Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

من التغريدات الى الاحتجاجات: جيل زيد بالمغرب نحو فهم شامل لوعي جديد””الجزء الثالث””

وفي ما يتعلق بالدين، يظهر الجيل توجها نحو التدين الفردي الذي يركز عل التجربة الذاتية أكثر من الالتام بمؤسسات الضبط الدي بين التقليدية. وهو تدين يقوم عل الانتقائية، حيث يستند الفرد إلى ما يلائم مساره الشخصي دون التقيد بالنسق الكامل للمراجع الفقهية أو الخطاب الوعظي الكلاسيكي. وقد ساهمت المنصات الرقمية ووفرة المحتوى اليت في تشكيل هذا النمط، إذ أصبح الوصول إلى المعرفة الدينية يتم خارج الأطر الرسمية، ما عزز استقلالية الفرد في اختيار مصادره وتقييمها. ولا يعتبر هذا التوجه تراجعا عن الدين باعتباره مرجعا قيميا، بقدر ما يعكس انتقاله إلى مستويات جديدة من الممارسة والتل في تتناسب مع بنية معرفية تتسم بالشعة والانفتاح والتعدد. ويجمع هذا الجيل بين نزعة نحو الاستقلالية الفردية ومسعى دائم لبناء هوية متوازنة في ظل بيئة تشهد تحولات شيعة. فهو لا يقطع مع القيم الجماعية، لكنه يعيد قراءتها بما يخدمتصوراته للعدالة والإنصاف وإمكانات التحقق .وفي هذا الإطار، تظهر مقارنته المستمرة مع تجارب عالمية معروضة رقميا، باعتبارها مرجعا لتقييم وضعه ، ما يعمق الحساسية تجاه الفوارق ويولد رغبة متزايدة في المطالبة بإصلاحات تؤسس لمشهد اجتما عي اكثر عدالة وتكافؤا للفرص. و تتشكل منظومة قيمية تتسم بالمرونة، وتتحرك ضمن توازن دقيق بين المحافظة عل ثوابت المجتمع والبحث عن مسارات تجديد تلائم خصوصيات المرحلة.

إن هذا التحليل يبرز أن القيم والمواقف العامة لدى جيل زيد ليست مجرد صدى لتحولات المجتمع، بل تمثل تبعات عن وعي جديد يعاد تشكيله باستمرار تحت تأثير  التعليم والتقنية والاتصال. ولهذا فإن فهم هذه المنظومة القيمية يشكل مدخلا حاسما لتفسير أنماط السلوك العام  والخيارات التي يتبناها الجيل في مختلف المجالات، تمهيدا للفقرة الموالية من هذا المحور.

الفقرة الثانية: أنماط السلوك العملي واليومي

تتجل أنماط السلوك العام واليو مي لدى جيل زيد في شبكة معقدة من الممارسات التي أعادت تعريف علاقة الفرد بالمجتمع والمؤسسات، وأظهرت انتقالا واضحا من السلوكيات التقليدية إلى أخرى أكثر ارتباطا بالتحولات الرقمية والاقتصادية والاجتماعية

التي وسمت العقود ، هذا التحليل أهميته لأنه يتيح فهما دقيقا للكيفية التي يدير بها الجيل علاقته بالحياة العامة، وبفرص الشغل، وبالتقنية، وبالفضاءات المدنية التي باتت تشكل أساسا جديدا للتعبير  والتأثير . كما يتيح تفسير  التوترات والانتظارات التي يحملها الجيل تجاه الدولة والفاعل ويفسر في   الوقت ذاته مصادر قوته ومكامن هشاشته.

