Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

ملف المدرسين الموقوفين .. حجرة في بلغة النظام الأساسي المرتقب

بقلم: عزيز لعويسي

بعد أن وضعت معركة التعليم أوزارها، وعادت الأمور إلى سالف عهدها، بالعودة الجماعية إلى الفصول الدراسية، لا يمكن إلا التعبير عن مشاعر الأسف والتضامن مع المدرسين الذين طالهم سيف “التوقيف المؤقت” عن العمل، ومهما اتفقنا أو اختلفنا مع السلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية، حول الأسباب أو الدوافع، التي فرضت اللجوء إلى دق طبول الردع والزجر، ومهما تأسفنا في ذات الآن، على النضالات  “الاندفاعية” التي انتهت على إيقاع  الخضوع والانحناء، هناك ثوابت لامناص من الإشارة إليها:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وإذا ما تركنا الثوابت  المذكورة جانبا، هناك مبررات كثيرة تدعو اليوم، إلى طي  “ملف الموقوفين” أو ملف “الأساتذة ضحايا نظام المآسي”، لما له من آثار وانعكاسات نفسية واجتماعية ومادية على  المعيش اليومي للموقوفين وأسرهم، في سياق سوسيواقتصادي صعب وشاق، ومن تكريس لثقافة الرفض والعناد والصدام بين الشغيلة التعليمية والسلطة الحكومية  المكلفة بالتربية الوطنية، وهذه الثقافة آن الأوان للقطع معها، في سياق ما تعيشه المنظومة التربوية من محاولات ومساعي إصلاحية، لا يمكن البتة، كسب الرهانات المرتبطة بها،  ما لم يتم طي صفحة الماضي والقطع بشكل خاص، مـع ما أثاره نظام المآسي من احتقان غير مسبوق؛

 

وقبل الإفراج عن هوية النظام الأساسي الجديد في قادم الأيام، نأمل أن يتم التوصل إلى صيغة من التفاهم والتوافق، من شأنها الدفع في اتجاه الحل النهائي لملف الموقوفين، بما يضمن استعجال عودتهم إلى فصولهم الدراسية، في لحظة تربوية، تقتضي النظر إلى المستقبل والانخراط الفردي والجمعي في كسب رهانات ما يتم التطلع إليه من إصلاح وتحديث، وفي هذا الإطار، فإذا كانت السلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية، قد نجحت  في إخماد نيران الاحتجاجات بإشهار سلاح التوقيفات المؤقتة، التي عجلت بالعودة الاضطرارية إلى الفصول الدراسية واستدراك ما تبقى من الزمن الدراسي، فإنها لن تنجح البتة، في إتاحة ما يتطلبه الإصلاح، من أمن واستقرار وسلم وتعبئة ومسؤولية وانخراط والتزام وخلق وإبداع وتحفيز؛

 

وعليه، وحرصا على كسب رهانات إصلاح المنظومة التربوية، واعتبارا ما للتعليم الناجع والعادل والمنصف والمحفز والفعال، من دور في تحقيق الإقلاع التنموي المأمول، ومن باب “المصالحة” و زاوية “جبر الخواطر”، وحتى يكون النظام الأساسي المرتقب، نظام “سلم” و”ثقة” و”أمل” و”إرادة فردية وجمعية” في بناء أسس منظومة تربوية عصرية، عاكسة لمغرب البناء والنماء والتحديث والإصلاح والإشعاع، لا خيار اليوم، سوى طرح أسلحة “التحكم” و”الانتقام” والقطع مع خطاب “كسر العظام”، والجنوح الآني إلى “سلم حقيقي” يدفع في اتجاه إصلاح تربوي حقيقي يقطع مع زمن “التجريب” و”الارتباك” و”الارتجال”؛

 

