Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

مباراة الجدل للكاتب عزيز لعويسي

 

خلال السنوات الأخيرة وخاصة منذ تبني تجربة التوظيف بالتعاقد وبعدها التوظيف الجهوي، ظل التعليم موضوع جدل، بخصوص “سياسة الأبواب المفتوحة”، التي جعلت من التعليم حسب البعض، موسما سنويا للتوظيف ووجهة مفضلة  للفارين من “جندية” البطالة القاتلة، ولم تتوقف الحكاية عند عتبة فتح الأحضان بدون شرط أو قيد، بل  وتم فتح  باب التوظيف على مصراعيه، ليستوعب ما بات يعرف بشيوخ التعليم الذين أشرفوا على عتبة الخمسين أو تجاوزوها بقليل، من  أساتذة التعليم الخصوصي وأجراء القطاع الخاص وباعة متجولين ومياومين وعاطلين، بما في ذلك بعض حاملي شهادة الماستر والدكتوراه، الذين تجاوزهم قطار التوظيف العمومي،  وإذا كانت هذه السياسة في  شموليتها، راعت  شروط  العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص بتمردها على شرطي “الانتقاء” و”السن”، خلافا لما هو معمول به في الكثير من مباريات التوظيف، وفتحت أبواب الأمل والحياة بالنسبة لشرائح عريضة من الشباب والشيوخ، فإنها بالمقابل،  جعلت المدرسة العمومية تعيش على وقع احتقان طال أمده، أعاد إلى الواجهة  أسئلة مشروعة بخصوص   “الجودة” و”معايير وشروط الانتقاء” لولوج مهنة التدريس، و”مدى صواب سياسة الأبواب المفتوحة”، و”مدى نجاعة ما يخضع له  المدرسون الجدد من  امتحانات كتابية وشفوية” ومن “تكوين أساس وتداريب ميدانية”، بل و”مدى  جاهزيتهم المعرفية والأخلاقية واستعدادهم النفسي والذهني، لممارسة مهنة على درجة كبيرة من الحساسية”.وفي هذا الإطار، وفي ظل سياقات الأوراش الإصلاحية المفتوحة ذات الصلة بالقانون الإطار لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وفي ضوء مخرجات التقرير الخاص بالنموذج التنموي، الذي قدم جملة من الرؤى والتصورات بخصوص تجويد مهنة التدريس والارتقاء بأوضاع المدرسين، وبناء على ما ورد في  البرنامج الحكومي من إجراءات وتدابير تروم النهوض بمنظومة التربية والتكوين، واستحضارا لما ورد في  البرامج الانتخابية للأحزاب المشاركة في التحالف الحكومي، من وعود والتزامات حاولت كسب ود نساء ورجال التعليم، وفي ظل ما يشهده  المسرح التعليمي من  لغط وجدل واحتجاج متعدد الزوايا،  ارتفع منسوب التوقع في أن تعرف الساحة التعليمية بعض المستجدات الآنية والمستقبلية، وهو ما ظهر جليا، بالإعلان عن مباراة توظيف الأطر النظامية للأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، الخاصة بالأساتذة وملحقي الاقتصاد والإدارة والملحقين التربويين والملحقين الاجتماعيين، والتي تضمنت متغيرات غير مسبوقة، تقوي الانطباع في أن هناك “خارطة طريق جديدة “قيد التشكل في قطاع حيوي واستراتيجي، ظل الجدل يرافقه منذ فجر الاستقلال، وتنويرا للرؤية يمكن  استعراض الإجراءات  الجديدة على النحو التالي :