تشكل المشاركة المدنية أحد أهم المداخل التي تعكس دينامية هذا الجيل، إذ لم يعد مفهوم المشاركة محصورا في التصويت أو الانخراط الحز بي، بل أصبح يمتد إلى أنماط جديدة من التعبير، تقوم عل المبادرات المحلية، والعمل التطوعي المرن، وحملات المناضة الرقمية التي باتت تحيط  بقدرة متزايدة عل التأثير. ويظهر هذا التحول .في انتقال الشباب من انتظار الفاعل في التقليدي  إلى خلق مساحات جديدة للتدخل، تتسم  على قضايا محددة مثل جودة الخدمات العامة، وشفافية التدبير، والعدالة البيئية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية. هذا النوع من المشاركة يقوم عل منطق الحدث والاستجابة الشيعة، حيث يتم تجميع الفعل حول هدف دقيق، ثم تفكيكه بمجرد تحقق ذلك الهدف. وتبدو هذه المشاركة مختلفة جذريا عن الأنماط الكلاسيكية التي كانت تقوم على الولاء التنظيم والانتماء الطويل المدى. ويرتبط هذا الشكل الجديد من المشاركة بوعي متزايد  لدى الجيل بدوره كفاعل مستقل، قادر عل تحريك النقاش العمو مي بوسائل بسيطة لكنها فعالة. فقد ألغت المنصات الرقمية الكثير من حواجز الولوج إلى الفضاء العام، ما سمح للشباب بامتلاك أدوات التأثير دون الحاجة إلى وساطة مؤسساتية. وبذلك تحول المجال المدني إلى فضاء متعدد الطبقات، حاضر في الشارع بقدر حضوره في الشبكة، وتحول الفعل الاجتما عي من فعل يتأسس على االانتماء إلى فعل يقوم عل المهارة والقدرة عل إنتاج المحتوى وإدارة النقاش. ومن ثم أصبحقياس فاعلية المشاركة لا يقاس بنوعية التنظيم الذي ينتمي إليه الفرد، بل بمدى القدرة عل خلق أثر، وبشعة انتشار الفكرة، وبمستوى التفاعل الذي يحدثه.

أما عل مستوى استراتيجيات التوظف، فيتضح أن الجيل يتعامل مع سوق الشغل بمنطق مختلف عن الأجيال السابقة، إذ لم يعد المسار  طريقا خطيا يمتد من التكوين إلى العمل، بل أصبح مسارا متعدد الاتجاهات، يخضع لاعتبارات القدرة عل اكتساب مهارات قابلة للتحديث الدائم. ويفضل الجيل الأعمال التي توفر مرونة جغرافية وتنظيمية،مثل العمل الحر، أو العمل عن بعد، أو المشاريع الريادية الصغ يرة  التي تمنحه قدرا أكثر من التحكم في شروط الإنتاج. ويعود هذا التفضيل إلى شعوره بأن نموذج الشغل التقليدي، بما يتضمنه من تراتبية وبطء في ال :تقية وضامة . يف الال : .تام الزم . يت، أقل قدرة عل تحقيق التوازنب  .ي الجانب المه . يت والحياة الخاصة. وقد ساهم التحول التكنولو جيفي توسيع خيارات الجيل المهنية، سواء عبر المنصات التي توفر فرص العمل السريع، أو عبر مسارات التعلم الذاتي التي تمنح مهارات جديدة دون التقيد بالمؤسسات التعليمية الرسمية. وأدى ذلك إلى ظهور تصور يربط النجاح المه . يت بالقدرة عل التكيف والابتكار، أكثر مما يربطه بالاستقرار أو الاندماج الطويل داخل نفس المؤسسة. كما عززت التجارب المتداولة رقميا صورة نمطية جديدة للعمل الناجح، تقوم عل الاستقلالية والريادة وتحقيق نتائج سرعة، ما أثر في توقعات الجيل ودفعه إلى إعادةرسم معايير النجاح بعيدا عن الأطر الكلاسيكية االتي

و في السياق الاقتصادي نفسه، يظهر الجيل استعدادا اكثر للمجازفة مقارنة بالأجيال االسابقة، لكنه استعداد محسوب، يستند إلى البحث عن مسارات مبتكرة  في مجالات التكنولوجيا، والتجارة الإلكترونية  والخدمات الرقمية، والعمل السريع ويكشف هذا السلوك عن ميل قوي إلى بناء مشاريع صغ ، وإلى التجريب في مسارات مهنية متعددة قبل الاستقرار عل خيار رئيسي. ويرتبط هذا الميل بالبيئة الرقمية التي تشجع عل تسريع التجارب وتوفير نماذج قابلة للتقليد، فضلا عن سهولة الدخول إلى السوق عبر أدوات بسيطة. ومع ذلك، يظل هذا المسار محفوفا بتحديات تتعلق بضعف الحماية الاجتماعية، وعدم استقرار الدخل، وتفاوت القدرة عل الاستمرار، و هي تحديات تشكل مصدر قلق دائم داخل الجيل. وترتكز الفضاءات الرقمية باعتبارها الأداة المركزية لتدبير الحياة اليومية لدى الجيل، إذ لم تعد هذه الفضاءات مجرد وسيلة تواصل، بل تحولت إلى إطار شامل ينظم العلاقات الاجتماعية، ويحدد آليات التفاعل، ويعيد توزيع المكانة الرمزية بين الأفراد. فالتواصل عبر المنصات يعكس نمطا جديدا من الارتباط، يقوم عل الحضور المستمر، والقدرة عل إنتاج محتوى يعبر عن الذات، والبحث عن الاعتراف من داخل مجموعات رقمية متعددة. هذا الارتباط أدى إلى نشوء علاقات اجتماعية أك ثر سعة لكنها أقل رسوخا، وأصبح معيار القرب قائما على التفاعل اليومي لا على الجوار الجغرا في أو الروابط التقليدية.

