بقلم..ذ. محمد بادرة
2- نظام التحالف الحكومي القائم هو آلية لإضعاف المسؤولية السياسية
نظام التحالفات الحزبية ما بعد الانتخابات لأجل تشكيل الحكومات لا يساعد على تأسيس مجتمع سياسي مستقر ومنتج، ولا يبني استقرارا واستمرارا ديموقراطيا، ولا يساعد المجتمع السياسي على الاستقطاب، ولا يبني ثقافة سياسية ديموقراطية تعيد الثقة للمجتمع المدني، ولا يقدم الممارسة السياسية المسؤولة والناجعة، وانما يعمل على الابقاء على الفساد السياسي واستمرار سياسة الريع الحكومية والحزبية مما يتسبب في اضعاف هذه المؤسسات الدستورية. ولقد كانت تكلفة التحالفات السابقة وحتى الحالية التي عرفها المغرب كارثية على المجتمع السياسي المغربي لأنها أفرزت خلائط حزبية شكلت لنا حكومات هجينة بتركيبات حزبية وتكنوقراطية لا تتقاسم وحدة المرجعية الايديولوجية ووحدة البرنامج السياسي ووحدة الرؤية الاستراتيجية المتعارف عليها في التحالفات التي تتشكل في الأنظمة الديموقراطية. فماذا يجمع حزب علال الفاسي بحزب البام أو حتى بحزب الأحرار؟ ألا يعتبر هذا النوع من التحالف خيانة لإرادة الناخب لأنه عندما ينتخب حزبا ذي مرجعية ليبيرالية ودينية محافظة(علال الفاسي ومقاصد الشريعة الاسلامية ومكارمها) يدافع عن هوية حضارية ولغة قومية فالأولى احترام هذا الخيار الفكري والسياسي والإيديولوجي والابتعاد عن التحالف مع أحزاب تكنوقراطية ورأسمالية غير اجتماعية كانت بالأمس القريب يتهمها بهدر ثروات البلاد وتعميم الفساد السياسي وتفويت المؤسسات العمومية للخواص؟؟
بعد أكثر من عقدين من هذه التحالفات الحكومية (بدءا بحكومة التناوب التوافقي الى الحكومة الحالية) يتزايد الشعور بأن نظام المحاصصة الحكومية لم يعد قادرا على انتاج سلطة فعّالة وعلى ضمان التداول الحقيقي للسلطة ولا حتى على المحافظة على الحد الأدنى من الثقة بين المواطن والحكومة.
لقد نشأت المحاصصة أو تجارب التحالفات الحزبية الحكومية في ظروف استثنائية حين كان الخوف في الماضي من هيمنة مكون حزبي واحد على باقي المكونات الحزبية الأخرى (حزب الاستقلال وصراعه الدموي مع حزب الشورى والاستقلال لأجل الاستفراد بالسلطة) وبدت حينها التعددية وتجربة التحالف بين الأحزاب لتشكيل الحكومة حلا لإدارة التعددية الحزبية غير أن المشكلة الكبرى لم تكن في اعتماد هذا الأسلوب بصورة انتقالية بل في تحوله الى قاعدة دائمة في تشكيل الحكومات المغربية والى جزء من الثقافة السياسية السائدة في حين أن الثقافة الديموقراطية الحقيقية تفترض في الأحزاب الإعلان عن تحالفاتها قبل خوض الانتخابات حتى يكون الرأي العام على بيّنة قبل التصويت وحتى تكون التعاقدات واضحة وشفافة أما ترك أمر التحالف الى ما بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات فانه يجعل الأحزاب رهينة النتائج وقوة اللوبيات وانتهازية بعض القادة الحزبيين وهذا ما يشعر المواطن أن صوته لا يملك القدرة الكافية على التأثير في تشكيل الحكومة؟؟؟
ان التحالفات الانتهازية بين الأحزاب لم تقضي على البلقنة الحزبية ولم تؤسس لمجتمع سياسي مستقر وانما تسببت في اضعاف مفهوم المسؤولية السياسية فعندما تشارك أغلبية القوى السياسية في الحكومة يصبح من الصعب تحديد الجهة المسؤولة عن الاخفاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية (من هو المسؤول عن اختلالات توزيع أموال الدعم لصالح الفلاحين والكسابة: رئيس الحكومة؟ أم الوزير؟ وزير الفلاحة؟ أم الحزب الذي يمثله؟)- (من هو المسؤول عن ارتفاع أسعار الطاقة: رئيس الحكومة؟ أم وزير القطاع؟ أم الشركات والوزعين؟) – (من سيحاسب وزير القطاع؟ أم رئيس الحكومة؟ أم صمت الأحزاب التي ينتمون اليها؟) هذا التيهان يصيب المواطن بالدوار دون أن يعرف من المسؤول عن كل هذه الاختلالات والاخفاقات خصوصا عندما “يتبرأ” بعض الوزراء الحكوميين من مسؤولية تصاعد الأسعار والغلاء و”يبرؤون” انفسهم وأحزابهم من دعم “الفراقشية” والوسطاء الكبار الذين استفادوا من الدعم العمومي والإعفاءات الجمركية المخصصة لاستيراد المواشي والأغنام وكأن الحكومة تحولت الى تحالف واسع من الشركاء (لا الأحزاب) الذين يتقاسمون المناصب والمكاسب بينما تضيع المسؤولية بين الجميع وفي المقابل لا تتشكل معارضة قوية وقادرة على الرقابة والمحاسبة لأن معظم القوى المؤثرة تكون جزءا من الحكومة نفسها !!(فشل أحزاب المعارضة في تفعيل آليات الرقابة البرلمانية أو تشكيل لجن لتقصي الحقائق في تدبير هذه الأموال العمومية).
ان أخطر ما في المحاصصة والتحالف الحكومي أو بين أحزاب التحالف أنها تشجع الولاءات على حساب المواطنة، فبدلا من أن تتنافس الأحزاب الحكومية على تنفيذ البرامج والرؤى والسياسات العامة يصبح التنافس قائما على حجم الحصة التي يحصل عليها كل حزب داخل الحكومة، ومع مرور السنوات التي تتولى فيها الأحزاب الحكومية السلطة تتحول مؤسسات الدولة نفسها الى ساحات نفوذ متقاسمة بين القوى السياسية المختلفة، فتنشغل هذه الأحزاب بمصالحها الضيقة ولا تضيف أي قيمة للمشهد السياسي والحزبي الوطني بقدر ما تعرّي واقعها البئيس. والأخطر أن استمرار هذه المحاصصة الحزبية والحكومية يؤدي الى تآكل الثقة الشعبية بالعملية الديموقراطية ذاتها، فحين يقتنع المواطن أن الانتخابات لم تغير شيئا جوهريا، وأن الحكومات تتشكل في الغرف المغلقة أكثر مما تتشكل في صناديق الاقتراع فان الإحباط السياسي يتزايد وتتراجع المشاركة الانتخابية.
ان الإصلاح السياسي الحقيقي لا يبدأ من نظام التحالفات الحزبية أو تآلفات “القادة” بل يبدأ من اعادة النظر في القواعد التي تحكم العملية السياسية، اننا في حاجة الى نظام انتخابي يعيد الاعتبار لصوت الناخب ويؤسس لوجود أغلبية متجانسة ايديولوجيا وبرامجيا مع معارضة فاعلة.

