بقلم مصطفى فاكر الشماعية
كان للمغرب موعدا عالميا بتألق الكرةالمغربية لأقل من 20 ،ورفرفت راية المغرب عالية في منصة التتويج،بعدما تمتع المواطن المغربي بقتالية و مهارة أولاد الشعب ،وبرهنوا للعالم أنهم أسود فعلا على أرض الواقع وعلى صفحات المواقع،همهم الوحيد في ذلك حبهم لوطنهم وأن غيرتهم على وطنيتهم تحدت الحدود.
لحظات تاريخية لا تنسى وفرحة كبيرة لا توصف،وحناجر بحت من كثرة الصراخ و الهتافات ،لافرق في ذلك بين الجبل و السفح ،أو بين غني و فقير،بل وثقت عدسات الكاميرا خروج الملك محمد السادس إلى الشارع رافعا راية المغرب يشارك شعبه نشوة الانتصار في ارتباط وتلاحم وطيد بين العرش و الشعب ،يجمعهم قاسم مشترك هو تفانيهم في حب الوطن،و الذوذ عنه بالغالي و النفيس،ولا يدخرون جهدا في سبيل النهوض به ليرتقي في مصاف الكبار،وهذه نعمة لا يهبها الله إلا لمن أحبه وزرع خصلة الايثار في قلبه،فالشعب المغربي يفضل و يوثر على نفسه نشوة الفرح على من سواها ويقدم مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
لابد أن نمنح لأنفسنا فسحة الفرح و أن نحتفي معا بفرحة بطل العالم،و نحيي بكل فخر شباب المغرب لأقل من 20سنة الذين رفعوا راية المغرب عاليا و أثبتوا أن الإصرار و الإيمان بالقدر يصنعان المعجزة.
هذه اللحظات من البهجة الوطنية ليست مجرد حدث عابر ،بل هي جرعة أمل و رسالة بأن المغرب بلد يملك طاقات شابة قادرة على التألق متى توفرت لها الشروط.
لا يجب أن ينسينا الفرح وقت الجد ،فمسؤولياتنا لا تتوقف عند لحظة التصفيق و التشجيع،بل تمتد إلى ورش العمل الكبير حيث تنتظرنا رهانات كثيرة،وضمان حسن تدبير المال العام ،لذلك فإن العودة إلى تتبع تنزيل ميزانية 2026تمثل خارطة طريق لترشيد النفقات و ترتيب الاولويات وتوجيه الموارد نحو ما ينفع المواطن و الوطن.
الفرح يمنحنا الطاقة و العمل يمنحنا الاستمرارية،وبين لحظة إنجاز رياضي تشعل فيها الحماس،ولحظة قرار مالي يرسخ التنمية،يبنى وطن ،يفرح و ينهص في الوقت نفسه،رغم ما يكابده و يعانيه من تدهور و خصاص تنموي طافح في التعليم و الصحة و شح الماء في الارياف و المداشروالمراكز الحضرية.
لقد تم فهم المواطنة الحقة والإنتماء لهذا الوطن بشكل معكوس و مقلوب ،و أصبح الإهتمام بالعشب الأخضر و بالملاعب و المدرجات أولى من المستشفيات و المدارس و توفير الماء،وصار الانتصار في مقابلة دليل على التقدم و الازدهار،بينما الاحياء الشعبية المهمشة التي يعيش فيها بعض اللاعبين تظل غارقة في الحرمان ،وعند أول فرصة يغادر اللاعب المشهور حيه المحروم.
الوطنية الحقة لا تسير في لحظة من لحظات حياة الانسان ولاتستقيم و المواطن ينهكه المرض و لا يجد سريرا في المستشفى يضمد جراحه و يسكن آلامه.التشجيع و التصفيق لا يشفي غليل الضمآن الذي لا يجد قطرة ماء يطفئ بها عطشه،الذهاب إلى الملاعب الرياضية من أجل المساندة لا يحل المشاكل التعليمية،وما تعانيه الأسر المغربية من مصروف الجيب وغلاء المعيشة والبطالة في صفوف بناة المجتمع.
هناك أولويات يجب أن تصان،فحين تبنى الملاعب وتجهز بمليارات الدراهم وتبقى المستشفيات في المغرب العميق بدون أدوية و لامستلزمات طبية،وموصدة على الدوام،فإن السؤال لا يكون ضد الرياضة،بل من أجل العدالة في توزيع الثروة.
حقا أن الملاعب الرياضية تصنع الفرجة للحظات وتخدر آلام الفقر وتخفي صورة المغرب غير النافع لكنها لا تستأصل الورم والمرض المدفون في الأعماق،فهو ينمو و يكبر و يتشكل،وقتئذ ينتفض و ينقض ضد حامله.
إن الذين يدعون إلى مقاطعة الملاعب الرياضية لا يكرهون معشوقة الجماهير لعبة كرة القدم،بل يحبون أن تكون في بلد عادل و متوازن،لا في بلد تبنى فيه المدرجات و تهدم فيه منازل ودور الطبقة الفقيرة. الروح الوطنية السليمة ليست في الصراخ من أجل هدف في مرمى الخصم بل صراخ ضد عدو أخطر و أكثر ضررا ،صراخ ضد الفقر و المرض و الجوع و العطش.
نعم لبناء الملاعب الرياضية و الاهتمام بها إذا كانت بالفعل تروم بناء الانسان وتحصنه من الانحراف و التطرف.نعم لبناء المستشفيات و تجهيزها و توفير الاطباء و الادوية حتى إذا قصدها المواطن الكادح ،ولقي فيها الإهتمام و العناية ،يحس بإنسانيته لا تمرغ في الأرض و بكرامته لا تدوس عليها الأرجل. نعم لبناء المدارس و الجامعات و المعاهد العلمية نزاحم بها الركب ونغزو بها العالم.نعم لبناء إقتصاد وطني متين يعتمد على الاكتفاء و الجودة بدون تبعية و لا إملاءات.فإذا استطعنا أن نوفر هذه المطالب و نحقق هذه الامنيات آنذاك نصرخ أن حكومتنا فيها سبوعة رجالة.