كما فرضت الفضاءات الرقمية إعادة تعريف مفهوم الوقت، حيث أصبح الإيقاع السريع معيارا لتنظيم اليوم، وتراجعت الفواصل التقليدية بين العمل  والتعلم. وأدى ذلك إلى ارتفاع مستوى الاستهلاك المعر في اليو مي، لكنه استهلاك يتسم ، ما خلق تحديات تتعلق بمدى القدرة على التركيز وعلى بناء رؤية متماسكة، وفي الوقت ذاته عزز قدرة الجيل عل التنقل السريع   بين المهام، وعلى استيعاب معلومات متعددة المصدر.

وهذه القدرة تمثل أحد العناض المركزية في بنيته السلوكية، بما تحمله من إمكانات وفرص، وما تطرحه من مخاطر تتعلق بإرهاق الانتباه وإضعاف جودة .

وإلى جانب الجانب المعلوما تي تؤثر الفضاءات الرقمية في سلوك الجيل من خلال إعادة صياغة مفهوم المكانة الاجتماعية. فالظهور لم يعد مرتبطا بالموقع الاقتصادي أو المعر في، بل بالقدرة عل إدارة الصور والرسائل والتفاعلات. وقد أدى ذلك إلى بروزمجموعات رقمية تشكل بديلة عن البنيات الاجتماعية التقليدية، توفر للفرد الاعتراف  الذي يبحث عنه، وتمنحه إحساسا بالانتماء يتجاوز حدود الواقع المبا شر. هذه المجموعات قد تكون مصدرا للقوة حين تمنح دعما رمزيا ومعلوماتيا، لكنها قد تكون أيضا مصدرا للهشاشة حين تفرض معايير مثالية غير  قابلة للتحقق في الحياة الواقعية، ما يخلق فجوة بين الذات الرقمية والذات الفعلية.

ويمتد أثر هذه البنيات الرقمية إلى السلوك الاستهلاكي للجيل، الذي أصبح يرتكز عل المقارنة الشيعة بين الخيارات، وعلى الانتقاء القائم عل المعلومة المبا شرة، وعلى الربط بين جودة الممارسات التجارية وقيم الشفافية والمسؤولية. وأدى هذا التحول إلى و عي أكثر بحقوق المستهلك، وإلى ميل نحو العلامات التجارية التي تظهر .تاما بالقضايا البيئية والاجتماعية. وفي هذا السياق، يظهر الجيل سلوكا نقديا تجاه الشركات والمؤسسات التي لا تواكب هذا التوجه، ما يؤ رش عل انتقال الاستهلاك من مجرد عملية اقتصادية إلى فعل قيم يعكس الموقف من النظام الاقتصادي والاجتما عي.

وبذلك يتشكل لدى جيل زيد نمط سلو يك يتداخل فيه ما هو اقتصادي ومد . ين ورق يم، ضمن بنية واحدة تعيد صياغة علاقة الفرد بالزمن والمكان والفرصة. إنه سلوك يعكس بيئة تعرف تسارعا مستمرا . يف المعطيات، وتفرض عل الفرد أن يكون . يف حالة يقظة دائمة، وأن يعيد بناء موقعه باستمرار داخل شبكة واسعة من العلاقات. ومع أن هذا السلوك يمنح الجيل مرونة وقدرة عل التكيف، فإنه . يف الوقت ذاته يولد شعورا دائما بعدم الاستقرار، وبالحاجة إلى دعم مؤس  يس قادر عل مواكبة هذا الإيقاع، وهو ما يجعل فهم هذه الأنماط السلوكية شرطا .ضروريا لفهم علاقة الجيل بالدولة وبالشأن العام في المحاور اللاحقة.