ولم تكد تعلن الوزارة الوصية عن هذه المستجدات التي ربطتها “بسياق الإصلاح الهادف إلى بلوغ النهضة التربوية”، حتى اجتاحت موجات الغضب والرفض، مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، بل وامتدت  إلى الواقع، بخروج مجموعة من الشباب من حاملي الإجازة والماستر إلى الشوارع في عدد من المدن، احتجاجا على القرارات الجديدة،  مطالبين  بالتراجع على شرطي “السن” و”الانتقاء” بمبررات “تكافؤ الفرص بين المترشحين” و”انسداد أفق التوظيف” و”ضمان الحق في الولوج إلى الوظائف العمومية”، والبعض سارع إلى رفع  هاشتاغ  “لا للانتقاء”-“لا لتحديد السن”- “نعم لتكافؤ الفرص”- “المجازون  يعانـون من البطالة”، ولم تتوقف ناعــورة الرفض، عند حدود بعض حاملي الإجازة أو الماستر، ممن جعلهم شرط السن (30 سنة) خارج دائرة التبــاري، بل امتدت نحـو عدد من الوجوه السياسية والقانونية والتعليمية، التي أشهـرت سلاح الرفض والمعارضة في وجه هذه المستجدات، لمبررات تحكمت في بعضها لغة الحماسة والانفعال، بشكل أبعدها عن سكة الموضوعية والواقعية والصراحة والمكاشفة والتبصر.

لكن ومن باب الواقعية والموضوعية، ما مدى صواب مبررات الرافضين والمحتجين، مادامت مجموعة من الإدارات العمومية باتت تفرض شروطا صارمة في مباريات الولوج، من ضمنها “شرط السن” دون أي اعتبار للسن القانوني المسموح به  للولوج إلى الوظيفة العمومية (45 سنة ) ؟ ألم يكن من باب المنطق الاحتجاج على باقي القطاعات التي تنزل مباريات بشروط مجحفة وقاسية  أحيانا؟ بل حتى مباريات الولوج إلى سلك الماستر وبعض الإجازات المهنية، باتت  تخضع إلى سنة “الانتقاء” (عدد الميزات، عدد سنوات الإجازة )، وبالتالي قد يتساءل البعض، أليس من العبث تحميل قطاع حكومي دون غيره مسؤولية امتصاص البطالة المستشرية في أوساط الآلاف من خريجي الجامعات المغربية، بينما إدارات  أخرى  تمرر إجراءات المباريات في صمت ودون ضجيج، بل وفي ظل شروط مجحفة، وبدون لغط أو جدل أو احتجاج ؟ وقد يتساءل البعض الآخر،  أليس عيبا ومخجلا أن تظل أبواب مهنة التعليم مفتوحة على مصراعيها أمام مترشحيها ومنتسبيها الجدد، بمرونة وسخاوة، بكل ما لذلك من  تبخيس للمهنة وتقليل من شأنها وانعكاس على جودتها؟ وقد يتساءل البعض الثالث، كيف أن  الدولة تراهن على تجويد مهنة التدريس والنهوض بأوضاع نسائها ورجالها، وفي ذات الآن تنهج “سياسة الأبواب المفتوحة” التي تكرس في  الأذهان، “مهنة تعليمية ” باتت “مهنة من لا مهنة له” ؟

لكن ودون الخوص في تفاصيل المبررات أو الدفعات التي قدمتها الوزارة الوصية على القطاع، في تنزيلها وترسيمها للتدابير والإجراءات الجديدة، التي طالت مباراة التوظيف برسم السنة الجارية، أو التيهان غير المجدي في أية نقاشات بخصوص ما أثارته هذه التدابير والإجراءات “غير المسبوقة” من لغط وجدل ورفض واحتجاج، يمكن إبداء الملاحظات التالية :

