كتب اسماعيل الحلوتي
على بعد بضع ساعات من نهاية مراسيم تعيين أعضاء حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، التي ترأسها جلالة الملك محمد السادس يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، وقبل حتى الشروع في ممارسة مهامهم الوزارية، انطلقت حملة تنمر وتشهير بالبعض منهم، سواء عبر النبش في ماضيهم والتقليل من شأنهم أو التهكم بشكلهم، ولاسيما بعد صدور قرار ملكي يوم الأحد 18 أكتوبر 2026 يقضي بإعفاء الوزيرة المنتدبة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، ماديحة خيير القيادية في حزب الاستقلال، إثر تداول معطيات قضائية وطبية ذات طابع شخصي على منصات التواصل الاجتماعي.
صحيح أن هناك تساؤلات حول مدى موضوعية المعايير المعتمدة في انتقاء وتقييم الأشخاص المرشحين لشغل مناصب حكومية، لما تم تسجيله من أخطاء وسوء تقدير اللجن الحزبية المكلفة بمراجعة ملفاتهم، التي اتضح أنها أغفلت تحري الدقة في سجلاتهم السياسية والمهنية والقضائية، لكن ذلك لا يسمح لأي كان بالتطاول على حياتهم الشخصية والإساءة إليهم، حتى وإن كانت المعطيات الرائجة موثوق بصحتها. حيث أن حملة رقمية واسعة ومحمومة استهدفت عددا غير يسير من أعضاء حكومة المنصوري، ومنهم البروفيسور “يونس بجيجو” وزير الصحة والحماية الاجتماعية بسبب شكله، علما أن هناك حديثا نبويا شريفا يقول: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”.
ومهما يكن شكل وزير الصحة المحسوب على حزب “الوردة”، فهو من النخب الوطنية ذات الكفاءة العلمية العالية، حاصل على دكتوراة في الطب تخصص أمراض النساء والتوليد، ماستر تنفيذي في التدبير والسياسات الصحية، شهادة في القيادة من معهد العلوم السياسية بباريس، دبلوم في البيداغوجية الطبية، أستاذ التعليم العالي ورئيس قسم التشريح بكلية الطب والصيدلة بالرباط، المدير المنتدب لمؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة ومؤسسة الشيخ خليفة بن زايد، نائب رئيس جامعة الزهراوي الدولية لعلوم الصحة سابقا، والأمين العام الدائم للأكاديمية الإفريقية لعلوم الصحة.
كما شملت الحملة الأمين العام لحزب “الكتاب” نبيل بنعبد الله وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، حيث أثير جدل كبير حول مساره السياسي، خاصة فيما يرتبط بإنهاء مهامه سفيرا للمغرب في إيطاليا بعد أشهر قليلة من توليه المنصب، ثم صدور بلاغ عن الديوان الملكي عام 2016 ينتقد تصريحاته حول حزب “البام” وأحد أبرز مؤسسيه المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، لما تضمنته من مغالطات واستعمال مفاهيم تضر بسمعة الوطن وتمس بمصداقية المؤسسات، إلى جانب إعفائه من منصبه وزيرا لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في أكتوبر 2017 على خلفية تداعيات تقرير المجلس الأعلى للحسابات بشأن تعثر برنامج “الحسيمة منارة المتوسط”.
وحتى القيادية البارزة في حزب “الجرار” والوزيرة المنتدبة لدى وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، المكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، فاطمة السعدي لم تسلم بدورها من التشهير، حيث تم الكشف عن تفاصيل ملف قضائي بشأن قضية لها علاقة بفترة رئاستها لمجلس جماعة الحسيمة، رغم أنها انتهت بتأكيد براءتها في شهر يناير 2018، بعد قرار استئنافي كان قد أدانها بشهر واحد حبسا موقوف التنفيذ، والذي أصبح فيما بعد نهائيا لعدم الطعن فيه من قبل أطراف القضية، التي تعود إلى قرار إداري صادر عنها في 25 غشت 2011، يقضي بهدم سياج محيط بحديقة أحد المواطنين، قصد فتح ممر عمومي لفائدة السكان..
بالإضافة إلى القيادي في حزب “الوردة” أحمد المهدي المزواري، الوزير المنتدب لدى وزير الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية، المكلف بالصيد البحري، الذي ضجت بعض المواقع الإلكترونية والعديد من صفحات التواصل الاجتماعي بعدة معطيات حول استفادته من الدعم المالي العمومي المخصص لتغطية مصاريف الدراسات والأبحاث والحسابات الحزبية، حسب ما ورد في تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 2022. ووجود منازعات قضائية مع إحدى شركات التأمين، قبل أن يعود إلى نفي تلك الاتهامات، حيث وصفها أحد المقربين منه بكونها باطلة ومجرد “شائعات ومحاولات يائسة تستهدف تحريف الحقائق، وتضليل الرأي العام الوطني للمساس بسمعته وتبخيس العمل السياسي في المغرب”
واللافت للانتباه هو أن التنمر لم يقتصر فقط على بعض أعضاء الحكومة، بل حتى رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري نالت هي الأخرى حظها منه. والأكثر من ذلك أنه بموازاة مع هذه الحملة المحمومة، تعالت أصوات الاستنكار والتنديد بما تتعرض له الخزينة العامة من استنزاف رهيب، من حيث استفادة هؤلاء المسؤولين الجدد من تعويضات جزافية، حسب ما ورد في منشور متداول على منصات التواصل الاجتماعي، يتحدث عما أسماه المشرع في الظهير رقم: 100.93.1 “منحة التنصيب” التي تبلغ قيمتها “10” آلاف درهم لكل عضو بالحكومة، فيما تستفيد الرئيسة بضعف المبلغ، وفضلا عن الأجور والتعويضات، يتمتع الوزراء بامتيازات أخرى لتمكينهم من الاضطلاع بمهامهم في أحسن الظروف…
لقد كان من الأجدر لأولئك الذين انخرطوا في هذه الحملة الواسعة من التنمر الممنهج، من خلال التركيز على خصوصيات بعض أعضاء أول حكومة في تاريخ المغرب تقودها امرأة، ونشر بيانات حول مساراتهم السياسية والمهنية والصحية، التريث قليلا قبل الإقدام على هكذا أسلوب من شأنه تحطيم معنوياتهم، وإعطائهم مهلة مائة يوم للكشف عن مؤهلاتهم ومدى قدرتهم على النهوض بمهامهم، كما يقتضي العرف السياسي…