     المحورالثالث: موقع الجيل في البنى السياسية والمؤسسية

يشكل موقع جيل زيد داخل  السياسية والمؤسسية أحد المؤ رشات الحاسمة لفهم مسارات التحول الاجتماعي والسيا سي الراهن، إذ يعكس هذا الموقع طبيعة العلاق بين  الأجيال الصاعدة ومؤسسات الدولة، كما يبرز مستوى اندماجهم في آليات صناعة القرار ومجالات المشاركة العامة. وتتيح دراسة هذا المحور الإحاطة بحدود التمثيل المتاح ومحددات المبادرة السياسية، والعوائق البنيوية التي تحد من قدرة الجيل عل الولوج الفعلي إلى دوائر التأثير ويكتسي هذا التحليل أهمية خاصة بالنظر إلى ما يميز الجيل من رؤى جديدة للسياسة، ورغبة متزايدة في صياغة مسارات مختلفة عن أنماط المشاركة التقليدية.

  الفقرة الأولى: تحليل علاقات الجيل مع الفاعلين السياسيين والمؤسسات الرسمية

تشكل علاقة جيل زيد بالفاعلين السياسيين والمؤسسات الرسمية مسارا معقدا من التفاعل والتباعد في آن واحد، وهو مسار يعكس طبيعة التحولات العميقة االتي  مست بنية النظام السياسي وأنماط المشاركة العمومية خلال العقدين الأخ يرين. فمع توسع الفضاء الرقمي، وتغير  مصادر المعرفة، وارتفاع مستوى الو عي بما يجري داخل المؤسسات، لم يعد الجيل يتعامل مع السياسة باعتبارها مجالا تحكمه وساطة مطلقة للفاعل الحز ر ين أو للعلاقة الزبونية التقليدية، بل أصبح ينظر إليها باعتبارها آلية لتدبير الشأن العام، وقناة لتصحيح مسارات الدولة، وفضاء لتحديد شكل المستقبل الجما عي. غير أن هذا التحول  في رؤيةالجيل لم يواكبه تطور مماثل في أداء المؤسسات أو الفاعلين، مما جعل طبيعة العلاقة بين الطرف ين محكومة بفجوة متنامية بين توقعات الجيل وقدرة المنظومة عل الاستجابة. وترتكزهذه الفجوة بداية  في مسألة التمثيل السيا سي، حيث يكشف تحليل البنية المؤسساتية عن محدودية الإدماج الفاعل للشباب داخل المراكز الحزبية ومواقع القرار المح يل وال   ي.وطت. فالأحزاب، رغم إقرارها الرسمي صرورة تجديد نخبها، ظلت متمسكة بهياكل تنظيمية تعيد إنتاج نفس آليات الانتقاء، وتضع معايير مرتبطة بالولاء الداخ يل أكثرمما هي مرتبطة بالكفاءة أو القدرة عل الابتكار. ونتيجة لذلك، يجد جيل زيد نفسه أمام قنوات تمثيل شكلية أكثر مما  يه فعلية، حيث يمنح حضور رمزي في اللوائح أو الأجهزة، دون أن يق :تن هذا الحضور بسلطة تقريرية أو بهامش مؤثر . يف صناعة القرارات الحزبية أو توجيه برامجها. وتزداد هذه الفجوة وضوحا مع ضعف الممارسة الداخلية للديمقراطية التشاركية داخل العديد من التنظيمات، ما يجعل فرص ترسيم مساهمة الجيل متواضعة، رغم توفره عل رأسمال معرفي وقدرة تحليلية أكثر نضجا من الأجيال السابقة.

