل الشرطة والدرك، تستهدف تجار ومروجي المخدرات، الذين يشكلون موضوع مذكرات بحث وطنية أو محلية، وبقدر ما نثمن هذا المجهود، بقدر ما نرى أن  الأمر، يقتضي استعجال تنزيل استراتيجية أمنية مستدامة مشتركة بين “الأمن الوطني” و”الدرك الملكي”، تروم استئصال الشبكات المتخصصة في الاتجار في المخدرات، والتصدي الحازم لكل من يهدد النظام العام، ويعمق بؤرة الإحساس بانعدام الأمن في أوساط المواطنات والمواطنين، وهذه الاستراتيجية، باتت “ملحة” أكثر من أي وقت مضى، لأن التجرؤ على الشرطة بالاختطاف والطعن وقطع الأعضاء والأطراف والحرق، معناه، أن الشبكات المتخصصة في الاتجار في المخدرات، وصلت من القوة والجرأة  والخطورة، ما يجعلها مهددة للأمن والاستقرار ومزعجة لأجهزة الأمن، كما حدث ويحدث في دول عبر العالم من قبيل إيطاليا وكولومبيا وغيرهما، ولايمكن إلا أن نكون محذرين، لأي تعامل “مناسباتي” مع الظاهرة، في إطار “الحملات الموسمية”، لأن الجريمة بشكل عام، آخذة في التمدد والانتشار، ولابد من مواجهتها، بما يلزم من الحزم والصرامة والنجاعة، وفق مقاربات “استباقية ” لا مجال فيها، لممارسات “التردد” أو “التهاون” أو “العشوائية” أو “التطبيع”…؛

 

وبما أن الرأسمال البشري يبقى عماد أية استراتيجية أمنية، فمن اللازم  تقوية صفوف الأمن الوطني والدرك الملكي وباقي الأجهزة الأمنية الأخرى، بالموارد البشرية اللازمة، مع تفعيل آليات “إعادة الانتشار” انسجاما ومتغيرات “خريطة الجريمة”، وتدعيم المصالح والفرق المعنية مباشرة بمحاربة الجريمة، بالحصيص الكافي، وإرساء منظومة للحماية والدعم والتحفيز، بما يساعد على بلوغ مرمى المردودية المرجوة، والرهان على التكوين الأساس والمستمر والتخصصي، بقصد الإسهام في تطوير الكفاءات والقدرات المهنية،  وصون أخلاقيات المهنة، وبلورة منهجية صارمة وحازمة، في انتقاء المنتسبين الجدد، تراعي الجوانب المعرفية والأخلاقية والسلوكية والنفسية، مع الحرص كل الحرص على توفير كل شروط ومتطلبات العمل، من وسائل وترقي وتحفيز ومكافأة واحترام  وتقدير واعتبار، والمضي قدما في اتجاه  التصدي الحازم، لكل الممارسات والسلوكات الماسة بشرف المهنة وأخلاقياتها، وبما يؤطرها من قوانين وضوابط، مرتبطة بالمسؤولية والانضباط والالتزام والشفافية وكثمان السر المهني والاستقامة والبعد عن الشبهات ما ظهر منها وما بطن؛

 

بقيت الإشارة، أن  الجريمة البشعة، تفرض توجيه البوصلة، نحو عدد من  عناصر المـرور الذين تسند لهم  مهمة مراقبة السير والجولان في بعض المدارات الطرقية المتواجدة  عند هوامش أو مداخل المدن، حيث يزاولون مهامهم بمفردهم وفي  نقط  “ضعيفة الإنارة” و”محاطة بمناطق خلاء”،  مما يجعلهم  وجها لوجه أمام المخاطر والتهديدات المحتملة خاصة في نوبات العمل المسائية، ونرى  أن أماكن من هذا القبيل، تقتضي  وجود شرطيين اثنين، من باب الدعم  والحماية والمؤازرة، في حالة  وجود أي خطر حال، كما تقتضي مدها بالإضاءة الكافية، وتزويدها بكاميرات خاصة بالمراقبة، يمكن الرجوع إليها عند الاقتضاء؛

 

ونختم بالقول، أن القضية تتجاوز واقعة تنحية شرطي مرور بطريقة “مافيوزية”، هي قضية دولة، لابد أن تنتبه إلى التطور الكمي والنوعي للجريمة، وتقدر تداعيات ذلك على الأمن والاستقرار.. قضية حكومة، لابد أن توفر للمؤسسة الأمنية، ما تحتاجه من وسائل وإمكانات مادية ولوجستية وموارد بشرية، وأن تسهم في صياغة سياسات عمومية أمنية ناجعة وفعالة .. قضية برلمان، لابد أن يتحمل مسؤولياته كاملة في التشريع الجنائي .. قضية قضاء، مطالب بالمزيد من الحزم والصرامة في التعامل مع مقترفي جرائم العنف والاغتصاب والقتل وتجار المخدرات .. قضية مؤسسة أمنية، لابد لها، أن تواجه مد الجريمة بما يلزم من  الصرامة والنجاعة، وأن  تتصدى بحزم، لما قد يصدر عن موظفيها، من اختلالات وانزلاقات .. قضية مجتمع باتت تنخره التفاهة والسخافة والفساد .. قضية وطن، لابد أن نتجند أفرادا وجماعات، من أجل حمايته وصون لحمته وتقوية جبهته .. قضية مواطنين “سلبيين”، لابد أن يكونوا شركاء في الأمن .. قضية إعلام، ينشر ثقافة العبث والانحطاط .. وقبل هذا وذاك، هي قضية أسرة الأمن الوطني التي فقدت عنصرا من عناصرها .. قضية والدة وزوجة .. قضية أبناء صغار، فقدوا الأب والمعيل، بطريقة غاية في الهمجية والتوحش، وهؤلاء يحتاجون إلى الحماية والدعم النفسي والاجتماعي .. نجدد الرحمة على الفقيد، ونسأل الله أن يشمل أهله وذويه، وأسرة الأمن الوطني قاطبة، الصبر والسلوان ، وإنا لله وإنا إليه راجعون …