كتب اسماعيل الحلوتي
لم يعد أمر مهاجمة المواطنين والخصوم السياسيين يقتصر فقط على أمين عام حزب “العدالة والتنمية” ورئيس الحكومة الأسبق عبد الإله ابن كيران، الذي لم ينفك يقصفهم بأفظع النعوت من قبيل “الحمير” و”الميكروبات”. إذ لم تلبث عدوى “الإساءة للآخرين” أن انتقلت تدريجيا إلى زعماء أحزاب سياسية آخرين ببلادنا في مواجهة من يخالفهم الرأي أو ينتقد تصريحاتهم أو تصريحات وسوء تدبير بعض وزرائهم، كما هو الشأن بالنسبة لرئيس حزب “التجمع الوطني للأحرار” محمد شوكي، الذي جاء خلفا لعزيز أخنوش منذ حوالي أربعة شهور، بعد أن أعلن هذا الأخير فجأة عدم ترشحه لولاية ثالثة.
حيث أن توالي الإساءة للمواطنين والحط من كرامتهم ليست مجرد حالات انفعالية عابرة أو زلات لسان غير مقصودة، بل إن استعمال أوصاف قبيحة تمس بالأشخاص أمام الجميع، أصبح أسلوبا “سياسيا” معتادا لدى عدد من الفعاليات السياسية التي تسعى إلى تصفية حساباته الشخصية أو الحزبية الضيقة مع غيرها، وتحولت اللغة من أداة للتواصل والإقناع، إلى مجرد سلاح لمحاولة التجريح والتشويه والإقصاء، مما أدى إلى النفور من العمل السياسي والعزوف عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية…
فبعد “غزوات” ابن كيران صاحب أكبر معاش استثنائي في تاريخ المغرب المعاصر (70 ألف درهم) شهريا من أموال دافعي الضرائب المغاربة دون موجب حق، فوجئ الرأي العام الوطني بزعيم حزب “الحمامة” الجديد يصف بعض المواطنات والمواطنين ب”الغوغائيين” لا لذنب اقترفوه أو جريمة ارتكبوها عدا أنهم وجهوا انتقادات حادة، لوزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة محمد سعد برادة عضو المكتب السياسي بنفس الحزب، بسبب عدم قدرته على تركيب جملة واضحة وخالية من الأخطاء، خلال تفاعله مع أسئلة نواب الأمة في جلسة الأسئلة الشفوية الأسبوعية المنعقدة يوم الاثنين 11 ماي 2026 بمجلس النواب…
وهو الظهور الباهت الذي أثار موجة من السخرية ليس فقط داخل المؤسسة التشريعية، بل حتى خارجها على مواقع التواصل الاجتماعي، لاسيما بعد أن تداول بعض رواد الفضاء الأزرق مقاطع فيديو مصورة من مداخلاته على نطاق واسع، حيث رأى فيها عديد المتابعين أنها تتسم بالتلعثم وغياب الوضوح في الأفكار، وتناسلت التدوينات التي تنتقد تلك الطريقة “البئيسة” في التواصل، علما أنه كان لدى الوزير المعني الوقت الكافي لتدارك النقص الحاصل لديه، عبر دروس الدعم في التواصل الإيجابي باللغة العربية، إذ تم تعيينه في المنصب منذ 23 أكتوبر 2024.
بيد أنه وفي سياق سلسلة من الأنشطة الحزبية التي يقوم بها حزب “الحمامة”، بهدف التواصل مع قواعده والتعريف بمختلف الأوراش الإصلاحية في عهد الحكومة الحالية، انبرى زعيم الأحرار محمد شوكي للدفاع عن الوزير السالف الذكر في مواجهة ما تعرض له من انتقادات لاذعة واصفا إياها ب”الخطاب الغوغائي”. حيث أشاد يوم الخميس 14 ماي 2026 خلال لقاء حزبي بمدينة القنيطرة، بما يبذل ذات الوزير من جهود في اتجاه إصلاح المنظومة التعليمية، مؤكدا أن المرحلة الحالية عرفت تحقيق نتائج غير مسبوقة لفائدة الشغيلة التعليمية، حيث أسفرت الإصلاحات عن مكتسبات مهمة من ضمنها استفادة 21 ألف أستاذ بالتعليم الابتدائي من الترقية إلى خارج السلم، وهو الإجراء الذي يشكل خطوة إيجابية في مسار تحسين الوضعية المهنية لنساء ورجال التعليم، ويلبي مطالب ظلت مطروحة منذ عدة سنوات طويلة…
فكلمة “غوغاء” التي جاء بها زعيم الأحرار الجديد في وصف منتقدي وزير التربية الوطنية محمد سعد برادة، تعني باللغة العربية عامة الناس ممن يسهل تحريكهم بالهتاف والحماس والتلاعب بعواطفهم، على عكس النخبة الواعية التي تناقش الأشياء بالأفكار النيرة والأدلة الساطعة. وتشير ذات الكلمة “غوغاء” إلى صوت الجراد عند لحظة طيرانه، كما تطلق على سفلة الناس ورعاعهم لكثرة لغطهم، ويتسم فكر هذه الفئة من الناس بالعشوائية والسطحية. و”الغوغائيون” مصطلح يطلق على الأفراد الذين يميلون إلى الفوضى وإثارة الشغب، وتتحكم فيهم الغرائز والعصبيات، مما يجعل منهم قوة تدميرية، تستبيح أي شيء دون وازع الديني أو أخلاقي أو رادع إنساني…
ترى كيف لمن يرأس حزبا بحجم حزب “التجمع الوطني للأحرار” الذي يقود التحالف الحكومي الثلاثي ويتطلع إلى العودة لقيادة الحكومة من جديد عبر التشريعيات المزمع إجراؤها في أقل من أربعة شهور، أن يصف جزءا من المواطنين المغاربة بالغوغائيين، وهو يعلم في قرارة نفسه وأكثر من غيره أنهم لم يقوموا سوى بواجبهم الوطني وما تمليه عليه ضمائرهم اليقظة في محاولة تنبيه أصحاب القرار إلى ضرورة مراجعة المعايير المعتمدة خلال انتقاء أعضاء الحكومة، خاصة أن وزير التعليم في الدول المتقدمة عادة ما يكون من “أهل الفكر والثقافة” وليس رجل “حلويات وأدوية”؟
إن توجيه الانتقادات لأي مسؤول حكومي أو غيره من الفاعلين السياسيين كلما دعت الضرورة إلى ذلك، سواء تعلق الأمر بمداخلة في البرلمان أو تصريح إعلامي، لا يعني دائما الحط من قيمته وتبخيس عمله، وإنما غالبا ما يكون ذلك من منطلق الغيرة الوطنية ومحاولة لفت الانتباه إلى ما يلاحظ من هفوات أو نقائص تستدعي تجاوزها. ثم إنها ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها وزير التربية الوطنية للانتقاد والسخرية، إذ طالما تعثر في التواصل باللغة العربية وخلال تصريحاته المرتبكة، سواء من تحت قبة البرلمان أو خارجها أثناء تقديم شروحات غريبة لمفاهيم تربوية…