كما ينعكس هذا الوضع عل علاقة الجيل بالمؤسسات الرسمية، إذ يواجه الشباب بنية مؤسسية ما تزال قائمة عل منطق الهرمية، والتدرج الصارم في الولوج إلى المسؤوليات، واعتماد معايير  تقنية وإدارية معقدة، تجعل الوصول إلى مواقع التأثير  مسارا طويلا لا يتناسب مع شعة التغيرات التي يعيشها الجيل. وتظهر هذه الصعوبة .في الإدارة العمومية، التي وإن دخلت مسارا إصلاحيا يستهدف تحسين جودة الخدمة وتبسيط المساطر، فإنها لا تزال تستند إلى قواعد وأعراف تعيق دمج الفئات الشابة في مستويات المسؤولية. وينطبق الأمر ذاته عل المؤسسات الاستشارية والمجالس المنتخبة، حيث يستمر حضور الشباب ضعيفا من حيث التمثيل ومن حيث القدرة عل التأث ير فيالقرار، رغم تعدد المبادرات التي حاولت عزيز هذا الاندماج عبر آليات الكوطا أو برامج صقل المهارات القيادية.

وإذا انتقلنا إلى تحليل هامش المبادرة السياسية المتاح لجيل زيد، يتبين أن الإطار القانو ني والمؤسسا تي يوفر نظريا آليات متعددة للمشاركة، من العرائض والملتمسات، إلى المسارات المفتوحة داخل المجالس ال :تابية، غير  أن الممارسة تكشف عن فجوة بين النصوص والتطبيق. فالتفاعل الإداري مع هذه الآليات ما يزال محدودا، كما أن المتطلبات التقنية ال : يت تفرضها الإجرائية القانونية • من حيث جمع التوقيعات، أو صياغة المطالب، أو تحديد الصلاحيات • تجعل القدرة الفعلية عل توظيفها مقتصرة عل فئات تمتلك خ رتة قانونية وتنظيمية غير متاحة لجميع الشباب. ويؤدي هذا الواقع إلى انكماش هامش المبادرة لدى الجيل، الذي يجد نفسه أمام قنوات مشاركة بطيئة في الأداء، وغير متكيفة مع شعة القضايا التي تشغله، خصوصا في مجالات التشغيل، الحريات الفردية، العدالة الاجتماعية،

وجودة الخدمات العمومية. أما علاقة الجيل بالفاعل ، فتتخذ شكلا أكثر  تعقيدا، إذ ت :تاوح ب .ي الاع :تاف بأهمية الأحزاب كقناة دستورية للحياة السياسية،   . وبي عدم الثقة  ي.ف قدرتها عل ترجمة تطلعات الشباب بسبب استمرار ممارسات تقليدية . يف التسي ت و . يف اختيار المرشح .ي، إضافة إلى ارتباط جزء من الأحزاب بشبكات نفوذ محلية تحد من تجديد نخبها. وهذا التوتر يجعل جيل زيد يميل إلى المشاركة في الفعل العمو مي من خارج الهياكل الحزبية، عبر منصات رقمية، أو مبادرات مدنية مستقلة، أو حملات موضوعاتية تتناول قضايا محددة. وقد أدى هذا التحول إلى بروز نمط جديد من الفعل السيا  يس يقوم عل الضغط الرأ ي ين والإعلا يم، لا عل العمل التنظي يم الطويل المدى. وهو نمط يعكس تحولا . يف مفهوم السياسة نفسها لدى الجيل، من الانخراط المؤسسا : ين إلى الانخراط القائم عل التفاعل مع القضايا، وإنتاج رأي

عام مستند إلى المعرفة الرقمية وإلى شعة تداول المعلومات.ورغم ذلك، لا يمكن اعتبار هذا الابتعاد عن الأحزاب تعب تا عن عزوف سيا  يس، بل هو . يف جوهره تحول ر يف أنماط المشاركة، إذ يرفض الجيل الوساطة التقليدية، ويعت رت أنالفضاء الر  يقم أك رت ملاءمة لتكوين المواقف وصياغة الخطاب والاحتجاج والتأث ت . يف اتجاهات الرأي العام. وقد مكّن هذا الفضاء الجيل من بناء شبكات واسعة تتجاوز الحدود ال :تابية والمؤسساتية، وتخلق رأيا عاما ضاغطا . يف عدد من القضايا، مثل حقوق الإنسان، جودة الخدمات الصحية والتعليمية، السياسات الاجتماعية، والعدالة المجالية. غ ت أن هذه المشاركة الرقمية تواجه حدودا موضوعية، أهمها أنها لا تنتج تأث تا مؤسسيا مستقرا ما لم تتحول إلى مبادرات ذات إطار قانو ي.ن وتنظي  يم، وهو ما لا يتحقق دائما بسبب ضعف التنسيق ب .ي الفاعل .ي الشباب وعدم توفرهم عل دعم مؤسسا : ين يسمح بالاستمرارية.