وعموما، وإذا ما تركنا الجدل المتعدد الزوايا الذي أثارته المستجدات المعلن عنها، فلا يمكن إلا الاتفاق في أن بيت المدرسة العمومية لم يعد يسر المقيمين والناظرين والزائرين والمتتبعين، مما يجعل من الإصلاح ضرورة قصوى وملحة، من منطلق أن نهضة الأمم ورقي الشعوب، يمران قطعا عبر مدخل تعليم عصري وناجع وفعال وعادل ومنصف، بعيدا عن الأهواء والنزعات والحسابات السياسوية الضيقة وهواجــس الربح والخسارة، وهذا الإصلاح يفترض فيه أن يكون هادئا وشاملا وواقعيا وتشاركيا ومتدرجا ومتبصرا، وأن يكــون قادرا على استيعاب الفئات التي يخاطبها (نساء ورجال التعليم) ويستجيب لكل مطالبها وتطلعاتها وانتظاراتها، ويوفر لها بيئـة التحفيز المناسبة، التي تتحقق معها شروط الجاهزية والاستعداد والمبادرة والاجتهاد والإبداع والابتكار والجودة المأمولة والمردودية المرجوة.

كما لايمكن إلا نتفهـم من خرج إلى الشـــوارع، احتجاجا على الإجراءات القاسية وخاصة فيما يتعلق بالسن والانتقـاء، لكن من باب الواقعية والموضوعية، نقول أن المباراة القادمة، ستستوعب في جميـع الحالات، العدد المطلوب من الأطر النظامية للأكاديميات (17 ألف إطار منهم 15 ألف أستاذ(ة))، والسؤال الذي يفترض أن نطرحه جميعا كمغاربة وبما يلزم من الوضوح والجرأة، ما مصير الذين سيفشلون في اجتياز المباراة ؟ وما مصير العشرات من الآلاف من حاملي الشهادات، الذين أبعدوا من الحق في اجتياز المباراة بسبب عائق السن، ونقصد هنا من تجاوز عتبة 30 سنة ؟ ويزداد السؤال قـوة، إذا ما استحضرنا ارتفاع نسب البطالة في أوساط خريجي الجامعات، وتقلص فرص لوج بعض الخريجين إلى الوظيفة أو الشغل، خاصة المنتسبين لكليات الآداب والعلوم الإنسانية، وضعف وثيـرة التوظيف في القطاعات الوزارية الأخرى، أخذا بعين الاعتبــار أعداد الخريجين من الجامعات كل سنة من حاملي الإجازة والماستر، وبالتالي، فإذا كان لابد من الاحتجاج، فمن الأجدر أن يكون حول الحق في الشغل، ولا يمكن أن نختزل ذلك في قطاع دون آخر، وهذا الحق المشـروع، يسائل الجامعات التي تخرج أفواجا من العاطلين كل سنة، لا تشفع لهم الشواهد التي يتحوزون بها في الولوج إلى سـوق الشغل، كما تسائل العلاقة بين العروض البيداغوجية المعتمدة في أغلب الجامعات ذات الاستقطاب المفتوح بالمحيط المهني، وقبل هذا وذاك، تسائل مسؤولية الدولة في ضمان الحق في الشغل والحياة الكريمة.

وعليه فالحكومة، التي تراهن على تحقيق” النهضة التربوية”، تبقى ملزمة بتقديم “حلول مبتكرة” لتوفير المزيد من فرص الشغل، كما تبقى ملزمة باستحضار أصوات من خرج إلى الشوارع احتجاجا على القرارات الجديدة، حرصا ليس فقط، على استقرارها وانسجامها وعلى الثقة الشعبية الممنوحة لها من قبل شرائح واسعة من المواطنين، بل وعلى النظام العام والسلم الاجتماعي، ونختم بالقول، أننا مع “الإصلاح” الذي من شأنه الرفع من قيمة وجاذبية المهنة وإعادة الاعتبـار لنسائها ورجالها، لكن، لن نكون إلا ضد أية توجهات رامية إلى ضرب المكتسبات وتكريس الهشاشة وإثارة المزيد من الجدل والاحتقـان، على أمل أن نتعايش مع إصلاح حقيقي يحظى بالرضى والقبول والإجمــاع، يخلصنا من جائحة “جدل”، يستدعي الرهان على “التلقيح”/ “الإصلاح” الناجع والفعال والمحفز والمتبصـر…

بقلم عزيز لعويسي المحمدية المغرب