ذ/ عبد الغني لزرك، البئر الجديد
 تحتضن كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، التابعة لجامعة ابن زهر، يوم الخميس 05 نونبر 2026، الدرس الافتتاحي للسنة الجامعية 2026-2027، الذي تنظمه شعبة التاريخ، تحت عنوان: «الأركيولوجيا الإسلامية بالمغرب: التطور التاريخي والتحديات والرهانات المستقبلية»، ويؤطره الدكتور عبد الله فلي، أستاذ التاريخ والآثار الإسلامية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة. ويكتسي هذا اللقاء العلمي أهمية خاصة بالنظر إلى راهنية موضوعه، وما يطرحه من أسئلة تتصل بمسار البحث الأثري بالمغرب، وإسهامه في الكشف عن جوانب من التاريخ الحضاري للمملكة، من خلال دراسة الشواهد المادية واستنطاق المواقع الأثرية والمعالم التاريخية التي تختزن ذاكرة المجتمعات وتحولاتها عبر الزمن. وتبرز أهمية هذا الموعد الأكاديمي أيضا من خلال المسار البحثي والميداني للدكتور عبد الله فلي، الذي راكم تجربة علمية في الاشتغال على عدد من المجالات الأثرية والتاريخية بالمغرب، بدءا من أبحاثه المرتبطة بالخزف بمدينة فاس خلال العهد المريني، باعتباره شاهدا ماديا على تطور الصناعات الحرفية والفنية والحياة الاقتصادية والثقافية داخل الحواضر المغربية، مرورا باشتغاله على مواقع تاريخية وأثرية من قبيل إيكيليز وأغمات وتينمل، وصولا إلى أبحاثه ومساهماته الأثرية بمناطق الجديدة وأزمور واثنين الغربية. وتكشف هذه المجالات البحثية المتنوعة عن تعدد زوايا الاشتغال في دراسة التراث الأثري المغربي، حيث لا تقتصر الأركيولوجيا على التنقيب عن البقايا العمرانية واللقى المادية، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة تركيب المشهد التاريخي وفهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، اعتمادا على الأدلة الأثرية وربطها بالمصادر التاريخية. وفي هذا السياق، تكتسي دراسة الخزف أهمية بالغة باعتبارها مدخلا لفهم تطور الحرف والصناعات التقليدية، وشبكات الإنتاج والتبادل، والذوق الفني والجمالي الذي ميز الحواضر المغربية، لا سيما خلال الفترات التي شهدت ازدهارا عمرانيا وحضاريا، كما هو الشأن بالنسبة إلى مدينة فاس في العهد المريني. أما المواقع الأثرية والتاريخية، من إيكيليز وأغمات إلى تينمل، فتشكل شواهد مادية غنية لفهم التحولات السياسية والعمرانية والحضارية التي عرفها المغرب، فيما تتيح الأبحاث المرتبطة بمجالات الجديدة وأزمور واثنين الغربية توسيع دائرة المعرفة الأثرية لتشمل مجالات جغرافية وتاريخية متعددة، بما يعزز قراءة أكثر شمولا للتراث المغربي وتنوعه. ومن المنتظر أن يشكل الدرس الافتتاحي مناسبة لتسليط الضوء على تطور الأركيولوجيا الإسلامية بالمغرب، من حيث مناهج البحث وتقنيات التنقيب والتوثيق والتحليل، فضلا عن إسهامها في مراجعة بعض المعطيات التاريخية وإغناء المعرفة بالماضي المغربي، اعتمادا على التكامل بين الوثيقة المكتوبة والشاهد الأثري. كما يفتح موضوع المحاضرة النقاش حول التحديات التي تواجه البحث الأثري، وفي مقدمتها حماية المواقع التاريخية من الاندثار والتدهور، وتطوير آليات التوثيق والصيانة، وتعزيز البحث العلمي المتخصص، وتوظيف التقنيات الحديثة في دراسة التراث وتثمينه، إلى جانب تقوية التعاون بين الجامعة والمؤسسات المعنية بحماية الموروث الثقافي. ولا تنحصر رهانات الأركيولوجيا الإسلامية في استعادة صفحات من الماضي، بل تمتد إلى ترسيخ الوعي بقيمة التراث باعتباره جزءا من الذاكرة الجماعية والهوية الحضارية للمغرب، ومصدرا أساسيا لإنتاج المعرفة التاريخية، فضلا عن دوره في التنمية الثقافية والسياحية. ويأتي تنظيم هذا الدرس الافتتاحي ليؤكد انخراط الجامعة في مواكبة القضايا العلمية المرتبطة بالتاريخ والتراث، وحرصها على فتح فضاءات للحوار وتبادل التجارب بين الباحثين والطلبة والمهتمين، بما يعزز حضور البحث الأثري داخل المشهد الأكاديمي والثقافي. إن التنقيب في طبقات الأرض واستنطاق الشواهد المادية ليس مجرد بحث عن آثار الماضي، بل هو سعي إلى استعادة الذاكرة الحضارية للمغرب وإعادة قراءة تاريخه من خلال ما تركته الحضارات المتعاقبة من بصمات مادية وثقافية، في أفق حماية هذا الإرث وصونه ونقله إلى الأجيال المقبلة.