ويتخذ التفاعل   . بي الجيل والمؤسسات بعدا آخر يتعلق ب•  رشعية المؤسسة السياسية نفسها. فالجيل، الذي نشأ في سياق تتداخل فيه الحوكمة العالمية بالسياسات الوطنية، أصبح أك رت وعيا بأهمية المساءلة والشفافية وجودة الحكامة. وهذا الو يع يجعله أقل استعدادا لمنح رشعية مطلقة للمؤسسات دون مقابل ينعكس . يف الأداء. وبالتا يلى، فإن أي خلل . يف تقديم الخدمات أو ضعف . يف الاستجابة للمطالب يولد ردود فعل نقدية واسعة، خاصة عل المنصات الرقمية. غ ت أن هذا النقد لا يستهدف تقويض ال رشعية، بل يسعى إلى دفع المؤسسات نحو الإصلاح، ما يع . يت أن الجيل يمتلك تصورا مختلفا عن ال رشعية، يقوم عل الم رشوعية الإنجازية، لا عل ال رشعية الرمزية المرتبطة بالتاريخ أو الانتماء.وتتعمق علاقة الجيل بالدولة مع بروز سؤال الوصول إلى مواقع القرار، وهو سؤال يرتبط بعوامل متعددة، من بينها طبيعة منظومة التعي .ي وال :تقية داخل الإدارة العمومية، وتوازنا المشهد السيا سي،  روشوط التنافس الانتخا يرن، ومرتكزات الثقافة السياسية  ي.ف المجتمع. فالجيل يمتلك قدرات معرفية ومهارات تقنية تسهل عليه الاندماج الشي••••ع . يف مؤسسات الدولة، غ ت أن العوائق البنيوية • مثل ضعف المرونة . يف المساطر، واستمرار نمط النخبة التقليدية، وال :تاتبية الإدارية • تجعل عملية الوصول إلى المسؤوليات العليا مسارا محدودالأثر. ويؤدي هذا الوضع إلى شعور عام لدى الجيل بأن المؤسسات غ ت قادرة عل استيعاب كفاءاته، ما يدفع جزءا منه نحو البحث عن فضاءات بديلة للتأث ت، سواء ع رت المقاولة الابتكارية أو ع رت العمل المد . ين المستقل أو ح :ت ع رت الهجرة. ومن جهة أخرى، يرتبط موقع الجيل بقدرة الفاعل .ي السياسي .ي عل إدراك التحولاتفي بنيته القيمية ورؤيته للسياسة. فالجيل لا ينظر إلى السياسة بمنطق الصراع أو الاستقطاب، بل بمنطق الحلول العملية، والتحس .ي التدري ر يخ، والاستجابة الشيعة. وهذا التحول يعيد تعريف دور الفاعل السيا  يس، ويضعه أمام مسؤولية تب . يت خطاب جديد يبتعد عن الصياغة الإيديولوجية الجامدة، ويتجه نحو معالجة القضايا بطريقة مبا رشة وملموسة.غير أن عددا من الفاعلين لم يستوعب بعد هذا التحول، مما يجعلهم خارج دائرة اهتمام الجيل، ويحد من قدرتهم عل بناء علاقة تواصلية فعالة معه.وفي ضوء هذه العناض، يبدو أن علاقة جيل زيد بالمؤسسات والفاعلين السياسيين تتسم بطابع انتقالي يعكس مرحلة إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالجيل لا يرفض المؤسسات، لكنه يطالب بإعادة بناء هذه العلاقة عل أساس الشفافية والكفاءة والمسؤولية. وهو لا يعزف عن السياسة، لكنه يرفض أشكالها التقليدية، ويبحث عن مسارات جديدة تسمح له بالمشاركة دون أن يفقد استقلاليته. كما أنه لا يرفض الانخراط في مؤسسات الدولة، لكنه يواجه عوائق تجعل اندماجه صعبا، خاصة في ظل بطء الإصلاحات التنظيمية والبنيوية.