وفي المجمل، فما عاشته المدرسة العمومية من احتقان غير مسبوق، تتحمل مسؤوليته الوزارة الوصية على القطاع ومن خلالها الحكومة التي أساءت التقدير، وهي تنزل “نظام للمآسي” كان بالإمكان تفادي مقتضياته المجحفة والظالمة، المكرسة لمهنة “الحكرة” وما فوقها وما تحتها، والشغيلة التعليمية، التي وقعت في المحظور، بإنتاجها لخطاب “المصلحة” و”الأنانية” و”الاندفاعية” و”التهور” و”الاتهام” و”التخوين”، بدل أن تبقى مركزة وملتزمة ويقظة وموحدة، لتحقيق المطالب في أبعادها “الشمولية”، في إطار من “الواقعية” و”الموضوعية” و”التبصر” و”بعد النظر”، و”النقابات التعليمية” التي ما كان لها أن تحقق ما حققته من مطالب مشروعة، لولا ضغط الشارع و”الانتفاضة” المباركة للشغيلة التعليمية، ونحن ندلي بهذه الملاحظات، ندرك أن اللحظة، هي فوق العتاب والإدانة والاتهام؛

 

ومعركة اليوم،  يجب عزلها عن قواعد “الربح” و”الخسارة” وتكتيك “التحكم” و”الاستقواء”، ولابد أن ننتصر جميعا كوزارة ونقابات وشغيلة تعليمية، بالإسهام الفردي والجماعي في تهيئة بيئة تربوية للعيش المشترك، مبنية على دعامات “الاحترام” و”التقدير” و”الاعتبار” و”التشارك”، لأن “أزمة المدرسة العمومية”، هي أكبر من نظام أساسي، هي أزمة “مناهج” متجاوزة، و”برامج” متهالكة، و”بنيات استقبال” رتيبة، و”حياة مدرسية” كئيبة و”ساعات عمل” مرهقة، هي أزمة “اكتظاظ” و”هدر” و”غش”، هي أزمة إفلاس قيمي وأخلاقي”، هي أزمة “أسر” لم تعد تتحمل مسؤولياتها في التربية والتنشئة الاجتماعية…، هي باختصار، أزمة “مدرسة عمومية” أرهقتها مساحيق التجميل ولو يعد وجهها يحتمل، وأزمة “مدرس/ة”، لا إصلاح ولا خارطة طريق ولا ريادة ولا جودة، إلا إذا تمت إحاطته بكافة شروط التحفيز والتقدير والاحترام  والاعتبار، وتم الارتقاء به إلى مستوى “الشريك” في معركة الإصلاح والتحديث…، عوض الإبقاء عليه في موضع “المفعول به” أو “المفعول فيه”، وفي منزلة “الحيط القصير”، الذي تعلق عليه كل الخطايا ما ظهر منها وما بطن؛

 

ونختم بتجديد التضامن مع الموقوفين، آملين أن يعودوا إلى أقسامهم في أقرب الأوقات الممكنة، وبدعوة الشغيلة التعليمية، إلى طرح أسلحة الأنانية المفرطة والابتعاد قدر الإمكان عن خطاب التهور والاندفاع، والتحلي بما تقتضيه المرحلة، من “حكمة” و “مسؤولية” و”التزام” و”تبصر”، واستحضار أن القوة تتجسد في الوحدة والتعقل والترافع الواعي والمواطن، عن كل الملفات والقضايا، التي من شأنها الدفع في اتجاه “أنسنة بيئة العمل”، وبلوغ مرمى “مدرسة عمومية” عصرية، بانية للقيم الوطنية والدينية والإنسانية، وصانعة للأمل والحياة، ومقوية لمحبـة وطن، بقدر ما نسكن فيه بقدر ما يسكننا. ومهما قيل أو ما يمكن أن يقال، يبقى ملف المدرسين الموقوفين، عبارة عن “حجرة” موجعة ومؤلمة، في بلغة نظام الأساسي المرتقب الإفراج عنه، ولا خيار للتوجه نحو المستقبل، إلا باستعجال إزالتها…