عبد الله مشنون كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
تضعنا بعض المشاهد الصحفية العابرة أمام تساؤلات جوهرية تتجاوز في عمقها حدود السلوك الفردي للمسؤول السياسي لتمس صلب الحكامة وجدية التمثيل الدبلوماسي وترتيب الأولويات الوطنية في المحافل الدولية الكبرى إن اختيارنا للكتابة في هذا الموضوع الحساس لم يكن وليد رغبة في النقد المجرد بل انطلق بالأساس من تدوينة قوية كشف من خلالها الإعلامي المغربي البارز المقيم في باريس محمد واموسي عن واقعة مثيرة ومقلقة شهدها بنفسه وعاين تفاصيلها أثناء تغطيته للمؤتمر السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) بالعاصمة الفرنسية وهي الواقعة التي تطرح علامات استفهام كبرى حول جدية الأداء الحكومي وتداخل الأدوار بين العمل الدبلوماسي والمسؤولية التنفيذية المباشرة. لم يكن المؤتمر السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حدثاً عادياً يمكن التغاضي عنه أو إنابة مسؤولين من الدرجات الأقل حساسية لحضوره نحن نتحدث عن تكتل اقتصادي دولي يضم 38 دولة تهيمن مجتمعة على ما يناهز 60% من حجم اقتصاد كوكب الأرض بأسره. في هذا الفضاء الرهيب الذي تُصاغ فيه التوقعات والخطط الاقتصادية الكبرى اجتمع وزراء مالية واقتصاد فرنسا، كندا، فنلندا، والدول الكبرى بأنفسهم مدركين أهمية الحضور المباشر والتفاوض الثنائي وبناء التحالفات في مرحلة يتسم فيها الاقتصاد الدولي بالتقلب والاضطراب. لكن ووفقاً لما كشفه الإعلامي محمد واموسي بعد فحص دقيق لقائمة الوزراء الرسميين المشاركين من قسم الإعلام خلت اللائحة تماماً من اسم وزيرة الاقتصاد والمالية المغربية السيدة نادية فتاح العلوي وبدلاف من حضور المسؤول الأول عن القطاع المالي للمملكة ليجلس في المقعد المخصص للمغرب وُجد اسم مغربي وحيد يمثل الدولة وهي السيدة سميرة سيطايل سفيرة المغرب لدى فرنسا. وهنا يسجل كاتب المقال نقلاً عن شهادة واموسي أن السفيرة سيطايل امرأة كفوءة ونشيطة وتستحق كل الإشادة على تحملها أعباء ملفات تقنية خارج اختصاصها الدبلوماسي الصرف المتابع لوزارة الخارجية لكن غياب الوزيرة الوصية عن قطاع الاقتصاد يظل علامة استفهام معلقة في الهواء الباريسي ما الذي قد يكون أهم لوزيرة مالية من مؤتمر يقرر مصير التوقعات الاقتصادية العالمية؟ إن غياب وزير عن مؤتمر دولي قد يجد له المبررون سياقات شتى كوجود ملفات داخلية مستعجلة أو أزمات طارئة تستدعي البقاء في العاصمة الرباط. لكن الصدمة الحقيقية ومربط الفرس في شهادة واموسي تمثلت في رصد الوزيرة نادية فتاح العلوي بشحمها ولحمها في قلب باريس وعلى بعد خطوات قليلة من مكان انعقاد المؤتمر الاقتصادي الرهيب! لم تكن الوزيرة متواجدة في قاعة الاجتماعات ولم تكن تقف خلف الميكروفونات للدفاع عن المصالح الاقتصادية للمملكة أو تتفاوض على شراكات تدعم العملة الوطنية والناتج المحلي الإجمالي بل شوهدت بالقرب من شارع الشانزليزيه الشهير وهي تتبضع بكل أناقة وهدوء بال برفقة مرافق أمني لها في نزهة تسوق ربيعية بدت منفصلة تماماً عن أي أجندة رسمية أو هموم اقتصادية وطنية. مما لا شك فيه أن التسوق حق مشروع ودستوري لأي مسؤول بصفتهم البشرية لكن اختيار التوقيت والمكان يظل هو المحك الحقيقي لمدى استشعار المسؤولية السياسية. فكيف يمكن لمسؤولة تدير مالية شعب يواجه تحديات تضخمية وهيكلية كبرى أن تفضل تنشيط الأسواق الفرنسية عبر الإنفاق الشخصي في متاجر باريس الفاخرة على حساب الجلوس إلى جانب 38 وزيراً يرسمون الخارطة المالية للعالم؟ وأمام هذا المشهد السريالي يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً ومشروعية أليس عيباً واستهتاراً صارخاً بالمسؤولية الجسيمة أن تصدر مثل هذه السلوكيات عن وزيرة مغربية تتقاضى راتباً ضخماً من أموال دافعي الضرائب ومن قوت الشعب المغربي لتفُضّل في النهاية جولات التبضع الشخصي على التزامها المهني والوطني؟ إن هذا الغياب غير المبرر يضع الحكومة بأكملها في موقف حرج ويسائل بالدرجة الأولى رئيس الحكومة السيد عزيز أخنوش: أين هي قيم الجدية وربط المسؤولية بالمحاسبة التي يتم التغني بها في الخطابات الرسمية؟ وأين هو دور البرلمان المغربي بمجلسيه في مراقبة هذا الاستهتار الواضح بالتمثيلية الوطنية؟ إن هذا الفعل لا يجب أن يمر كحدث عابر بل يستحق وقفة حازمة ومتابعة ومساءلة حقيقية لوزيرة الاقتصاد والمالية تأكيداً على أن مناصب تدبير الشأن العام هي تكليف لخدمة الوطن وليست امتيازاً للسياحة والتسوق في عواصم الضباب والأنوار. إن هذه الواقعة التي فجّرها الإعلامي محمد واموسي لا تفضح فقط غياب ترتيب الأولويات بل تسلط الضوء على ظاهرة سيكولوجية وسياسية لطالما انتقدها المواطن المغربي وهي المفارقة الصارخة في سلوك المسؤولين بين شوارع العواصم الغربية وشوارع المدن المغربية. ففي شوارع باريس يمشي الوزراء المغاربة كبشر عاديين يسيرون على أقدامهم يحملون أكياس تسوقهم ويختلطون بالناس العاديين بمرونة وبساطة متناهية دون تكلف بينما في المغرب يتغير المشهد تماماً فلا يتحركون إلا عبر مواكب رسمية مهيبة محاطين بالسيارات الفارهة والبروتوكولات المعقدة وكأنهم يخشون أن يلامسهم الهواء الوطني أو يقترب منهم المواطن البسيط الذي أوصلهم إلى تلك المناصب. تضعنا شهادة الإعلامي محمد واموسي أمام مرآة الحقيقة إن تمثيل المغرب في المحافل الدولية ليس تشريفاً بروتوكولياً أو فرصة للاستجمام الشخصي على حساب قضايا الوطن. عندما يغيب الوزراء عن مراكز القرار ويتركون الدبلوماسيين ليقوموا بأدوار تقنية واقتصادية معقدة فإننا نضيع على البلاد فرصاً استثمارية وتفاوضية لا تعوض. إن بناء مغرب الحكامة والجدية يتطلب وزراء يدركون أن مكانهم الطبيعي هو قاعات المؤتمرات الدولية للدفاع عن مصالح الوطن وليس الأروقة التجارية لشارع الشانزليزيه.

